صرح الأمين العام لمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) رولوانو لقمان ان المنظمة مستعدة لزيادة انتاجها مرة اخرى اذا لم تصل الاسعار الى مستوى 28 دولارا للبرميل بعد تطبيق الزيادة المتفق عليها, (800 الف برميل يوميا) في مطلع اكتوبر المقبل. وفيما كان العالم يتوقع ان تناقش أية زيادة جديدة خلال الاجتماع الوزاري للمنظمة المقرر في منتصف نوفمبر المقبل, فإن لقمان أوضح ان أعضاء المنظمة متفقون على آلية لاقرار هذه الزيادة دون حاجة لانتظار انعقاد الاجتماع الوزاري المقبل. ويعني ذلك ان هناك احتمالا بأن تزيد المنظمة انتاجها خلال شهر اكتوبر بنحو مليون برميل يوميا, نصفها في الأول من الشهر, والنصف الثاني خلال الشهر نفسه, وذلك على أساس ان الزيادة الأولى لن تكفي بحال للهبوط بالاسعار الى مستوى 28 دولارا للبرميل. فهل تكون الزيادة الثانية التي اشار اليها لقمان للوصول الى هذا المستوى؟ القاعدة العامة التي تحكم مستوى الانتاج داخل منظمة أوبك تقضي بالتالي: اذا ما بقيت الاسعار فوق 28 دولارا للبرميل لمدة 20 يوما متصلة فإن على المنظمة ان تزيد انتاجها 500 الف برميل يوميا, فإن قيل ان زيادة الأول من اكتوبر قد تؤدي الى هبوط الاسعار الى مستوى 28 دولارا, وان ذلك قد لا يستدعي اية زيادة ثانية, أي ان قيل ان علينا الانتظار قبل ان نتحدث عن زيادة ثانية, فإن الرد الوحيد الملائم هو ان المنظمة زادت انتاجها بالفعل 500 الف برميل يوميا دون انتظار الأول من اكتوبر.. ارقام الانتاج اليومية تقول ذلك. اما أرقام الاسعار اليومية فإنها تقول ان تلك الزيادة التي تمت قبل موعدها الرسمي لم تؤد الى شيء, فالاسعار لاتزال تواصل ارتفاعها. ويوحي ذلك بأن من يقولون بأن الزيادة التي نشهدها الآن لا ترجع الى شح الانتاج لديهم برهان قوي على صحة ما يقولون. فالمنظمة منقسمة الآن الى وجهتي نظر, الأولى تقول ان زيادة الانتاج ضرورية لوضع الاسعار عند مستوى معقول (28 دولارا), والثانية تقول ان جنون الاسعار الحالي لا صلة له بكميات الانتاج, إذ انه يرجع الى المضاربين في اسواق الاوراق المالية على عقود النفط المستقبلية والى رغبة الحكومة الامريكية في اعادة ملء خزاناتها الاستراتيجية والى عمليات الصيانة الصيفية في عدد من المصافي الاوروبية والامريكية الأساسية ثم الى الضرائب التي تفرضها الحكومات الغربية على وارداتها من المواد الخام المتكررة. وواقع الحال ان دراسة ارقام الانتاج والاستهلاك في اللحظة الراهنة تنتهي الى ان كلا من الجانبين يقول نصف الحقيقة فقط. أما النصف الآخر من وجهتي النظر فإنه يتصل بدواعي السجال والمواجهات الكلامية فحسب. ذلك ان الطلب قد ازداد بالفعل, أي ان الأمر لا يرجع الى المضاربين والمخزونات الاستراتيجية الفارغة وحدها, ففي حالة جنوب وشرق آسيا مثلا لاحظنا ان الطلب قد ازداد بمقدار 600 الف برميل يوميا خلال النصف الأول من هذا العام (في المتوسط) ثم قفز الرقم في أغسطس الى 670 الف برميل يوميا كنسبة زيادة عند مستوى الاستهلاك في الشهر نفسه من العام الماضي. الا ان العوامل الأخرى, أي المضاربين وخلو خزانات الاحتياطي الاستراتيجي والضرائب, هي بدورها عوامل مؤثرة. المخزون الأمريكي الحالي يصل الى 115 مليون برميل من وقود التدفئة المكرر و6.288 مليون برميل من الخام و196 مليون برميل من وقود السيارات. ورغم ان الارقام تبدو كبيرة الا ان هذا المستوى يقل في متوسطه العام بنحو 20% عما كان عليه قبل عام واحد. أما بالنسبة للمضاربين فسوف نذكر حالة واحدة ذات دلالة. فقبل اجتماع أوبك الأخير بساعات كانت العقود المستقبلية على خام برنت تمضي على مستوى 70.32 الى 78.32 دولارا للبرميل. وبعد الاجتماع مباشرة ارتفعت هذه الارقام الى 62.33 دولارا للبرميل. وقد يفسر مفسر لذلك ان المتعاملين في وول ستريت وبورصة لندن كانوا يتوقعون زيادة كبيرة في الانتاج, وحين أتت الزيادة على ما أتت عليه, أي 500 الف برميل فقط, ارتفعت الاسعار بنحو 85 سنتا للبرميل, وهذا صحيح بطبيعة الحال, ولكنه مثل تفسير الماء بالماء, ذلك انه برهان في حد ذاته على مدى تأثير المضاربين في اسواق المال العالمية على أسعار التداول الحالية. والاستهلاك العالمي لم يقفز قفزة كبيرة خلال اجتماع وزراء اوبك كي نفهم هذه الزيادة, بل ان هؤلاء الوزراء قرروا زيادة الانتاج وليس خفضه, كيف ترتفع الاسعار إذن؟ لقد كفت علاقات السوق النفطية عن ان تكون علاقة بسيطة ومباشرة بين البائع والمشتري تشهدها سوق روتردام الفورية, لدينا الان كماً من (الأوراق) ـ العقود المستقبلية والآجلة وما اليها من (أدوات) مالية ـ تكمن من ادخال رأسه في المسافة بين البائع والمشتري قاضماً قطعة من هذا وقطعة من ذاك. من يقولون اذن ان الاستهلاك قد ازداد وان ذلك يفسر زيادة الاسعار يقولون نصف الحقيقة فقد زاد الاستهلاك بالفعل ولكن هذا لايفسر وحدة زيادة الاسعار. كما ان من يقولون ان المضاربين والضرائب والمصافي هي السبب في الزيادة يقولون ايضاً نصف الحقيقة, اذ ان ذلك كله ليس هو السبب الوحيد فيما نراه حالياً من زيادة سعرية. ان هذه الزيادة ترجع الى تلك الأسباب جميعاً مجتمعة فالضرائب الحكومية في الدول الصناعية كانت موجودة ايضاً حين كان سعر البرميل 10 دولارات فقط. انها لم تزد مؤخراً على اي نمو مفاجىء يدعو للاعتقاد بأنها السبب وراء هذه الزيادة, وذلك على الرغم من اتفاقنا التام مع من يرون في هذه الضرائب مبالغة مذهلة احياناً ـ خصوصاً في حالة بريطانيا وايطاليا ـ من حيث حجمها وثقلها على المستهلكين. ماذا سيحدث اذن بعد الزيادة الثانية؟ ان كانت اوبك ستقر زيادة ثانية؟ ان السؤال ـ على صيغته تلك ـ يعد مقلوباً. فالاصل هو مناقشة السعر وليس الانتاج ان كنا نرى في آلية اوبك التي اشرنا اليها (28 دولاراً بحد اقصى) امراً معقولاً. يعني ذلك ان على اوبك ان تزيد الانتاج بالفعل حتى يصل السعر الى 28 دولاراً للبرميل, فان استدعى ذلك زيادة ثانية أو ثالثة كان بها. ذلك ان مستوى 28 دولاراً للبرميل هو المستوى الذي قبلته المنظمة كحد معقول لسقف الاسعار. وما نراه حالياً يزيد كثيراً عن هذا المستوى. ـ استقرار الاسعار في سوق النفط العالمية هو امر حيوي للمستهلكين وللمنتجين معاً. ليس من مصلحتنا الدفع بالاسعار الى أعلى كثيراً ان كنا لا نريد ان نراها لاحقاً تهبط مرة اخرى الى 10 دولارات للبرميل. وليس من مصلحتنا ان نقبل بانخفاضها كثيراً, وينطبق الحال ايضاً على المستوردين, فالمتاعب الاقتصادية التي تواجهها أوروبا الغربية والولايات المتحدة الان بسبب ارتفاع اسعار البترول ينبغي الا تسعد احداً. فهي في ذاتها امر غير مفيد, ثم انها قد تستدعي جهوداً موحدة من المستوردين تؤدي الى ضغوط عنيفة على الاسعار بعد ذلك, ومن ثم انخفاضها وتصدير هذه المتاعب الى دول اوبك كما حدث من قبل. الامر المنطقي هو الوصول الى صيغة تعاون بين المصدرين والمستوردين وليس صيغة مواجهة. ويتطلب هذا الامر زيادة الانتاج حتى تصل الاسعار الى مستوى 28 دولاراً, وطرح قضية الضرائب, والاحتياطيات الاستراتيجية للنقاش, مع محاولة التوصل الى صيغة لعلاقة مباشرة بين المصدرين والمستوردين لاتمر بأوراق بورصة لندن أو وول ستريت. واشنطن ـ عصام عبدالعزيز