سيطر القطاع العام على توظيف العمالة الوطنية منذ قيام دولة الاتحاد في 1971. وعلى الرغم من البطء النسبي لعملية استيعاب المواطنين من قبل المؤسسات الحكومية الاتحادية والمحلية, إلا ان هذا القطاع يظل لاعباً هاماً في تحديد طبيعة ومستوى توظيف العمالة الوطنية لسنوات عديدة مقبلة. وبالاضافة الى ذلك, أصبحت تعويضات العاملين في القطاع العام هي المحدد الأول لمستوى الأجر على مستوى الاقتصاد ككل. ومع ظهور المعدلات المتزايدة من البطالة بين المواطنين فقد بدأ التطلع الى القطاع العام مرة اخرى على انه المصدر الرئيسي لاستيعاب العمالة الوطنية في المدى القصير. واذا كنا نعتقد بقوة بأن القطاع العام بيده الحل في الاجل القصير لتوظيف العمالة الوطنية فإن القضية الهامة تصبح: ما هي المحددات والعقبات التي يمكن ان تواجه جهود التوطين في هذا القطاع؟ ومن اجل اعطاء اجابة مقبولة لهذا السؤال فإنه يتوجب علينا ان نتفهم خصائص التوظيف في المؤسسات الحكومية والمشروعات العامة. فيما يلي محاولة لإلقاء الضوء على المظاهر الأساسية للقطاع العام من حيث التوظيف ومدى محدوديته في استيعاب القوة العاملة الوطنية بدولة الامارات. خلفية تاريخية أصبح القطاع الحكومي المقصد الأول للباحثين عن الوظائف بعد قيام دولة الامارات. وقد ادى إنشاء المؤسسات الحكومية الاتحادية الجديدة والدوائر الحكومية المحلية الاخرى الى زيادة الطلب على العمالة العربية لتلبية متطلبات خطط القيادة السياسية الطموحة التي كانت ترغب في توفير الخدمات الأساسية للمواطنين في مجالات التعليم, والصحة, ورعاية الشباب, والاسكان, والخدمات الاجتماعية وغيرها. وقد ادى الانتعاش النفطي في عام 1973 الى تزايد المجهودات الحكومية والاسراع فيها لتطوير البنية التحتية للدولة وتحسين البيئة الاجتماعية, مما ادى بدوره الى زيادة الطلب العام على العمالة الوطنية والعربية بشكل رئيسي. ونتيجة لهذا النمو تجزأت سوق العمل هيكلياً الى سوق عمل للقطاع العام واخرى للقطاع الخاص. وقد تم الفصل بين هاتين السوقين في سوق العمل من خلال عدة عناصر من ضمنها مستوى الاجر, وتوليفة الجنسيات المرغوبة ومستويات المهارات المطلوبة. ذلك ان سوق العمل الخاصة بالقطاع العام تميزت بعرضها مستوى عالٍ للأجور, وفرص وفيرة لتوظيف المواطنين والوافدين العرب, وتطلبها مهارات معينة في التنظيم المؤسسي, والادارة, والأعمال المكتبية. ومن جانب آخر اتصفت سوق العمل المرتبطة بالقطاع الخاص بتدنى مستوى الاجور, وعرض فرص التوظيف للعمالة غير العربية, وتطلبها مهارات منخفضة في مجالات التسويق والمبيعات. والادارة, ولكن هذه الحدود الفاصلة بين سوقي العمل اللتين تشكلان سوق العمل للاقتصاد الاماراتي بدأت تذوب مع حلول الكساد النفطي الذي بدأ في 1982 حيث بدأ الفارق الملحوظ في تعويضات العمالة بين سوقي العمل يضمحل واتجهت المهارات الوظيفية المطلوبة الى التماثل, وشهد حلول 1990 دعماً حكومياً علنياً لقطاع خاص قوي يستطيع المشاركة والمساهمة في عملية التنمية الاقتصادية بالدولة, وفي السنوات الأخيرة اتجهت ثنائية سوق العمل بالدولة الى الاندماج وفق أسس عديدة. أولاً, تم اغلاق فجوة الفروق في تعويضات العاملين في سوق العمل, إلا لاعتبارات تتعلق بجنسية العامل. ثانياً, أصبحت المهارات المطلوبة في مجالات التنظيم والادارة متماثلة في السوقين. ثالثاً, بدأت سوق العمل المرتبطة بالقطاع الخاص تعرض فرص توظيف أفضل ومجالات أوسع للتطوير الوظيفي. بالاضافة الى ذلك, اعتبرت السوق أفضل من حيث المنافسة, والارتقاء الوظيفي والابداع, الأمر الذي يتناسب مع متطلبات مرحلة العولمة. رابعاً, هناك اهتمام كبير وتشجيع ملموس من قبل بعض المؤسسات الحكومية لتحسين نوعية الخدمات المقدمة في القطاع الحكومي وتطوير بيئة العمل في القطاع العام. خصائص العمالة في القطاع العام تتصف العمالة في القطاع العام بخصائص معينة تجعلها تختلف عن العمالة الموظفة في القطاع الخاص. ويساعد الفهم الدقيق لهذه الخصائص على إمكانية تحديد قدرات القطاع ومحدودياته في استيعاب الداخلين الجدد في قوة العمل المواطنة في المستقبل القريب. الاتجاهات نمت العمالة في القطاع العام بشكل سريع جداً خلال السبعينيات بالمقارنة مع المعدلات العالمية, حيث وصل معدل نموها السنوي الى 19% في 1976 ولكن الكساد النفطي الذين بدأ في 1982 ادى الى خفض طلب القطاع العام على العمالة بشكل ملحوظ. حيث تراجع معدل النمو السنوي الى 4.0% في 1986 إلا ان انتعاش اسعار النفط في التسعينيات رفع من طلب القطاع على العمالة الى معدل نمو سنوي بلغ في المتوسط 5.3% خلال 1990 ـ 1997. ان تراجع معدلات نمو العمالة في القطاع الحكومي وتباطئها خلال التسعينيات بسبب تذبذبات العوائد النفطية ومجهودات تقليص حجم النفقات الحكومية. ادى الى تقليل نصيب القطاع في العمالة الاجمالية من 7.17% في 1990 الى 9.12% في 1997. مجهودات (التوطين) على الرغم من عدم توافر بيانات تفصيلية وآنية لرسم صورة دقيقة عن مجهودات الامرتة في القطاع العام إلا انه بالامكان الحصول على نظرة داخلية ونتائج عملية من خلال البيانات القليلة المتاحة للسنوات 1990 ـ 1995. اولا: تبدو المؤسسات الحكومية الاتحادية الاكثر نجاحا في مجهودات امرتة قوتها العاملة على وجه العموم, حتى اصبحت العمالة الوطنية في هذه المؤسسات تمثل 9.17% من العمالة الاجمالية في القطاع العام في 1995. وبينما استطاعت المؤسسات الاتحادية ان توطن 9.37% من قوتها العاملة, فإن المؤسسات المحلية والمشروعات العامة وطنت بنسب اقل بكثير تصل الى 8.17% و6.12% سنويا على التوالي. ثانيا: استطاعت المؤسسات الحكومية المحلية ان تستوعب ما يقارب 50% من العاملين المواطنين في القطاع العام, ويعود السبب في ذلك الى ضخامة حجمها, اما الجزء المتبقي من القوة العاملة المواطنة في القطاع العام فقد استوعبت المؤسسات الاتحادية 1.37% منها والمشروعات العامة حوالي 6.12%. ثالثا: انخفضت النسبة السنوية لتوطين العمالة في الحكومة الاتحادية من 8% في 1991 الى حوالي 2% سنويا خلال 93 ـ 95. رابعا: على الرغم من مجهودات توطين العمالة, فإن عملية التوطين مازالت محدودة الأمر الذي يعكس طبيعة البطء في مجهودات الامرتة. ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال تجربة المؤسسات الاتحادية, حيث ارتفع نصيب العمالة الوطنية فيها بشكل ضئيل من 1.37% في 1990 الى 9.37% في 1995. النوع شكل العاملون المواطنون حوالي 89% من اجمالي العمالة الوطنية في القطاع العام عام 1995. وبينما مثل نصيب الاناث حوالي 11% من العمالة المواطنة على مستوى القطاع, الا ان هذه النسبة تفاوتت بشكل كبير فيما بين المؤسسات الحكومية المختلفة. ذلك ان الاناث المواطنات شكلن 15% من العمالة الوطنية في المؤسسات الاتحادية و9% في الدوائر الحكومية المحلية. وبما ان توظيف الاناث المواطنات نما بمعدل سنوي بلغ متوسطه 8.8% خلال 1990 ـ 1995 (بالمقارة مع 5.0% للذكور), فمن المتوقع ان تهيمن العمالة الوطنية للمرأة على التوظيف في القطاع العام. ويبدو ان طبيعة العمل في المؤسسات الحكومية تعتبر اكثر تلاؤما وتشجيعا للمشاركة النسائية في سوق العمل. إمكانات استيعاب العمالة الوطنية في القطاع العام نظرا للواقع الذي يشير الى ان توطين العمالة يمكن ان يكون ابطأ في القطاع الخاص عنه في القطاع العام. فإن القطاع العام يمثل الخيار الافضل لصناع القرار والسياسة الاقتصادية لتقديم مثال نموذجي لمجهودوات التوطين. ولكن هذا الخيار يعتمد على عوامل كثيرة تحدد قدرات القطاع العام على استيعاب الداخلين الجدد في قوة العمل الوطنية. وبجانب القضايا السياسية والسكانية والاجتماعية والمهارية (المهنية) التي تؤثر في هذه العملية, هناك ايضا محدوديات تتمثل في التركيبة او الهيكل المهني للقطاع والتوصيف الوظيفي الذي يتطلبه. فقد عرض القطاع العام حوالي 6.14% فقط من فرص التوظيف المتاحة في الاقتصاد الاماراتي في 1995. ويتوقع من القطاع ان يوجد اكثر من 42 الف فرصة عمل خلال 1995 ـ 2001. كما يتوقع ان تتيح المؤسسات الحكومية المحلية والاتحادية مانسبته 46% و38% (على التوالي) من فرص العمل هذه. اضافة الى ذلك ستكون المهارات في مجالات مثل الصحة والطب والتعليم وتقنية المعلومات والخدمات الحكومية. الاكثر طلبا في المستقبل القريب. ان هذه الحقائق والتوقعات تنذر بعدم النظر لعملية توطين العمالة في القطاع العام على انها بديل سهل للسياسة الاقتصادية. بل ان مساعي كبيرة في التصميم والتنسيق والتخطيط يجب ان تتضافر لتقديم تجربة مثالية في مجال التوطين في القطاع العام لتشجيع بدورها على بذل مجهودوات مماثلة في القطاع الخاص.