سوف تظل دولة الامارات ولفترة طويلة من الزمن تعتمد وبشكل كبير على القوة العاملة الاجنبية وذلك نظرا لطبيعة الظروف السكانية لهذا المجتمع. وهذا بحد ذاته ليس عيبا حيث ان الكثير من دول العالم الصناعية المتقدمة تعتمد بدرجات متفاوتة على القوى العاملة الاجنبية, وهو أمر يرفضه واقع التنمية الاقتصادية في المجتمع, غير ان ما ينقصنا نحن في مجتمع الامارات الى اليوم هو عدم وجود رؤية استراتيجية واضحة ودقيقة في موضوع توطين القوى العاملة على المستوى الاتحادي في الحاضر والمستقبل القريب والبعيد وذلك مع استثناء بعض الامارات على المستوى المحلي ومع استثناء القطاع العسكري. فنحن لدينا المعلومات الكافية عن واقع القوى العاملة المواطنة, كما يتضح من التقارير والدراسات الرسمية, غير اننا لم نشكل الى الآن رؤية استراتيجية حول الموضوع. إن الرؤية الاستراتيجية هي القاعدة الأساسية لتخطيط القوى العاملة الوطنية ووضع البرامج اللازمة لها, وان اعلان الهيئة لسياستها في المرحلة المقبلة من حيث عدم ممارسة سياسة الزام القطاع الخاص بتحديد نسب التوطين أو بتحديد كادر رواتب للقوى العاملة المواطنة يعد منعطفا خطيرا نحو تغيير سياسة التوطين التي كانت معلنة من قبل. وان ذلك يؤكد لنا ما سبق طرحه عن عدم وضوح الرؤية الاستراتيجية تجاه عملية التوطين وعدم دقتها, بل وتناقض الآراء وتضاربها تجاه عملية التوطين. والسؤال الذي يطرح ذاته لماذا وكيف تنجح عملية التوطين في بعض الامارات وعلى المستوى المحلي وبدرجة عالية من النجاح في حين نجد ان ذلك المستوى من النجاح لم يتحقق لا على المستوى الاتحادي ولا على مستوى باقي الامارات؟ ولماذا لم نستفد من تلك التجارب المحلية؟ فالفرد المواطن الذي نحكم عليه بالفشل في امارة معينة أو على المستوى الاتحادي هو نفس الفرد الذي حقق مستوى من النجاح على المستوى المحلي في امارات معينة. ان الاجابة تكمن في كلمة واحدة بكل ما تحمله من معان وهي (الادارة), أي بمعنى آخر أعطني بيئة ادارية صحية وناجحة أعطك مواطنا ناجحا. والحقيقة التي لا مفر منها هي ان سوق العمل لدينا يعاني مما يعرف اقتصاديا بسياسة الاغراق. ونقصد بسياسة الاغراق هنا ان القوة العاملة الاجنبية تعرض العمل بمستوى متدن جدا من الأجور تعجز معه القوى العاملة المواطنة عن المنافسة, ونحن نناشد الاخوة المسئولين ان يضعوا أو يتصوروا أنفسهم محل الخريجين المواطنين الباحثين عن عمل عندما تعرض لهم اجور متدنية جدا, فالعامل الاجنبي قد كيّف ذاته لهذا الغرض وهو يقارن مستوى الاجور هنا بمستواها في بلده. أما العامل المواطن فلا يعرف سوى بلده التي يكون فيها مستوى المعيشة مرتفعا. فاذا ترك القطاع الخاص دونما حد أدنى من الالزام بعملية التوطين فلا أعتقد اننا سوف ننجح في التوطين, ولا شك ان عملية التدريب والتأهيل تبقى ضرورية للغاية بيد ان الحد الادنى من الالزام لابد من توفره في تفضيل المواطن على الاجنبي متى ما توفر العنصر المواطن وبمستوى افضل من الأجر, ولابد من فرض رقابة ومتابعة من سلطة عليا لتطبيق ذلك الحد الأدنى من الالزام. د. محمد إبراهيم الرميثي