برغم انعقاد مؤتمر الأوبك وإقراره زيادة الانتاج من اجل تحقيق الاستقرار في أسعار البترول الخام, الذي تشكو الدول الصناعية الكبرى من ارتفاعه, لم يتوقف الحديث والجدل حول هذه السلعة الحيوية. فقد تحدى البترول قرار رفع الانتاج وارتفع سعره على المستويات القياسية التي وصلها الاسبوع الماضي, إلا من انخفاضات طفيفة مالبث البترول الخام ان تجاوزها بسرعة, وعكس بذلك تكهنات بأن قرار الأوبك برفع الانتاج )بنسبة قليلة جداً من وجهة نظر الدول المتضررة( لن يكون له تأثير كبير على ارتفاع الاسعار. قالت منظمة الاوبك انها تريد ان تنخفض أسعار البترول الخام بعد تأكيدها أمس الأول على رفع الانتاج بمقدار 800 الف برميل اعتباراً من الشهر المقبل. لكن الدول المنتجة للبترول أو بعضا منها كانت تنتج بالفعل أكثر من حصتها الانتاجية المحددة وقد تضطر بمقتضى قرار المنظمة الى زيادة انتاجها بنسبة أكبر اعتباراً من الشهر المقبل. ويقول أحد خبراء البترول الأمريكيين ان قرار الاوبك يقنن الزيادات الانتاجية التي كانت تتم من قبل دون قرار من المنظمة ويعكس بذلك رأى الغرب بأن الزيادة المقررة في الانتاج كانت موجودة من قبل في الأسواق, اي انه ليس هناك جديد في قرار الأوبك وان الزيادة في الانتاج غير كافية. ويضيف الخبير الامريكي ان الأمر يبدو وكأنه لاتوجد زيادة جديدة حقيقية. وبلغ سعر البترول تسليم أكتوبر في بورصة نيويورك 14.35 دولاراً للبرميل, بارتفاع 51.1 دولار, لكنه لايزال أقل من مستوى 71.35 دولاراً المسجل الاسبوع الماضي, وكان أعلى مستوى قياسي بلغه سعر البترول من عشر سنوات تقريباً حيث فاق الطلب انتاج الأوبك خلال الأشهر الستة الماضية. ومع اقتراب فصل الشتاء في مناطق مثل شمال شرقى الولايات المتحدة وغيرها, والتي تستهلك كميات كبيرة من البترول لأغراض التدفئة, هناك توقعات بارتفاع الاسعار أيضا. وقد أثارت ارتفاعات أسعار البترول احتجاجات وتظاهرات في بلدان أوروبية عديدة, كان أشدها وأعنفها في فرنسا, بل هددت أيضا الحكومة ذاتها, وقد انتهت عملية اغلاق 60 مصفاة بترول في فرنسا يوم الاحد الماضي, ادت الى نقص شديد في الوقود في انحاء البلاد, وذلك عندما وافقت الحكومة على خفض ضريبة الوقود بمقدار 35 سنتيم )5 سنتات( على اللتر خلال العام الجاري وبمقدار 25 سنتيماً العام المقبل. كما قام سائقوا الشاحنات وسيارات الأجرة والحافلات في بلجيكا باحتجاج ضد ارتفاع أسعار الوقود وأغلقوا الطرق داخل بروكسل وحولها أكثر من يوم. وقام سائقو الشاحنات في بريطانيا أيضا باحتجاج مماثل, لكن الحقيقة الملفتة للنظر ان الضرائب التي تفرضها الدول الغربية على الوقود تمثل 70% من سعره الذي يباع به في محطات الوقود الأوروبية, فهل يعنى ذلك ان ارتفاع أسعار الوقود, يرجع بالضرورة لارتفاع أسعار البترول الخام؟ وهل يعنى ذلك ان ارتفاع أسعار البترول الخام هى مسئولية الدول المنتجة ومنظمة الأوبك بصفة خاصة بنسبة 100%؟ ان الدول الغربية, ومنذ الحرب العالمية الثانية, تسعى الى تحقيق حرية التجارة العالمية وانشأت في سبيل ذلك عدة مؤسسات ومنظمات دولية من اتفاقية الجات الى منظمة التجارة العالمية حالياً. وتقيس الدول الغربية مدى تقدم النظام التجاري والمالي في اية دولة بمدى انفتاحه على العالم ومساهمته في التجارة العالمية أو بمعنى آخر حجم وارداته من العالم المتقدم والدول الصناعية. كما تقدم هذه الدول الغربية على مساعدة الدول النامية التي تجرى عمليات اصلاح اقتصادي تهدف الى تحرير اقتصادها واعادة هيكلة انظمتها المالية لتتوافق بشكل أكبر مع النظام العالمي للتجارة والاقتصاد. وذروة هذه الخطوات والاجراءات ان تظل كل السلع والمنتجات محكومة بقانون واحد فقط, هو قانون السوق أو العرض والطلب, وهو ما تسعى اليه الدول الصناعية المتقدمة والعالم الغربي بصفة عامة. اذن لماذا عندما يأتى الأمر لسلعة يتركز انتاجها في دول نامية أو دول العالم الثالث كما يسمونها, يتخلى الغرب عن أدبيات نظام السوق وقوانين العرض والطلب وحرية التجارة وكل هذه المسميات التي يتبناها نظام التجارة العالمي الجديد أو العولمة ان شئت استخدام مصطلحاتهم. وما يدعو للدهشة ان تقرير وكالة الطاقة الدولية الشهري جاء فيه ان ارتفاع اسعار البترول دفع الدول المنتجة الى رفع الانتاج في الوقت الذي تحد فيه الدول المستهلكة من مشترواتها من البترول, في ظل هذه المعطيات تتساءل, ليس فقط عن مصير البترول, بل مصير اي سلعة يحتاج اليها العالم الغربي ويتصادف ان تكون من انتاج الدول النامية. كتب المحرر الاقتصادي