.. ربما لا يكون الحديث عن بدائل النفط كمصدر رئيسي للطاقة جديداً, فلقد سبق طرح مثل هذا الموضوع قبل حوالي 25 عاما من الآن, وبالتحديد مع أول ازمة نفط شهدها العالم في السبعينات من هذا القرن.. وبالرغم من ذلك فإن (مؤتمر هاي فورم 2000) الذي اختتم اعماله مؤخراً اكتسب اهمية قصوى لاسباب عديدة اهمها توقيت انعقاده وبشكل غير مخطط له مع الازمة العالمية التي تشهدها الاسواق جراء ارتفاع اسعار النفط اضافة الى التغييرات البيئية الكبيرة التي بدأت تهدد استقرار البشر على الكرة الارضية, كما ان البدء في استخدام تقنية الهيدروجين بشكل عملي وواقعي ضاعفت من اهمية المؤتمر ولعل ابرز التجارب تلك التجربة التي فاجأت العالم بها مجموعة بي ام دبليو الرائدة في صناعة السيارات. من خلال صناعة أول سيارة تعمل على الهيدروجين كوقود يحل محل البترول بكفاءة عالية دون ان يلحق اي ضرر بالبيئة فالسيارة لا تطلق اي انبعاثات لغاز ثاني اكسيد الكربون لان مصدر الطاقة هو الهيدروجين المستخرج من الماء, وبدأت هذه السيارة (700 إتش إل) في السير على الطرقات دون اي مشاكل وبسرعة تصل الى 225 كيلو مترا في الساعة اعتبارا من مايو عام 1999 الماضي. وفي ظل هذه التطورات عقد بمدينة ميونيخ الالمانية الاحد الموافق 11 سبتمبر الجاري اول مؤتمر من نوعه على مستوى العالم هو الملتقى الأول لطاقة الهيدروجين (هاي فورم 2000) واستمر حتى الخميس الماضي بمشاركة 600 شخص يمثلون رجالات السياسة والاقتصاد والصناعة وشركات التمويل والتأمين وكبريات شركات صناعة السيارات والاجهزة اضافة الى خبراء الطاقات البديلة وعلماء الهيدروجين واساتذة الجامعات من 31 دولة ابرزها الدول الصناعية الكبرى.. وكان من ابرز اهداف المؤتمر ورسالته الرئىسية هي ان الهيدروجين هو الوقود الوحيد الذي يضمن استمرارية الطاقة في المستقبل بشكل لا يؤثر اطلاقا على البيئة كما انه لا يمكن ان ينضب ابداً لانه مستخرج من الماء والطاقة الشمسية. كما بحث المؤتمر السياسات والتكنولوجيا والفرص المناسبة لاستخدام الهيدروجين كطاقة بديلة للنفط خلال السنوات المقبلة.. التأثير البيئي ومن أجل اعطاء موضوع المؤتمر اهمية اكبر واستقطاب الرأي العالم واهتمام مختلف القطاعات ركز الخبراء على موضوع الاضرار البيئىة الناجمة عن استخدام النفط الخام كمصدر للطاقة حيث يقول أ.د نيجات فيزي روجلو الرئيس الفخري للمؤتمر ومؤسس ورئيس الاتحاد الدولي لطاقة الهيدروجين انه نظرا للاستهلاك العالي للبترول والغاز الطبيعي في الوقت الراهن. فإن انتاجية البترول ستصل الى قمتها فيما بين عام 2010 و2020, وبعد ذلك سوف يبدأ الانتاج في الانخفاض مضيفا بأن انبعاثات هذين المصدرين للطاقة تتسبب في مشاكل بيئية حول العالم لا يمكن حصرها مثل التغيير المناخي وزيادة معدلات درجات الحرارة والامطار الأسيدية وتوسع ثقب الأوزون والتلوث وهذه المشاكل ستؤدي الى كوارث طبيعية مثل الفيضانات والعواصف المدمرة والجفاف وزيادة منسوب المحيطات مما يتسبب في خلخة الاقتصاد العالمي. واضاف ان الاوان قد آن الى اتخاذ خطوات فعلية لهذه المشاكل قبل فوات الاوان ويجب ان يتجه العالم الى الطاقة الوحيدة في العالم وهي الهيدروجين كما يجب بناء محطات انتاج الهيدروجين ووضع خطط للتخزين وتوزيع الهيدروجين والبدء في انتاج السيارات والطائرات والمعدات التي تستخدم الهيدروجين كوقود وكذلك توليد الكهرباء من محطات عاملة على الهيدروجين. واكد فيزي روجلو ضرورة العمل على سن القوانين التي تشجع على التحول لوقود الهيدروجين ولهذا السبب فقد جمع المؤتمر صانعي القرار والقطاع المصرفي والصناعي وشركات التأمين والقطاع البيئي وقطاع البحث والتطوير حتى يتمكنوا من البحث والتعرف على فوائد الاقتصاد المبني على الهيدروجين بدلا من النفط وبحث المشاكل والعوائق. أزمة النفط ومن باب الصدفة التي لم يخطط لها أحد تزامن عقد المؤتمر مع الأزمة العالمية الحالية لاسعار النفط العالمي مما ضاعف من اهمية المؤتمر بشكل كبير واتجهت انظار العالم الصناعي الى قاعات هاي فورم 2000 الذي نجح منظموه على الفور في الربط بين نتائج المؤتمر والازمة الحالية وجاءت اول توصية من توصيات المؤتمر في نفس هذا الاطار حيث وافق المؤتمر على ان هناك علاجاً لازمة النفط الحالية التي يمر بها العالم من ناحية ارتفاع اسعار البترول وكذلك للحد من امكانية تكرار مثل هذه الازمات مستقبلا والحل هو الاتجاه للهيدروجين الذي سيبدأ بتزويد العالم بطاقة نظيفة وصديقة للبيئة واحلاله مكان المصادر التقليدية خلال السنوات القليلة المقبلة وسيساهم في التقليل من ضغوط اسعار النفط. واتفق رجال العلم والصناعة من جميع انحاء العالم المشاركون في المؤتمر على ان الهيدروجين سيلعب دورا مهما واساسيا كمصدر وحيد للطاقة مستقبلا. وبالرغم من الاهمية الكبيرة للمؤتمر وآثاره على الاقتصاد العالمي من خلال الدعوة إلى تحويل مصدر الطاقة الرئيسية في العالم من النفط إلى الهيدروجين, الا ان دول النفط (أوبك) لم تهتم كثيراً بما يدور في قاعات المؤتمر وكأن الامر لا يعنيها في الوقت الذي يؤكد فيه العلماء المشاركون انهم قادرون على الاطاحة بهيمنة النفط الخام على الاقتصاد العالمي خلال عقود قليلة اقل بكثير مما يتوقعه مصدرو النفط مؤكدين على ان البترول بالطبع لن يختفي فجأة ولكن نسبة الاعتماد عليه ستصل إلى درجات قليلة جداً, ودعم الخبراء والعلماء قولهم بتجارب واقعية موجودة حالياً اهمها سيارة الهيدروجين التي صنعتها شركة بي ام دبليو مشيرين إلى ان استخدام الهيدروجين كوقود للسيارات هو البداية ومن ثم يمكن استخدام الهيدروجين في كافة الاجهزة والمعدات المنزلية وتوليد الطاقة الكهربائية واستخدامه كشاحن لكافة البطاريات والمحركات خلال سنوات قليلة مقبلة. واستمع المؤتمر إلى تجربة ايسلندا التي سوف تصبح اول دولة في العالم تقوم بالقفزة الانتقالية من البترول والديزل إلى الهيدروجين بالكامل مع نهاية هذا العقد وبذلك ستكون معتمدة على الهيدروجين بنسبة 100% وستتخلص من البترول والديزل. كما اتفق المؤتمرون في احدى التوصيات بوضوح على ان تقنية الهيدروجين سوف تبدأ بالانتشار الفعلي عامي 2003 و2004. ربط السياسات بالتكنولوجيا واكد هاي فورم 2000 وجوب ان تتماشى سياسة الطاقة مع سياسة التكنولوجيا خاصة في الدول الاوروبية التي لديها مصادر طاقة منخفضة جداً ولكنها رائدة في مجال التكنولوجيا. ودعا أ.د كارل يوخن ونتر رئيس البرنامج العلمي للمؤتمر إلى ان تكون سياسة المواصلات في العالم مساندة لقيام بنية تحتية لتزويد الهيدروجين فالموضوع المستقبلي للمواصلات والتنقل سيكون معرضاً للانقراض الا اذا كان معتمداً على الهيدروجين كوقود اساسي مؤكداً ان البحث وتطوير تكنولوجيا الهيدروجين تأثرت بشكل ايجابي وتطورت خلال الـ 25 عاماً الماضية وبالتحديد منذ اول ازمة للنفط والدول الرائدة في هذا المجال هي كندا والمانيا واليابان والولايات المتحدة الامريكية بمشاركة كل من سويسرا وروسيا والنرويج وغيرها. واضاف اننا لو اردنا للهيدروجين ان يخترق اسواق الطاقة العالمية وقطاع المواصلات فإنه يجب ان لا يبقى في ايدي المهندسين والعلماء ويجب على رجال الاعمال والمصرفيين ورجال السياسة ان يتبنوا هذا الموضوع لضمان انتشاره. عوائق ومشاكل وبحث المؤتمر ايضاً اهم العوائق والمشاكل التي تواجه الهيدروجين واهمها عدم وجود البنية التحتية اللازمة لانتشاره كبديل عملي للنفط اضافة إلى ارتفاع تكلفته مقارنة بالبترول حالياً. وفي ذلك يقول د. ولف راش من الهيئة العالمية للطاقة المستقبلية ان أية تكنولوجيا جديدة تكون مكلفة حين طرحها لاول مرة ولكن مع مرور الوقت وانتشارها تصبح ارخص بكثير وفي المقابل فإن تكلفة الطاقات التي تسبب الضرر بالبيئة مثل البترول في ارتفاع مستمر وذلك حسب احصائيات صناعة التأمين في العالم لذلك فهي مجرد مسألة وقت قبل ان تصبح الطاقات البديلة واهمها الهيدروجين ارخص من النفط. واضاف ان الهيئة العالمية تؤمن ان التحول من اقتصاد عالمي مبنى على النفط كمصدر للطاقة إلى الهيدروجين سيستغرق عدة عقود من الزمن مثل ما تبين خبرتنا في القرنين السابقين والتي مر فيها اقتصاد الطاقة العالمي بعدة مراحل استغرقت كل مرحلة عدة قرون مشيراً إلى انه طرح اي نوع من الطاقة الجديدة يحتاج على الاقل لعدة عقود بعد طرحه في الاسواق ليصل إلى قمته. ولم ينجح اي نوع من الطاقة الجديدة على مر التاريخ في التخلص الكلي من مصادر الطاقة الحالية وكذلك الهيدروجين. واضاف الكل يعلم ان النفط لن يختفي فجأة ولكن اذا استطاعت الدول السالف ذكرها من تحقيق اهدافها البيئية للحد من الانبعاثات فسوف تقل نسبة اعتماد هذه الدول على النفط بشكل كبير وعلى سبيل المثال فإن نسبة اعتماد دولة مثل المانيا ستقل من 85% إلى 25% عام 2040. وأوضح راش ان كمية الهيدروجين المنتجة اليوم هي 500 مليار متر مكعب سنويا وتستخدم في صناعة الكيماويات فقط مثل الامونيا والميثانول والسماد الكيماوي والبلاستيك والصباغ والمنتجات الكيماوية التي تستهلك حاليا ربع هذا الانتاج من الهيدروجين. تبني انشاء (أوهيك) ولعل من أبرز ما تمخض عنه المؤتمر تبني دعوة البروفيسور كارل ويوخن ونتر باقامة منظمة (أوهيك) على الفور وذلك لمنافسة (أوبك) البترولية وهذه المنظمة الجديدة ستكون خاصة بالدول المستخدمة لطاقة الهيدروجين ألا وهي الدول المستهلكة للنفط, وطالب المؤتمر وزراء خارجية جميع الدول المستوردة للنفط وتعتمد عليه بشكل كبير الى اقامة هذا التكتل, كما دعا وزراء المواصلات لوضع قوانين وسياسات الطاقة التي تقلل من الاعتماد على استيراد الطاقة البترولية والتركيز على ايجاد وتبني البدائل ومن أهمها الهيدروجين. خلاصة مؤتمر (هاي فورم 2000) وجه رسالة شديدة القسوة الى مستقبل الدول المعتمدة على النفط كمصدر أساسي للدخل والتي لم تأبه بالمؤتمر معتمدة على المخزون النفطي والمدة الزمنية الطويلة التي يحتاجها مثل هذا التحول الكامل في استخدام الطاقة البديلة, ولكن فإن جميع من حضر مؤتمر طاقة الهيدروجين أدرك بالفعل ان المستقبل سيكون في صالح الهيدروجين خاصة انه لا يؤثر أبدا على البيئة, كما ان المؤتمر لم يعقد لبحث خطط انتاج معدات قابلة للعمل على الطاقة الهيدروجينية بل قام بالفعل بعرض تجارب ناجحة لاستخدامات متعددة للهيدروجين في مجالات عديدة اهمها السيارات وفي الوقت نفسه أعلنت مجموعة من شركات السيارات مثل تويوتا ودايملر كرايسلر عن بدء اتجاهها الفعلي لانتاج سيارات الهيدروجين, واتفق ممثلو كبريات شركات السيارات العالمية على تخصيص 10% من انتاج المصانع عام 2003 لصناعة سيارات الهيدروجين, مما يعني ذلك ان الخطوات الفعلية للتحول بدأت بشكل ملموس وتعدت مرحلة البحث والتخطيط. ليس هذا فقط والا سيدعي البعض ان استخدام النفط كوقود للسيارات نسبته بسيطة وهناك استخدامات عديدة اخرى للنفط, وهذا صحيح حيث لا تتعدى نسبة استخدام النفط كوقود للسيارات 30%, ولكن الهيدروجين بدء في الدخول الى كافة الصناعات وتوليد الطاقات الكهربائية ومعدات المنازل بشكل موسع. ومن الأمور الايجابية التي يمكن ان تستغلها دول الخليج النفطية بشكل خاص انها تملك امكانية السيطرة ايضا على المصدر الجديد فهي أكثر الدول المؤهلة لانتاج الهيدروجين بالاسلوب الصحيح الذي لا يضر بالبيئة وذلك عن طريق فصل جزيئات الهيدروجين عن الاوكسجين في الماء باستخدام الطاقة الشمسية, لذا فإن الانتباه لهذه القضية بدأ مبكرا وبدء الاستثمار في هذا المجال سيؤمن مستقبلا جيدا لهذه الدولة ولكن شريطة أخذ الموضوع بجدية والنظر له من منظور استثمار جديد للمستقبل. وهذا ما لم ينكره علماء المؤتمر حيث يقول د. ولف راش ان التحولات الجديدة سوف يسفر عنها استثمارات ضخمة حول العالم لقيام منشآت توليد الطاقة المستدامة وقيام البنية التحتية للهيدروجين ومحطات تعبئة الهيدروجين التي تحل محل محطات البترول والسيارات العاملة على الهيدروجين وخلايا الوقود التي ستحل محل مولدات الكهرباء وهذه سوف تفتح آفاقا كبيرة أمام الشركات والبنوك وشركات التأمين وغيرها في الاسواق. وأكد ان التكلفة العالية في استثمار البنية التحتية للطاقة سوف تتحول الى ثمار ستجنيها الدول بشكل كبير, مشيرا الى ان الدول والشركات التي ستدخل الاسواق الجديدة مبكرا سوف تكون لها الهيمنة وستتمكن من تشكيل هذا السوق وضمان مستقبله الريادي في العالم. ميونيخ ـ سامي الريامي