قبل حوالي خمس سنوات كتبت مقالة في احدى الصحف المحلية الشهيرة بعنوان (الوحدة النقدية الأوروبية حلم بعيد المنال). غير ان الصحيفة قد غيرت من العنوان ليتناسب مع فلسفة الاعلام العربي, مع العلم بأنني لو نشرت تلك المقالة في دول أوروبا ذاتها لما تم تغيير عنوانها واصبح عنوان المقالة الجديدة الذي لم أره الا بعد نشره (الوحدة النقدية الأوروبية. هل هي حلم بعيد المنال؟). وبالطبع هناك فرق جوهري كبير بين العنوانين. والحقيقة أنني ارجع اليوم لأجدد فكري واعتقادي بأن تلك الوحدة النقدية التي استمرت أوروبا تحلم بها رسمياً منذ اتفاقية روما عام 1957م وفكرياً قبل ذلك التاريخ. وتعتبر اتفاقية ماستريخت (ديسمبر 1991م) اتفاقية تاريخية للدول الأوروبية حيث انها تجديد لاتفاقية روما وتأكيد على ضرورة الانتقال من النظام النقدي الأوروبي الى الوحدة النقدية الاوروبية. وتم تحديد برنامج زمني للانتقال لتلك الوحدة يبدأ التطبيق العملي له منذ مطلع 1991م ولقد بدأ بالفعل حيث بدأ معه اليورو (عملة أوروبا الموحدة) قوياً وبسعر صرف يفوق سعر الدولار (حوالي 1.1 يورو لكل دولار أمريكي) واليوم وخلال اقل من سنتين ينحدر سعر صرف اليورو الى حوالي (88.0 يورو لكل دولار أمريكي) أي حوالي 20%. فاذا كانت العملة الموحدة (اليورو) قد فقدت حوالي 20% من قيمتها السوقية كعملة أمام الدولار الأمريكي خلال أقل من سنتين فمعنى ذلك ان هناك خللاً جوهرياً في دراسات الوحدة النقدية الأوروبية ذاتها. وهذا يعني بأن الدول التي بقيت متحفظه على الدخول مباشرة في تلك الوحدة مثل بريطانيا كانت محقة فيما أقبلت عليه. وان المتابع للمؤشرات الاقتصادية لدول أوروبا الموحدة قبل اتفاقية ماستريخت وبعدها يلاحظ ان دول أوروبات الموحدة مجتمعه وعلى الرغم من كونها تحتل المرتبة الثانية من حيث ثقلها الاقتصادي العالمي بعد الولايات المتحدة الأمريكية إلا ان كافة المؤشرات الاقتصادية الرئيسية مثل (معدل نمو الناتج القومي الحقيقي, ومعدل نمو الطلب الكلي المحلي الحقيقي, ومعدل النمو الحقيقي للانفاق الخاص, ومعدل النمو الحقيقي للانفاق العام, ومعدل النمو الحقيقي لتكوين رأس المال الثابت, ومعدل النمو الحقيقي للناتج القومي لكل فرد, والمعدل الحقيقي للبطالة) ان كافة تلك المؤشرات كانت في فترة ما قبل الاتفاقية أفضل منه الان. والحقيقة التي لامفر منها ان النظام النقدي السائد في كافة دول العالم اليوم يعتمد على استخدام النقود الورقية القانونية التي تستمد قوتها وسلطتها وبالتالي قبول الناس لها من القانون الذي يحتاج هو الآخر الى الاستناد الى سلطة سياسية وسلطة تشريعية وسلطة تنفيذية ذات كيان مستقل وسيادة مستقلة. وان النقود الورقية لاتستند الى غطاء مادي حقيقي ذي قيمة مستقرة مثل الذهب والفضة وانما تستند الى سلطة القانون. ومن هذا المنطلق تصبح الوحدة السياسية الأوروبية مطلباً أساسياً للوحدة النقدية ومالم تتحقق الوحدة السياسية لن تتحقق الوحدة النقدية. صحيح ان أوروبا الموحدة وغيرها من الدول قادرة على اصدار عملة موحدة عن طريق بنك مركزي واحد. غير انها سوف تظل تفتقر الى مركز القوة التي تدعم قوة النقود مالم تكن هناك سلطة سياسية موحدة تقف وراء ذلك الى جانب القوة الاقتصادية الموحدة. ان فلسفة النظم النقدية المعاصرة تقوم على كون النقود نقودا قانونية ورقية وان باقي انواع النقود مثل النقود الائتمانية المصرفية تعتبر نقودا تابعة ومشتقة وليست أصلية. وبالتالي فإن قيام العملة الموحدة في أي كيان اقتصادي اقليمي (خارج اطار الدولة الواحدة) لن يكتب له النجاح التام ولن يكون مؤثرا بشكل ايجابي ملموس على تلك الاقتصاديات ما لم يكن مقترنا بقناعات سياسية تامة تؤدي الى الوحدة النقدية. د. محمد ابراهيم الرميثي