التصق لقب (الدولة المحظوظة) باستراليا منذ كتب دونالد هورن الكاتب المعروف في النقد الاجتماعي كتاباً يحمل هذا العنوان عام 1964. وقد لقى الكتاب رواجاً كبيراً وتم توزيعه باعداد كبيرة. لكن الغالبية العظمى من القراء ظنوا انه مجرد كاتب يمتدح بلاده. لكن الحقيقة ان استراليا محظوظة بالفعل لما حباها الله من موارد طبيعية وهبات ربانية. واذا استمعت الى أحاديث الاخرين واراء الخبراء لن تجد أحدهم يتلفظ بسوء عن الاقتصاد الاسترالي. وسوف يقول كل القادة السيايين والمصرفيين والاكاديميين والمسئولين ورجال الاعمال ان الاقتصاد الاسترالي ممتاز, وليس الاستراليون فقط هم الذين يقولون ذلك, بل تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الاقتصادي السنوي الذي صدر في وقت سابق من العام الجاري يمتدح الاقتصاد الاسترالي أيضاً. ويقول عنه انه تجاوز كل التوقعات بناء على مجموعة من السياسات الاقتصادية الكلية والهيكلية. ويشير تحليل اجراه مؤخراً تشارلز بينز كبير الخبراء الاقتصاديين في البنك المركزي البريطاني الى الاقتصاد الاسترالي بقوله انه قائم على خليط من المؤسسات جيدة التصميم والحكمة في اتخاذ القرارات. وعندما تحدث بول كروجمان الخبير الاقتصادي الامريكي المعروف عن اقتصاد استراليا قال انها معجزة اقتصادية ان يخرج الاقتصاد الاسترالي من الازمة الاقتصادية الآسيوية بلا اصابات أو اضرار تذكر. نمو اقتصادي مستمر ها هو العام التاسع على التوالي الذي تسجل فيه استراليا نمواً اقتصادياً ايجابياً. وخلال السنوات الثلاث الماضية سجل الاقتصاد الاسترالي نمواً بمعدل 4% أو أكثر سنوياً, مع استثناء توقع بطء في النمو الاقتصادي للعام الجاري. وسجلت الانتاجية المتعددة (أي نمو رأس المال والعمالة معاً) معدل نمو بنسبة 2% سنوياً خلال فترة التسعينات, أي ضعف متوسط المعدل في الدول الاعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وأسرع حتى من الاقتصاد الأمريكي سريع النمو. وظل معدل التضخم بين 2 و3% طوال فترة التسعينيات رغم انه كان أكثر من 9% خلال الثمانينات, أي كما يريده البنك المركزي الاسترالي تماماً, ولم ترتفع تكلفة وحدة العمل. وانخفض معدل البطالة من 8.10% عام 1992 الى 3.6% حالياً وبفضل عودة الفائض في الميزانية خلال السنوات القليلة الماضية, ينخفض دين القطاع العام, الذي يعتبر مننخفضاً أصلاً بالمعايير الدولية. وقد يخفض هذا الدين تماماً خلال سنوات قليلة. هذا هو نفس الاقتصاد الذي كان ينحدر ببطء منذ منتصف الستينيات, والذي دخل في دائرة كساد سحيقة في منتصف الستينات. وكان يبدو للوهلة الأولى ان الاقتصاد الاسترالي لن يستطيع ان يقوم ثانية. لكن التحول الاقتصادي الايجابي لم يكن مجرد (حظ) كما يشير اللقب الذي التصق باسم استراليا, بل كان نتاج مجموعة من الاصلاحات الاقتصادية التي بدأت من 17 عاماً واستمرت منذ ذاك العام. دور حزب العمل عندما تولى حزب العلم السلطة عام 1983 كان أول ما فعله رئيس الوزراء بوب هوك هو تعويم الدولار الاسترالي فانخفض من ارتفاع كبير لم يكن طبيعياً, فجعل صادرات استراليا قليلة التكلفة والسعر. وخلال السنوات القليلة التالية رفعت الحكومة القيود عن القطاع المالي, ووسعت القاعدة الضريبية وطبقت قوانين منافسة شديدة وحولت الصناعات التابعة للقطاع العام الى القطاع الخاص, وبدأ ايضا خفض الرسوم الجمركية بهدف القضاء على الحمائية في كل القطاعات باستثناء السيارات والمنسوجات. كل هذه الخطوات ساهمت في تعزيز النمو الاقتصادي لكنها ايضا سببت نمواً محموماً بحلول نهاية العقد وارتفاعاً كبيراً في عجز الميزانية. وكان من البنك المركزي ان رفع أسعار الفائدة, فادخل الاقتصاد في بداية مرحلة ركود. ويحفظ لحكومة حزب العمل انها ضغطت من اجل تنفيذ الاصلاحات وخفض التعريفة الجمركية في عام ,1991 وعندما تولى بول كيتنج رئاسة الوزراء في نفس العام, بدأ مجموعة من الاصلاحات ادت الى مساومة الشركات على الأجور التي تقوم على معدل الانتاجية, لكن انتخابات 1996 اطاحت به, ويبدو ان الناخبين قد ضاقوا ذرعاً بالاصلاحات. ثم تولت حكومة حزب الليبراليين المحافظين برئاسة جون هوارد التي كانت حكومة ائتلافية شارك فيها الحزب الوطني, التي غيرت النغمة من الناحية الكلامية, لكنها فعلياً استمرت في اجراء الاصلاحات. اثر الازمة الاسيوية أدت الازمة المالية الاقتصادية الاسيوية الى كساد ثلثى أسواق الصادرات الاسترالية, التي تذهب في الأساس الى دول آسيوية بطبيعة الحال. وعانت نيوزيلاندا أيضا من انخفاض اقتصادي لنفس السبب, لكن الاقتصاد الاسترالي ثبت انه أكثر مرونة, انخفضت الصادرات الاسترالية فعلاً, لكن استراليا وجدت أسواقاً بديلة بسرعة, خاصة في أوروبا, وساعد على ذلك الانخفاض الكبير في سعر الدولار الاسترالي, ولم تقاوم السلطات هذا الانخفاض بأي شكل من الاشكال لهذا السبب, وهو تعزيز الصادرات ورفعها من كبوتها الناتجة عن الازمة الاسيوية. وثبتت قوة القطاع المالي الاسترالي, الذي مر بمرحلة هيكلة ذاتية في التسعينات, والمدهش في هذا الامر ان معدل النمو الاقتصادي العام استمر دون تراجع. وفي الوقت نفسه يشتد اثر الاصلاحات الاقتصادية وكان اخرها الاصلاح الضريبي الذي طبق في أول يوليو العام الجاري. ويقول آلان برستون المسئول في مصلحة الضرائب الاسترالية ان هذا الاصلاح هو الاهم في تاريخ استراليا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. واشتمل هذا الاصلاح على التحول من الضرائب المباشرة إلى غير المباشرة من خلال ضريبة الخدمات والسلع واسعة الانتشار وهي مثل ضريبة القيمة المضافة المطبقة في غالبية الدول المتقدمة. ونسبة ضريبة السلع والخدمات 10% وتحل محل عدد آخر من الضرائب محدودة الاثر والانتشار. وتم تخفيض ضريبة الدخل الشخصي وزيادة المزايا الاجتماعية لتعويض الارتفاع في الضرائب غير المباشرة. وتضع الحكومة في اعتبارها ان المستهلكين سوف يفيدون في العام الاول بما يعادل 6 مليارات دولار استرالي, او بنسبة 10% من اجمالي الناتج المحلي. وخضعت كل الاغذية لضريبة السلع والخدمات, لكن كان على الحكومة ان تدعم الاغذية الاساسية حتى يوافق البرلمان على تمرير مشروع الضريبة الجديد. مثلا اعفت السجق وعصائر الفواكه من الضريبة, لكن سلعاً غذائية اخرى مثل اللحوم المصنعة والمشروبات المرطبة لم تعف من الضريبة. ويقول المدافعون عن النظام الضريبي الجديد انه سوف يعزز الكفاءة الاقتصادية, وما يلفت النظر ان ضريبة السلع والخدمات تشمل الخدمات, وهو اهم قطاع في الاقتصاد الاسترالي, والذي لم يكن مشمولاً في النظام الضريبي السابق. وهناك ميزة اخرى انه سوف يمنع اشكال التهرب الضريبي. وكل شركة تحقق انتاجاً يزيد على 50 الف دولار استرالي سنوياً لابد ان تخضع للضريبة الجديدة اوتواجه عقوبات مالية. وبذلك تدخل كثير من الشركات الصغيرة تحت مظلة الضريبة لاول مرة. والطبيعي الا تكون هذه الشركات حريصة على ذلك, لكنها لابد ان تستفيد من الاصلاحات في المجال التجاري الذي تطبقه الحكومة ايضاً ويشمل اعفاءات اخرى للشركات وخفض ضريبة رأس المال. وكان المستهلكون ايضا متخوفين من الضريبة الجديدة, لكن عند تطبيقها يبدو ان الوضع كان افضل من المتوقع بالنسبة لهم. فكان هناك شركات قليلة جداً تواجه مشكلات مالية وكان الارتفاع في الاسعار معتدلاً, وساهم في ذلك لجنة مراقبة الاستهلاك التي شكلتها الحكومة. ورغم ان الضريبة الجديدة كان حرياً بها ان تسبب ارتفاعاً في معدل التضخم, فقد ادت ايضا إلى ارتفاع الطلب المحلي. وقام البنك المركزي في اغسطس برفع سعر الفائدة الاساسي للمرة الخامسة منذ نوفمبر العام الماضي ليصل إلى 25.6% وقد لا يتوقف الامر عند ذلك. وتشير التوقعات الرسمية إلى ان ضريبة السلع والخدمات سوف تضيف نحو 75.2% إلى معدل التضخم الذي كان بين 2 و3% خلال العام المالي المنتهي في يونيو 2001. ويخشى بعض المحللين ان يرتفع معدل التضخم اكثر من ذلك خاصة اذا حدث ارتفاع في الاجور. وكان الهدف من تخفيضات ضريبة الدخل وقف العوامل المؤدية لارتفاع الاجور, لكن كثيراً من اصحاب العمل يواجهون نقصاً في المهارات سوف يجعلهم ضعفاء امام المطالبة يرفع الاجور. لا مكان للقلق حتى الآن يبدو ان الفترة الذهبية التي يعيشها الاقتصاد الاسترالي مستمرة, في العام الماضي واجهت البلاد اكبر عجز في الحساب الجاري في تاريخها الحديث, لكن يبدو ان ذلك لم يسبب قلقاً كبيراً. ويقول وزير الخزانة ان استراليا لديها عجز في الحساب الجاري من 200 عام. ويرجع غالبية المحللين ارتفاع العجز إلى الازمة المالية الآسيوية التي اثرت حتماً على الصادرات الاسترالية. لكن الصادرات بدأت في الارتفاع مرة اخرى في العام الجاري بفضل الانتعاش الاسيوي والارتفاع في اسعار السلع. الاكثر من ذلك ان ارتفاع عجز الحساب الجاري لا يسبب تهديداً لتمويل القطاع العام, لان تدفقات رأس المال من القطاع الخاص تعوض هذا العجز, ولم تتأثر تدفقات رأس المال الخاص بالازمة الآسيوية. سعر العملة اذا كان الاقتصاد الاسيوي جيداً لهذه الدرجة, فلماذا يضعف سعر الدولار الاسترالي امام الدولار الامريكي؟ انخفض سعر الدولار الاسترالي امام الامريكي بنسبة 22% من ثلاث سنوات, لكن يبدو ان هذا لم يسبب قلقاً لكثيرين مرة اخرى. وانخفض الدولار الاسترالي بشكل كبير خلال الازمة المالية الآسيوية, مما مكن البلاد من ايجاد اسواق صادرات بديلة. وهناك شعور قوي الآن بأن الدولار الامريكي هو الذي ارتفع بشكل غير طبيعي, وليس الدولار الاسترالي هو المنخفض. والدليل الواضح على ذلك هو اليورو, والذي يواجه انخفاضاً رغم قوة الاقتصاد الاوروبي. لكن هناك عنصراً آخر يلعب دوره, وهو ان العالم لا يزال يرى استراليا على انها اقتصاد يعتمد على السلع, لذلك اثر انخفاض اسعار السلع على سعر الدولار الاسترالي بالانخفاض. والامور تتغير ببطء. فقد انخفض نصيب السلع من الصادرات الاسترالية من الثلثين من 15 عاماً إلى النصف حالياً, ويستمر هذا النصيب في الانخفاض. ويعتقد جون ادواردز كبير خبراء الاقتصاديين في بنك اتش .اس.بي.سي ان تقييم الدولار الاسترالي على اساس اسعار السلع سوف ينتهي على اساس مدى جاذبية الاصول الاسترالية المالية, غير ان تأثير ذلك خلال العام الجاري سوف يكون ضئيلاً اذا كان هناك اي تأثير. تغيرات هيكلية والتغيرات الهيكلية هي الاساس والمحور في النهضة الاقتصادية الاسترالية. فالاقتصاد الاسترالي يبدو للوهلة الاولى اقتصاداً تقليدياً يعتمد على التعدين والزراعة. لكن النظرة الفاحصة الاكثر عمقاً توضح انه على مدى العقدين الماضيين تحول استراليا نفسها من ذلك إلى اقتصاد حديث, لكنه ليس الاقتصاد الجديد بعد, بنفس المعنى الذي ينطبق على الاقتصاد الامريكي. اعداد: أشرف رفيق