رغم اتخاذ منظمة الاوبك قرارها رفع معدلات انتاج النفط للحد من ارتفاع الاسعار لارضاء الغرب, إلا أن الاحتجاجات التي تشهدها أوروبا بسبب ارتفاع أسعار المحروقات اشتدت حدتها مما يجعلنا نطرح عدة تساؤلات. أولها هل يواكب هذا التوجه سؤال يفرض نفسه على ساحة الاقتصاد الأوروبي اليوم: فهل ارتفاع اسعار النفط الخام الذي تنتجه دول الاوبك هو السبب الحقيقي لارتفاع نسبة التضخم في دول الاتحاد الأوروبي بصفة خاصة؟ أم هناك أسباب اخرى سياسية واقتصادية؟ والسؤال الثاني هو: ماذا عن انتاج بترول بحر الشمال والبترول الأمريكي؟ الاجابة على هذه الاسئلة لاتحتاج تكهنات لما يتفتق عنه ذهن وخبرة المحلل الاقتصادي بقدر رصد المتغيرات الاقتصادية والسياسية على الساحة الدولية, تلك التطورات التي تلعب الادوار الرئيسية في ارتفاع اسعار السلع الاستراتيجية مثل النفط الخام وغيره, كما تؤدى مفاجآت تدهور اقتصاديات الدول بفعل الازمات ومنها المفتعلة لانهيار اسعار العملات, وحدوث مشاكل واضطرابات في احوال البورصات العالمية. لقد اعلن البنك المركزي الأوروبي انه يواجه مشاكل كبيرة, ففي خلال 21 شهراً انخفضت قيمة سعر العملة الاوروبية الموحدة (اليورو) بنسبة 26% في مقابل سعر الدولار الامريكي, وبنسبة 31% في مقابل سعر الين الياباني, والملفت للنظر ان دول (اليورولاند) الاحدى عشرة التي تتعامل تجاريا وبنكيا بعملة اليورو هي الدول الأوروبية الأكثر صراخا, وهي التي تشكل من (ارتفاع اسعار نفط الاوبك) وتدعى ان ارتفاع نسبة التضخم في بلادها بسبب سعر النفط المرتفع, ذلك في الوقت الذي تؤكد فيه كل المؤشرات العالمية والاقتصادية ان الاقتصاد الأوروبي يشهد نموا اقتصادياً ملحوظاً, وهو الأمر الذي ايده (فيم داوسينبيرخ) رئيس البنك المركزي الأوروبي ECB وهو أيضاً الذي أجاب لعشرات المرات على اسئلة رجالات المال والاقتصاد والاعلام الاقتصادي الأوروبي المتخصص بردود قاطعة وواضحة لاتحمل في طياتها تفسيرات اخرى غير الذي أفصح عنه حينما يطرح عليه السؤال التقليدي: لماذا لايقدم البنك المركزي الأوروبي الدعم للعملة الأوروبية الموحدة (اليورو) ؟ يقول (فيم داوسينبيرخ) بالحرف الواحد: لايوجد تضخم في دول اليورولاند. ويبدو ان الادعاءات الأوروبية بوجود تضخم هو من نتاج الخوف الاجتماعي الذي مبعثه فقدان ثقة المستهلك الأوروبي في نسيج اقتصاد دول اليورولاند, وفي العملة التي سيتم التعامل بها رسميا في بداية عام 2002 وهي التي تشهد في الوقت الحالي تدهوراً في قيمتها, ومن ناحية ثانية قلق المؤسسات الاقتصادية من استمرار ارتفاع اسعار النفط الذي تنتجه دول الأوبك لمعدلات يكون من الصعب انخفاضها مرة ثانية, وهذه الدول تشترى الدولار الأمريكي لتدفع قيمة مشترياتها من النفط الخام, اذاً فالأمر واضح جداً بان انخفاض سعر اليورو وارتفاع سعر الدولار يشكلان القلق الأوروبي, ومن الأسباب الاستراتيجية الاخرى نذكر: ـ ارتفاع تكاليف الانتاج الأوروبي في شتى المجالات التي تحتاج للنفط الخام. ـ نسبة الدخل القومي من عوائد انتاج وبيع النفط بعد عمليات التكرير منخفضة وذلك بسبب تراجع سعر اليورو. ـ ارتفاع سعر الفائدة التي فرضها البنك المركزي الاسبوع الماضي بنسبة 25%. ـ تأكيد رجالات المال على ان عدم اتخاذ البنك المركزي الأوروبي وحكومات دول اليورولاند لقرارات جذرية حاسمة لمواجهة تراجع سعر اليور فإن ذلك سيؤثر على النمو الاقتصادي الذي يشهد تطورا ملحوظاً في هذه المرحلة. وتجدر الاشارة ان استطلاعات الرأي الحديثة في المانيا ـ اقوى الدول الاقتصادية في دول اليورولاند ـ أكدت ان نسبة حوالي 70% من الشعب الالماني تفضل بقاء المارك الألماني على العملة الأوروبية الموحدة, بسبب تدهور اليورو, وتخشى حكومات دول الاتحاد الأوروبي ان تسرى هذه العدوى في شعوب دول الاتحاد الأوروبي الاخرى وتنتهج المسار الألماني, وحدوث هذا الامر يهدم واحداً من أهم أعمدة الصرح الاقتصادي في الاتحاد الأوروبي, ويؤدى لفشل قرارات القمم الأوروبية وأهمها قرار امستردام. كما يؤكد تاريخ تطورات ارتفاع اسعار النفط في العالم وانخفاضه لأسباب دولية, ففي عام 1973 ارتفعت أسعار البترول في أوروبا نتيجة قرار حظر تصدير النفط العربي إبان حرب السادس من أكتوبر, وقد بلغت نسبة ارتفاع اسعار بترول منظمة الاوبك في حينه 70%, وشهدت هذه المرحلة ازمة طاقة ووقود في الغرب, اعتبرت هي المرة الأولى في تاريخ أوروبا التي ادت النسبة العالية للعجز في النفط الخام لاعلان أوروبا حالة الطوارىء الأولى من نوعها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية, وفي عام 1974 ادت استقالة الرئيس الأمريكي الاسبق ريتشارد نيكسون لارتفاع الاسعار, وحدث ذات التطور اثر هجوم ارهابي على مركز منظمة الاوبك العالمية في العاصمة النمساوية فيينا بقيادة الارهابي المعروف كارلوس, وكذلك في شهر يناير 1979 حينما قامت الثورة الخمينية الايرانية, أما في شهر ديسمبر عام 1979 حينما اجتاحت القوات السوفييتية لأفغانستان, وفي ذات العام الذي تأثر فيه سعر النفط بالأزمة الاقتصادية العالمية والتي اطلق عليها الازمة الثانية بعد الحرب العالمية الثانية, وفي 1984 أدت كل من زيادة الانتاج في النفط لحدوث ازمة في الاسعار تلتها في عام 86 خلافات بين اعضاء منظمة الأوبك واتخاذ عدد من الدول الاعضاء قرار عدم الالتزام بتحديد كميات الانتاج, وفي شهر أكتوبر من عام 1987 شهد العالم انخفاض اسعار الاسهم والسندات في معظم بورصات العالم وهو ما اطلق عليه بيوم الاثنين الأسود, أما قرار دول الاوبك في عام 1990 بخفض الانتاج فقد ادى قيام كل من المكسيك والنرويج برفع الاسعار ثلاثة أضعاف, أيضا شهدت بداية التسعينيات ازمة اقتصادية في الغرب, وتفاقم الامر في شهر اغسطس من نفس السنة حينما اجتاحت القوات العسكرية العراقية الاراضي الكويتية, وكان من نتيجة ذلك ارتفاع معدلات الانفاق في كل من المملكة العربية السعودية والكويت على حرب الخليج التي بلغت عشرات المليارات من الدولارات, ثم في شهر سبتمبر عام 1992 انسحبت بريطانيا من الاتفاقية الاقتصادية الأوروبية ERM وهو ما أطلق عليه في حينه بيوم الاربعاء الأسود, وبعد ذلك بستة أعوام حدثت في عام 98 ازمة نمور الدول الآسيوية, أما اليوم وقد بلغ سعر برميل النفط الخام 33 دولاراً وهو يعتبر اعلى سعر منذ عام ,1990 فهل منظمة الاوبك وحدها هي المسئولة عن ارتفاع اسعار النفط؟ أم ان التطورات الاقتصادية والسياسة والحروب في العالم هي التي تشكل الاسباب الرئيسية؟ الاجابة على هذه الاسئلة هي في زمة الاحداث والتاريخ يعززه الواقع الحي, وليس كما تدعى الدول الأوروبية بان الأوبك وارتفاع اسعار النفط هما سبب التضخم في بلادهم. روتردام ـ سعيد السبكي