تحدثنا في الحلقة الأولى من المقال عن ان كثيرا من الاقتصاديين ينظرون الى الحجم الأمثل لتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي على انه مسألة فنية بحتة وليست ايديولوجية عقائدية وخصوصا, بعد انهيار المعسكر الشرقي وذكرنا بعض اسباب ذلك وفي حلقة اليوم نستكمل باقي تلك الاسباب! ـ لايمكن للقطاع الخاص ابدا ان يحدد المواصفات القياسية للسلع والخدمات بطريقة ترضي المستهلك لكافة السلع والخدمات بمعزل عن تدخل الدولة. فالدولة تتدخل بشكل مباشر لتحديد تلك المواصفات وبالتالي حماية المستهلكين من الغش التجاري. ـ القيم الاجتماعية الموروثة تحتاج الى تدخل الدولة للحفاظ عليها وتنظيم عملية اعادة توزيع الدخل القومي لصالح الفئات المحتاجة وتنظيم المواريث وانتقال الملكيات. ـ ان التكلفة الاجتماعية الناتجة عن عمليات الانتاج والاستهلاك لايمكن ان تعار الأهمية اللازمة لها دون تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي وتنظيم شئون البيئة بكل ما يلزم من أنظمة وقوانين. ـ ان نظام السوق الحر كقطاع خاص لا يهدف الى القضاء على البطالة او تخفيف حدتها ولا يهدف الى استقرار الاسعار ولا الى تحقيق معدل نمو اقتصادي واجتماعي متوازن ومعقول حيث ان هذه اهداف عامة ولا يمكن ان يتم تحقيقها أو حتى السعي نحوها الا بتدخل الدولة في الانشطة الاقتصادية. ـ ان معدل الخصم (الاهلاك) في تقدير الاستهلاك الحاضر والاستهلاك المستقبلي يختلف مفهومه من القطاع الخاص الى القطاع العام. لذا وجب تدخل الدولة في الاقتصاد لتقييم هذا المعدل بشكل متزن حفاظا على الثروة القومية ومقدرات الأمة من الضياع وسوء الاستخدام وخير مثال على ذلك استخدام القطاع الخاص للموارد الاقتصادية كمواد أولية داخلة في الصناعة مثل استخدام المياه ومصائد الاسماك واستخدام القطاع الخاص للطرق والجسور وغير ذلك من الاملاك العامة. فاذا لم تتدخل الدولة للحفاظ على تلك الثروات عن طريق سن القوانين والنظم اللازمة ووضع السياسات الاقتصادية المناسبة ربما تضيع تلك الثروات ويساء استخدامها. من هذا المنطلق يتضح لنا ان دور الدولة في تنظيم الاقتصاد سوف يظل قائما ومطلوبا مهما طرأ على الاقتصاد من تغيرات وتطورات وان القطاع الخاص بمفرده لا يمكن ان يقوم بخلق تنمية اقتصادية متوازنة. اما دور الدولة كمستثمر فان تلاشيه او انحساره سوف يكون اتوماتيكيا تلقائيا. اي بمعنى آخر ان الخصخصة سوف تأتي بشكل تلقائي وذلك من منطلق أهداف المستثمر الذي يهدف الى الربح. فالدولة كمستثمر تدخل منافسة مع القطاع الخاص وهذا في الحقيقة لا يتناسب مع الدور الحديث للدولة في الاقتصاد الحر. لذا فان دور الدولة لمستثمر يفضل ان ينحصر في السلع والخدمات ذات الطبيعة الاستراتيجية الحساسة التي يخشى عليها من الاحتكار او الاغراق وهذا في الغالب ينحصر في السلع الاستراتيجية مثل النفط الخام والغاز الطبيعي والصناعات النووية وما شابه ذلك. ولا يوجد نظام ايدويولوجي يمنع الدولة من الاستثمار أو الدخول منافسة مع القطاع الخاص غير ان الاعتقاد بوجود حجم أمثل لتدخل الدولة في الاقتصاد يرى بأن دخول الدولة كمستثمر يؤدي الى توسعة نطاق مسئولياتها على حساب المسئوليات الاساسية التي سبق ذكرها وبالتالي يؤدي الى ضعف مستوى ادائها في المسئوليات الاساسية التي ينبغي عليها القيام بها. د. محمد ابراهيم الرميثي