لا تعني عمليات التفاوض المناسبات التي يلتقي فيها شخصان او مجموعتان من البشر لقضاء الوقت في الثرثرة والجدل والنقاش فالمفاوضات في جوهرها هي اللقاءات التي تتحدد مواعيدها مسبقا انطلاقا, من رغبة طرفين او عدة اطراف في الجلوس معا لمناقشة المشكلات في اطار جهود جادة تبذل لصناعة الحلول المناسبة لتلك المشكلات بدءا من المشكلات السياسية والاقتصادية المتشابكة والمعقدة وانتهاء بعمليات البيع والشراء التي يمارسها الانسان طوال يومه ولهذا يمكن تعريف المفاوضات بأنها المناقشات التي تجرى على مدار الساعة بين البشر في مختلف بقاع الارض والتي تستهدف التوصل لحلول ترضي الاطراف المعنية سواء اكانوا افرادا ام جماعات. ان مواقف مثل محاولة احد الاطراف اقناع طرف آخر بأن يمنحه شيئا ما ومحاولة اقناع طرف آخر بأن ينجز اولا ينجز مشروعا معينا وايضا محاولة استئجار منزل او متجر او شراء اية سلعة من السلع تشترك كلها على الرغم من تباينها في عنصر واحد محدد وهو ان الغلبة فيها تكون دائما للطرف الذي يعرف جيدا كيف يفاوض ذلك ان اجادة الانسان لهذه الحرفة تعني تعزيز فرص نجاحه في ان يصبح مفاوضا ماهرا ومهاب الجانب وهذا ما يمكن ان يقال عن المفاوضين الكبار والذين يشار اليهم بالبنان فهل وصلوا الى هذا المستوى الرائع بمحض الصدفة؟ ام عبر اجادة واتقان فنون التفاوض؟ من المؤكد ان طبيعة الاجابة لا تخفي على العين. وقد صاغ جون وينكلر الخبير البريطاني في علم التفاوض بمعهد لندن لتسويق عشرة مبادىء اصبحت الاساس الذي ينطلق منه المفاوضون الناجحون ونفضل قبل الكشف عن طبيعة هذه المبادىء الناجحة ان نطرح اربعة عشر سؤالا تعكس اجاباتها موقف الانسان من عمليات التفاوض وتوضح مدى قابليته لان يصبح مفاوضا ماهرا وهذه الاسئلة هي: ـ هل تعكس المناقشات التي تجريها مع شركاء العمل الانطباع بأنك مستعد للتفاوض؟ ـ هل تتحدد نتائج المفاوضات في اللحظة التي يتم خلالها التوصل لاتفاق؟ ـ هل تتنازل طواعية عن أي شيء لا يكلفك كثيرا؟ ـ هل ترغب في الاستفادة التامة من ضعف الموقف التفاوضي للطرف الآخر؟ ـ هل لا تردد في اخطار الطرف الآخر بأنك قد انتصرت اذا انتهت المفاوضات بخروجك بنصيب الاسد؟ ـ هل تحاول الايعاز للطرف الآخر؟ في وقت مبكر من المفاوضات بأنه يتعامل مع مفاوض ما هو ومتمرس؟ ـ هل تستعين بأطراف لا علاقة لها بالمفاوضات (مثل منافسي الطرف الآخر او مندوبي المبيعات الآخرين خلال انعقاد المفاوضات؟ ـ هل تتيح للطرف الآخر فرصة ان يبادر بطرح الاسئلة؟ ـ هل تتيح للطرف الآخر ان (يخمن) هدفك الرئيسي؟ ـ هل تؤمن بأن النزاهة والأمانة خلال المفاوضات تعتبران أكثر فاعلية من المهارة؟ ـ هل تترك هامشا مريحا بين أهدافك وطلباتك؟ ـ هل ترغب في اضعاف اهتمام الطرف الآخر بأهدافه؟ ـ هل تقدم حافزا اضافيا عند انتهاء المفاوضات؟ ـ هل تؤمن بأن الشيء الاكثر اهمية هو ما يقال وليس أين يقال؟ الآن جاء وقت الحساب ما هي النتيجة؟ من الواضح انه اذا تراوحت الاجابة بكلمة (نعم) ما بين عشر واربع عشرة اجابة فإننا ننصح بعدم الدخول في أي مفاوضات خلال الفترة المقبلة حتى يجيء الوقت الذي تتقن فيه فنون التفاوض. أما إن كانت الاجابة على ما يتراوح بين ست وتسع من علامات الاستفهام هذه بكلمة (نعم) فإن الموقف مطمئن للغاية ويمكنك تطوير مهاراتك التفاوضية بما يمكنك من اتقان فنون هذه العملية الذهبية وزيادة عوائدك المالية. وإن جاءت الاجابة بكلمة (نعم) على خمسة اسئلة فقط فإن الموقف سيكون عندها ممتازاً. وإن كنت مفاوضا بالفطرة فأنت إذن قد (ولدت لتكون مفاوضا) وكل ما يتعين عليك القيام به هو تعزيز تلك الملكة الفطرية بالاطلاع على اساليب فنون التفاوض التي غدت من أهم العلوم في هذا العصر. الآن هيا نقارن تلك الاجابات بالمبادىء التي وضعها جون وينكلر لكي نتمكن من ادراك الفرق الشاسع بين تلك الاجابات وبين نظيرتها التي ينصح بها الخبير البريطاني. ـ السؤال الأول: الاجابة هي (لا) استناداً الى مبدأ (تفاوض في اضيق حيز) وحول المسائل غير الجوهرية فقط وقد يستغرب البعض توجيه هذه النصيحة للأشخاص الذين بدأوا للتو في وضع اقدامهم على أول درجة من السلم. ومن الواضح ان هذا السؤال يتسم بقدر من (الخبث) وسنكتشف هذا اذا ادركنا طبيعة الفرق بين مبدأ (تفاوض في اضيق حيز) وعبارة (لا تتفاوض) وسيبادر الطرف الآخر الى القيام بكل ما في وسعه ليضطرك لتقديم تنازلات مهمة في الوقت الذي يكون فيه هدفك هو تقديم تنازلات طفيفة لتحقق اكبر قدر من النجاح وسيكون موقفك مثاليا اذا رفضت تقديم اية تنازلات للحصول على النتيجة المرجوة من مسعاك. ان مفتاح استيعاب وهضم هذا السؤال هو المرونة ومن الطبيعي الا تسمح للطرف الآخر باساءة استخدام قوة موقعه ان كان موقفك ضعيفا ومن هنا فإنه عندما يطرأ موقف تفاوضي أو يستجد ما يستدعى عقد جولة مفاوضات فإن من الأفضل دائما عدم النزوع نحو التشدد حتى ولو توفرت في اطار المفاوضات كل المزايا التي تعزز موقفه ويتعين هنا التمعن ملياً في القول المأثور (من يعش بالسيف فإنه بالسيف يقتل) . ـ السؤال الثاني: الاجابة هي (لا) ايضا ذلك أن على المفاوض ان يعرف جيدا اهمية الاعداد للمفاوضات وحتي لو استغرقت المفاوضات ساعات أو امتدت عبر ايام عدة إلا ان الانطباع الأول قد يكون العنصر الأكبر قوة وتأثيرا كما يبدو ايضا ان المسألة برمتها قد لا تتجاوز العشرين دقيقة وهكذا فإنه يجب التأكد من اعطاء انطباع ايجابي وبناء منذ البداية وفي واقع الأمر فإن لحظة اعطاء ذلك الانطباع هي بالتحديد لحظة التعبير عن رغبة المفاوض في التوصل لحل ينسجم مع أهدافه. ـ السؤال الثالث: الاجابة هي (لا) ايضا اذ كيف يقدم المفاوض التنازلات بهذه السهولة؟ وقد يبدو هذا شيئا اوليا ولكن ينبغي ان نتذكر هذا حتى ولو كانت التنازلات التي نقدمها غير ذات قيمة لماذا؟ لأن الطرف الآخر قد لا يعتقد بأن التنازلات تساوي شيئا اذا لم يبذل كل جهده وطاقته للحصول عليه كما انه لن يكون على استعداد لتقديم اي تنازل رئيسي بالمقابل. ـ السؤال الرابع: الاجابة هنا هي (لا) فنجاح المفاوض لا يعتمد على اساءة استخدام القوة ويتعين عليه مساعدة الطرف الآخر إلا اذا كان يخطط لمغادرة البلاد أو لتغيير مستقبله الوظيفي فقد يجلس ذات يوم قبالة الطرف الذي مارس عليه ضغوطا هائلة والأعمال التجارية مثلا هي علاقات تتأسس بمرور الزمن ويفضل دائما تعزيز الشراكة التجارية بدلا من تحويل الاشخاص والمؤسسات الى اعداء. ـ السؤال الخامس: الاجابة هي (لا) ايضا اذ يتعين على المفاوض ألا يتباهى بانتصاراته ونجاحاته إن تدمير أي إنسان لمجرد اظهار قوتنا وتأكيد نجاحنا وتفوقنا لا يخدم اي غرض. واذا عن لأحد المفاوضين أن يتباهى فعليه ان يسأل نفسه عن الاسباب التي تدعوه الى ذلك. إن معظم المفاوضين الماهرين والحاذقين يتفوقون. وابرز المفاوضات الناجحة هي تلك التي يخرج منها الطرفان وهما يشعران بفرح عارم بالنجاح. ـ السؤال السادس: الاجابة هي (لا) بحيث يتعين عدم السعي للحصول على اعتراف من الطرف الآخر. إن المفاوضات لا تعني تلك الاوقات او المناسبات التي يتخلص فيها الانسان من احباطاته او يبرهن على تفوقه واذا شعر الطرف الآخر بأنك ماهر وحاذق للغاية فقد يتردد في التعامل معك خوفا من الخسارة والفشل ويفضل عادة الحصول على ثقة الطرف الآخر والسعي للحصول على تقدير الآخرين لقيمتنا الحقيقية. ـ السؤال السابع: الاجابة هي (نعم) ان الحديث عن الآخرين بمن فيهم المنافسون شيء مقبول تماما ويتعين ان يتم الايعاز للطرف الآخر بأن هناك جهات اخرى يمكن ان نتعامل معها كما لا يوجد ما يمنع اخطاره بأسعار المؤسسات المنافسة او البوح له بالنية في اللقاء مع ممثلي جهة اخرى لمناقشة الموضوع نفسه موضوع التفاوض. ـ السؤال الثامن: الاجابة هي (لا) لانه يجب على المفاوض ان يكون مستمعا جيداً واذا كان المفاوض يتحدث باستمرار فإنه سيفقد فرصة الانصات للطرف الآخر ولن يعرف طلباته او ان كانت تلك الطلبات تتوافق مع ما يرغب هو في الحصول عليه وقد يطرح البعض السؤال التالي (من الذي يسيطر على سير المفاوضات؟) والاجابة هي انه على الرغم من ان كل العناصر والعوامل التي تتصل بعمليات التفاوض متساوية تماما إلا ان الطرف الذي يطرح معظم الاسئلة هو الطرف الذي يسيطر على مجريات المفاوضات. ـ السؤال التاسع: الاجابة هي (لا) ايضا بحيث يتعين جعل الطرف الآخر يتعود على قبول هدفنا الرئيسي وذلك باتاحة الفرصة له لان يستوعب ذلك الشيء الذي نريد الحصول عليه من المفاوضات وهذا ليس ممكنا علي الدوام فعلى سبيل المثال اذا اصيب احد المتسوقين بالصدمة حين سماع سعر سلعة معينة فقد يفكر البائع في تخفيض السعر ولكن لا ينبغي عدم الافصاح عن الهدف بسبب انه طموح للغاية (طالما كان على درجة معقولة من الموضوعية والواقعية) بل يتعين الكشف عنه على اساس انه جزء من حياتك وأمام هذا الاصرار سيجد الطرف الآخر ان الهدف مقبول للغاية. ـ السؤال العاشر: الاجابة هي (نعم) تأكيداً للقول (المرء معلق بلسانه ومن المؤكد ان الاستقامة والامانة والنزاهة هي ادوات مهمة للغاية خلال عمليات التفاوض واذا لم يتمكن المفاوض من كسب ثقة الآخرين فقد يواجه بأطراف اخرى يستبد بها الغضب والعصبية بحيث قد يكون من الصعب عليه التعامل معها للتوصل لأية اتفاقات وهذا سبب آخر بعد استعراض المهارة كمفاوض. ـ السؤال الحادي عشر: الاجابة هي (نعم) بحيث يتعين افساح مجال للمناورات وهذا مبدأ كلاسيكي يقوم على مفهوم (إن توجب عليك تحديد سعر أو رقم يفضل عادة اتاحة هامش للخطأ) . ـ السؤال الثاني عشر: الاجابة هي (لا) بحيث يتعين انعاش آمال الطرف الآخر وسيكون من الخطأ محاولة الهاء الطرف الآخر عن الأهداف وذلك لانه لم يجلس خلف الطاولة لمجرد ارضائك واسعادك وإذا اقتنع الطرف الآخر بأنك تقدر اهدافه وتنظر اليها نظرة موضوعية فقد يحالفك النجاح في اقناعه بتعديل اهدافه بطريقة تتناسب مع اهدافك المحددة وتستجيب لها. ـ السؤال الثالث عشر: الاجابة هي (نعم) بحيث ينبغي دائما ترك انطباع جيد لدى الطرف الآخر ويفضل عند اللحظة الاخيرة ان تبادل لتأكيد كرمك بتقديم تنازل هامشي لم يكن الطرف الآخر يتوقعه واعتبره هديتك له وإن لم تكن قاسيا ومتشددا خلال المفاوضات فإن تلك الهدية ستسهم كثيرا في رسم صورة انطباعية رائعة لك في ذهن الطرف الآخر إن تلك الهدية هي الثمن الذي تدفعه لكسب احترام الطرف الآخر نظرا لان الانطباع الذي سيخرج به في نهاية المفاوضات يتسم بالأهمية نفسها التي يتسم بها الانطباع الأولى. ـ السؤال الرابع عشر: الاجابة هي (لا) بحيث يتعين الاعداد جيدا للمفاوضات وعدم ترك اي شيء للصدفة كما يجب التفكير ملياً في كل مايتعلق بسير المفاوضات والاجواء التي تنعقد فيها بداية من حجم الطاولة وديكور القاعة ونهاية بالمرطبات والوجبات الخفيفة التي تقدم خلالها إن أهم ثلاث قواعد للمفاوضات هي الاعداد ثم الاعداد وهناك حقيقة اتفق عليها الجميع وهي ان الطرف الذي يستعد جيدا للمفاوضات هو الطرف الذي سيخرج منها ظافرا مهما كانت تعقيداتها وتشابكاتها. وهكذا يتعين دائما ان تتذكر المباديء التالية ونضعها في اعتبارنا عند التفكير في الدعوة لأي مفاوضات: ـ احصر المفاوضات في اضيق اطار ممكن وحول الموضوعات الثانوية فقط. ـ كن في قمة استعداداتك لبدء المفاوضات. ـ لاتتنازل عن اي شيء بسهولة. ـ لا تسيء عن اي شيء بسهولة. ـ لاتسيء استخدام القوة. ـ كن متواضعا خلال لحظات الانتصار. ـ لا تستغل الطرف الآخر كاداة لاستعراض موهبتك ومهارتك. ـ ليس من الخطأ التحدث عن المنافسين خلال المفاوضات. ـ تعلن كيف تصبح مستمعا جيداً. ـ عود الطرف الآخر على بول طموحاتك بصورة عادية. ـ لا تخلف الوعود التي قدمتها وكن أميناً. ـ اتح لنفسك هامشا من الخطأ. ـ انظر بموضوعية لآمال الطرف الآخر وأهدافه. ـ اترك انطباعا جيداً لدى الطرف الآخر. ـ استعد للمفاوضات مسبقا.