استضافة دورات الألعاب الرياضية قد يعود بأرباح كبيرة, لكنه في ذات الوقت يكلف الكثير من الأموال ويثير أيضا تساؤلات حول مدى إيجابية ذلك. كان من الصعب دائماً قياس آثار استضافة الألعاب الأولمبية. وقد انفقت مدينة سيدنى التي تستضيف الألعاب الأولمبية لعام 2000 خلال الشهر الجاري 3.3 مليارات دولار استرالى على البنية الأساسية الرياضية وغيرها تمهيداً لتنظيم الأولمبياد. وقد ترك ذلك أثراً ممتداً لن يزول إلا بعد فترة طويلة. انشأت المدينة طرقاً جديدة برسوم المرور ووصلات سكة حديد جديدة ومواقف حافلات جديدة أيضا. والمباني التي كانت تحت الانشاء من فترة طويلة وتحيط بها السقالات من كل جانب, انتهاى العمل فيها بسرعة كبيرة كما لو كانت مدينة سيدنى خضعت لعملية تجميل اجريت لسيدة عجوز. لكن ما هي الفوائد الاقتصادية المحتملة من هذا الانفاق وهذه الدورة الرياضية؟ وماذا يعنى تنظيم دورة الألعاب الاولمبية على المدى الطويل؟ الاثر السياحي يقول بوب كار رئيس وزراء ولاية نيوساوث ويلز ان تنظيم الالعاب الاولمبية سوف يعطى دفعة كبيرة للسياحة وسياحة المؤتمرات. ومن المتوقع ان يتوافد 700 الف سائح على المدينة خلال دورة الألعاب الاولمبية منهم نحو 111 الف سائح قادم من الخليج. لكن مسئولي السياحة يقولون ان الاثر الحقيقي لدورة الألعاب الاولمبية سوف يمتد على المدى الطويل حيث تفيد مدينة سيدنى من أفضل الاعلانات على الاطلاق حتى اذا كان يبدو ان التكلفة مرتفعة جداً. سوف تكون مدينة سيدنى نقطة تركيز الاهتمام لمدة اسبوعين من مشاهدى التلفاز. وتتوقع اللجنة الأولمبية الدولية ان يشاهد 7.3 مليارات شخص في انحاء العالم احداث الدورة الاولمبية من بين 4 مليارات شخص يملكون اجهز تلفزيون في انحاء المعمورة. وتتوقع عدة مزارات سياحية خارج مدينة سيدنى ان تتوقف عن نشاطها طوال فترة الدورة الأولمبية, لكن كثيراً منها تتوقع طفرة سياحية كبيرة عقب انتهاء الاولمبياد بناء على الاهتمام الذي يتجه اليها من خلال دعاية ما قبل الالعاب الاولمبية, الذي دفع استراليا لأن تحتل المركز الأول كمزار سياحي في استطلاعات الرأي الأمريكية. من المتوقع ان يصل عدد الزائرين الاجانب لاستراليا العام المقبل أكثر من خمسة ملايين زائر لأول مرة في تاريخها اي أكثر من ربع اجمالي سكان استراليا (19 مليون نسمة) والفوائد الاقتصادية الاخرى لدورة الألعاب الاولمبية لايمكن تخيلها بسهولة. وتوقعت شركة أرثر اندرسون للمحاسبات قبل سنوات ان قيمة الفوائد الاقتصادية للاولمبياد سوف تفوق 1.5 مليارات دولار استرالي خلال فترة 12 عاماً التي تسبق وتلى الدورة الرياضية الكبرى. لكن مايكل ايجان وزير مالية نيوساوث ويلز قال انه من ان تمتد الفوائد الاقتصادية للاولمبياد خلال تلك الفترة الزمنية الطويلة. لكنها سوف ترفع اجمالي الناتج الوطني لولاية نيوساوث ويلز بنسبة 25.0% خلال الربع الجاري من العام. غير ان بوب كار رئيس وزراء الولاية يقول ان الدورة الاولمبية سوف تسلط الضوء على سيدنى واستراليا بصفة عامة وتجعل الناس يرون فيها مجتمعاً مرفهاً, متعلماً وعلى قدرة تنافسية عالية وانه مكان جيد للحياة فيه واجراء المعاملات والمشروعات التجارية والاستثمار. وسوف يسبب ذلك ان تنقل بعض الشركات مقارها الاقليمية الى سيدنى ويساعدها على ان تكون مركزاً مالياً رئيسياً في منطقة آسيا والباسفيكى. لقد اثارت العاب سيدنى الاولمبية لعام 2000 درجة عالية من الاهتمام وخلقت وعياً متزايداً باستراليا ومعالمها في منطقة الشرق الأوسط طوال العام الجاري مما دفع بأعداد كبيرة من الزائرين من المنطقة للسفر الى استراليا. لقد أثار حمى الألعاب الاولمبية اهتماما لم يسبق له مثيل باستراليا كمقصد سياحي. ولم يقتصر هذا الاهتمام على منطقة دون اخرى ولم يتخلف المسافرون من منطقة الشرق الأوسط عن الانضمام الى هذا التيار. ويتجه معظم الزوار العرب عادة الى الشاطىء الشرقي لاستراليا, وخاصة شاطىء الذهب في كوينزلاند. إلا ان الاتجاهات تشير الى رغبة متزايدة في السفر الى ما هو أبعد من المواقع السياحية التقليدية والى محاولة تنويع (التجربة الاسترالية) . وإضافة الى ذلك, ونظراً لأن ابناء الشرق الأوسط يسافرون مسافات طويلة لمشاهدة الألعاب, فانهم حريصون ايضا على الاستفادة القصوى من رحلتهم وتمديد إقامتهم الى ما بعد انتهاء الالعاب الاولمبية. وقد شهد الطلب على الرحلات الى المنتجعات الفخمة في بعض الجزر الاسترالية, مثل جزيرة هيمان في كوينزلاند, والمواطن الطبيعية للحيوانات والنباتات مثل جزيرة الكانجارو في جنوب استراليا ارتفاعاً خاصاً. ووفقاً لما يقوله اندرو ريتشاردز المدير الاقليمي لأوروبا وجنوب افريقيا والشرق الأوسط بهيئة السياحة الاسترالية, فإن منطقة الشرق الاوسط التي تعد احدى أحدث الاسواق للسياحة الاسترالية تظهر نموا جيدا نتيجة لتكثيف النشاط التسويقي وزيادة عدد الرحلات الجوية إلى استراليا. ويضيف ريتشاردز (لقد تم في الشهور الخمسة المنتهية في مايو 2000 تسجيل وصول 783.14 زائرا من المنطقة إلى استراليا. ويوما بعد يوم يتسع نطاق الوعي بما تقدمه استراليا من خيارات لقضاء الاجازة للمسافرين من الشرق الاوسط. فقد ارتفع عدد الزائرين بنسبة 6.24% في الشهور الاثني عشر لعام 1999. وفي فصل الصيف الحالي فإن حركة السفر إلى استراليا في عام 2000 تبدو قوية) . ويرجع هذا الارتفاع الكبير في عدد الزائرين من الشرق الاوسط إلى استراليا اساسا إلى زيادة عدد الرحلات المباشرة من اقطار الخليج إلى استراليا إلى الضعف تقريبا ـ توسيع خطوط الطيران الجوية مع رحلات لكل من طيران الامارات وطيران الخليج إلى المناطق البعيدة في استراليا. كما ان فصل الاجازات في الصيف قد تم تمديده بسبب العاب سيدني الاوليمبية لعام 2000. ماذا بعد الاولمبياد؟ برغم الدفعة الكبيرة والجهود الحثيثة التي يبذلها المسئولون مثل بوب كار رئيس الوزراء, هناك بعض التساؤلات حول الحياة في سيدني عقب الاولمبياد. من المتوقع ان تحدث خسائر قيمتها 140 مليون دولار استرالي نتيجة النقص في التذاكر ومبيعاتها, بعد ان اشارت الاعلانات إلى الارباح الهائلة التي ستحقق بناء على حسابات سطحية سابقة. وسوف تدفع نيوساوث ويلز هذه الخسائر من فائض ميزانيتها. وهناك ايضا علامات استفهام حول مستقبل الملاعب والمرافق التي انشئت خصيصاً للاولمبياد. مثلاً استاد استراليا الذي تكلف 690 مليون دولار استرالي وتجري فيه غالبية انشطة الدورة الاولمبية سوف تنخفض طاقته إلى 85 الف متفرج مقابل 110 آلاف متفرج خلال الاولمبياد. وهناك مرافق اخرى في اماكن اخرى تنخفض فيها طاقة الاستيعاب ويتساءل الناس كيف ستجذب هذه المرافق المشاهدين, خاصة وانه لا توجد حولها اماكن انتظار كافية. واعرب انطوني هيوز بمركز الدراسات الاولمبية بجامعة نيوساوث ويلز عن قلقه من ان بعض الاستادات اكثر راحة من استادات سيدني, ويخشى ان يتسبب استاد هوم بوش المركزي في القضاء على آمال استضافة الدورات الاولمبية. ويضيف ان ما يثير القلق ايضا هو مستقبل المركز الاولمبي الذي تكلف 200 مليون دولار استرالي ويقع إلى جانب الاستاد المركزي ولم يستطع منافسة مركز سيدني للترفيه الواقع في وسط المدينة. سيدني مركزاً مالياً اقليمياً في الماضي كانت مدينة سيدني منعزلة عن الرأسمالية العالمية بسبب بعدها الجغرافي, لكن الامر لم يعد كذلك الآن فقد اصبحت المدينة اكبر مركز خدمات مالية في استراليا. وهي الآن مستعدة للاستفادة من ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وقد ساعدت التكنولوجيا في ازالة اهم العقبات امام سيدني, وهي المسافة الجغرافية, واصبح بمقدورها ان تتحول الى مركز مالي عالمي وليس إقليميا فقط. فترات ذهبية مرت استراليا بثلاث فترات ذهبية, حيث يقول جوهوكي وزير الخدمات المالية الفيدرالي, ان الاندفاع نحو الذهب خلال ستينات القرن التاسع عشر كانت اولى هذه الفترات. ثم الزراعة خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وطفرة الخمسينات, ثم الطفرة الكبيرة التي بدأت في التسعينات. ويقول الوزير ان الفترتين الذهبيتين الأوليين ذهبتا دون الاستفادة الكاملة منهما, وهو خطأ لا تنوي الحكومة الفيدرالية تكراره. وسوف نفيد من الفترة الذهبية الثالثة جيدا لأن البلاد اصبحت لأول مرة في تاريخها لا تتأثر بالمسافة الجغرافية مع بقية اجزاء العالم. تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتساهم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات, التي تحتل فيها استراليا المركز الثاني في آسيا بعد اليابان في فتح سيدني لتكون مركزا ماليا عالميا. ويقول ليزهو كسنج رئيس هيئة اكسس التنفيذية, التي انشئت في يناير الماضي لتجعل من سيدني مركزا ماليا مهما ان بورصة الاوراق المالية تقع في سيدني, وتنافس هونج كونج على مركز ثاني اكبر بورصة في آسيا بعد طوكيو وتحمل البورصة اكبر مستقبل مالي للبلاد. وقد تغير الاقتصاد الاسترالي بشكل كبير على مدى العشرين عاما الماضية, فلم يعتمد على التعدين كما كان الحال من قبل, ولم يعد يعتمد على الزراعة ايضا, بل تحول الاعتماد على قطاعي الخدمات والتكنولوجيا. ويوجد في استراليا الآن حواسيب آلية لنسبة من السكان اكثر من اي دولة اخرى في العالم, باستثناء الولايات المتحدة. ويبلغ اجمالي الناتج المحلي الاسترالي حاليا قيمة اكبر من مجموع اجمالي الناتج المحلي لكل من ماليزيا وسنغافورة وهونج كونج, مما يعطي سيدني ثقلا كبيرا كمركز مالي وتمثل الزراعة 3% فقط من اجمالي الناتج المحلي للبلاد وتمثل الخدمات 80% منه. نيوساوث ويلز وتمثل ولاية نيوساوث ويلز, التي يوجد بها مدينة سيدني التي تستضيف دورة الالعاب الأولمبية القلب من صناعة التكنولوجيا والمعلومات والاقتصاد الجديد. ويوجد بهذه المدينة مقار 280شركة متعددة الجنسيات, واحدثها هو المقر الاقليمي لشركة اوراكل للخدمات التجارية في اسيا والباسفيكي. كما ان شركة اي. بي. ام سوف تقيم مركز خدماتها لاسيا والباسفيكي ايضا في مدينة سيدني. ويقول رئيس المركز التابع لأوراكل انهم اختاروا سيدني بسبب وجود من يتحدثون عدة لغات وأصحاب مهارات عالية في قطاع التمويل والمحاسبة. وقد عزز عدد كبير من الشركات عدد العاملين بها في المنطقة واختاروا سيدني كمقر اقليمي لهم في آسياد المحيط الهادي. لكن المنافسة الاقليمية لاتزال قوية من دول مثل سنغافورة ومنطقة هونج كونج الادارية الخاصة الصينية, اللتين تقعان داخل قلب آسيا وعلى مقربة من مراكز اقليمية اخرى. ويقول هوسكنج: رغم ذلك فإن استراليا لديها بعض الميزات التنافسية من حيث المهارات وقوة العمل والخدمات المهنية عالية المستوى. كما ان بنيتها في الاتصالات والمواصلات وصناعة ادارة الأصول المتطورة والهيكل التنظيمي القوي وأسواق السيولة, كلها تمثل نقاط قوة بالنسبة للمنافسين الآخرين. كما ساعدت اصلاحات الحكومة الفيدرالية الأخيرة في مجال الضرائب مدينة سيدني كثيرا, وكذلك اصلاحات التنظيم المالي والعلاقات الصناعية, وساهم كل ذلك في تحسين البيئة وتشجيع الشركات العالمية على الانتقال الى سيدني. وقد حسنت الحكومة الفيدرالية قوانين الضرائب وألغت بعضها (ضرائب الفوائد على المستثمرين الاجانب الذين يملكون سندات دين لشركات محلية) وخفضت ضرائب دخل رأس المال الى النصف واستبدلت ضرائب مبيعات بالجملة بضريبة 10% على الخدمات والسلع, وخفضت ضرائب الدخل الشخصي وضرائب الشركات. كما قدمت السلطات الفيدرالية اعفاءات ضريبية لفروع البنوك في الخارج وخفضت من لوائح استثمارات رؤوس الاموال الاجنبية من الناحية الضريبية ايضا. مشكلة واحدة لاتزال هناك مشكلة اخرى تواجه استراليا هي ضريبة الدخل على الافراد. لكن ما يهم الشركات هي التكلفة, كما يقول هوسنج. ويشير الى ان الارقام تقول ان استراليا أرخص من دول آسيوية اخرى, اذا ما قورن مستوى المعيشة بها بأماكن أخرى في آسيا. وقد نجحت مدينة سيدني حتى الآن في تحقيق تقدم كبير كمركز مالي وخدمات مالية ومقار شركات ومركز لابرام الصفقات الكبرى. لكن هذه هي الخطوة الأولى فقط. ويقول كين بوردا مدير فرع دويتشة بنك في استراليا ان ما سبق ذكره حو حقيقة واقعة, ويعتبر سيدني الى جانب لندن ونيويورك مركزا ماليا وللعملة الاجنبية ومقار الشركات والخدمات المالية. ويضيف ان سيدني تطور قاعدة تكنولوجية كبيرة ثم سيصبح بها طاقة أكبر لاجراء مزيد من العمليات المالية. اعداد ـ اشرف رفيق