أثار هروب رجل الأعمال المصري رامي لكح بعد تعثره في سداد مديونية مستحقة للبنوك المصرية تجاوزت قيمتها مليار و448 مليون جنيه الأوساط الاقتصادية والمصرفية المصرية.. وأعاد فتح ملف رجال الأعمال الهاربين مجددا. و رغم تهوين بعض خبراء الاقتصاد والمسئولين من خطورة المشكلة لتهدئة الرأي العام وطمأنة المستثمرين بدعوى أن هروب قلة من رجال الأعمال لا يعد ظاهرة خاصة وأن الهاربين الى الآن لا يمثلون سوى 1% من مجموع رجال الأعمال وأن قروضهم لا تمثل سوى 3% فقط من اجمالي قيمة محفظة أموال البنوك المصرية.. رغم ذلك يرى آخرون أن الوضع بلغ حد الأزمة وتجاوزها.. وأن الهروب المتكرر لرجال الأعمال أزعج المسئولين والمودعين وكافة مفردات العمل الاقتصادي المصري. وأن الأمر بلغ ذروته بطلب رئاسة الجمهورية من الحكومة تقريرا مفصلا عن أوضاع الجهاز المصرفي ونظم الائتمان الذي يتبعها وكيفية معالجته للقروض الضخمة لدى العملاء المتعثرين. مأزق حكومي حرج ولا ينكر أحد أن الحكومة باتت في مأزق حرج لاسيما وأن عمليات الهروب تكررت في الآونة الأخيرة رغم أنها بدأت العام قبل الماضي بهروب الدكتور محمود وهبة رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين بأمريكا الذي توقف عن سداد 380 مليون جنيه ثم عادل مارك فهمي ومحمد الجارحي وحاتم الهواري وقبل 3 أسابيع مصطفى البليدي الذي توقف عن سداد 148 مليون جنيه. وأخيرا رامي لكح الذي تحاول الجهات المسئولة تسوية مديونيته ووضع حد لهذه المشكلة للحيلولة دون هروب رجال أعمال آخرين لاسيما وأن قائمة المتعثرين عن السداد تضم 100 رجل أعمال تتجاوز مديونيتهم 5.67 مليار جنيه. محاولات مكثفة وحتى الآن لم تفلح المحاولات الحكومية المكثفة في تطويق الأزمة التي فرضت نفسها بقوة وكشفت عن سلبيات خطيرة في السياسات النقدية. فقد عقد الدكتور عاطف عبيد رئيس مجلس الوزراء سلسلة اجتماعات مع محافظ البنك المركزي المصري اسماعيل حسن ورؤساء البنوك الأربعة العامة وعدد من رؤساء جمعيات المستثمرين ورجال الأعمال جرى خلالها مناقشة جميع الأوضاع المصرفية والقروض التي منحت للعملاء في مختلف الأنشطة والضمانات التي حصلت عليها تلك البنوك. بالاضافة للمشاكل التي تواجه العملاء والوسائل الخاصة بتعويم بعض العملاء المتعثرين ودعمهم للخروج من أزمتهم واستمرار تمويل البنوك للمشروعات التي ينفذها رجال الأعمال الجادين في ضوء وجود ضمانات كافية. ورغم الاعلان عن خطة لتسوية مديونية رجل الأعمال رامي لكح تتضمن تنازله للبنوك الدائنة عن كل مستحقاته لدى بعض الجهات الحكومية والخاصة.. علاوة على قصر وعمارة بمنطقة مصر الجديدة وفندق بشرم الشيخ تتجاوز قيمتها 118 مليون جنيه.. بالاضافة الى جدولة 390 مليون جنيه على 8 سنوات دون خصم أي جزء من الدين أو الفوائد مع استمرار البنوك في دعم مشروعات رامي لكح لمساندته في سداد المديونية وفقا للجدولة التي تم الاتفاق عليها. ورغم هذه التسوية واجراءات أخرى إلا أن حالة من القلق والارتباك تسود الأوساط المصرفية ومجتمع رجال الأعمال الذي يخشى من اتخاذ البنوك قرارات غير معلنة بتقليص الائتمان والتشدد في اجراءات الاقتراض. ومن جهتها بدأت البنوك المصرية في اتخاذ اجراءات احتياطية بعيدا عن جهات التحقيق حيث تم استدعاء أبرز العملاء والحصول منهم على مزيد من الضمانات التي تغطي قيمة القروض التي حصلوا عليها. كما تم الاتفاق على عدم رفع دعاوى قضائية جنائية ضد عملاء البنوك إلا بعد التشاور مع البنك المركزي وألا يتم تحريك الدعوى الجنائية إلا للحالات التي يتأكد فيها سوء نية العميل وذلك للحيلولة دون توسيع نطاق عمليات الهروب في مجتمع رجال الأعمال خوفا من المساءلة الجنائية. واقع المعلومات وواقع معلومات البنك المركزي المصري يثبت حصول 20 من كبار رجال الأعمال على 10% من اجمالي التسهيلات الائتمانية والقروض التي منحها الجهاز المصرفي للقطاع الخاص بالكامل خلال العام الأخير وبلغت 6.117 مليون جنيه وأن 250 من رجال الأعمال حصلوا على 36% من اجمالي التسهيلات التي منحها القطاع المصرفي للقطاع الخاص بما يوازي 27% من اجمالي محفظة البنوك بالكامل البالغة 237 مليار و887 مليون جنيه. كما أن التسهيلات الائتمانية التي ضختها البنوك لعملائها زادت خلال الفترة من مايو قبل الماضي الى مايو الماضي بحوالي 23 مليار جنيه وقفزت الى 7.224 مليار جنيه منها 3.12 مليار جنيه فقط لقطاع الحكومة مقابل 4.212 للقطاع الخاص وغيره من القطاعات غير الرسمية الأمر الذي يعني أن القطاع الخاص مازال مستحوذا على أكثر من 90% من هذه التسهيلات رغم البيان الرسمي الذي وزعه البنك المركزي مطلع العام الحالي بضرورة مراعاة شروط الائتمان والحصول على ضمانات كافية قبل التورط في منح قروض مهددة بعدم السداد. وباعتراف التقارير الرسمية فإن بعض العملاء استغلوا التنافس الشديد بين البنوك عليهم ليفرضوا شروطهم على البنوك ويفاوضوهم على أسعار الفائدة من مركز قوى ويطالبوهم بتمديد فترة السداد حتى بلغت القروض التي حصل عليها كبار رجال الأعمال والمستثمرين بدون ضمانات 45% من جملة القروض التي ضخها الجهاز المصرفي للقطاع الخاص بالكامل بقيمة تجاوزت 5.67 مليار جنيه. وأشارت الى أن 20 عميلا فقط حصلوا وحدهم على نحو 16 مليار جنيه بما يوازي 8% من التسهيلات المصرفية وأن 250 عميلا حصلوا على 53 مليار جنيه بنسبة 27% من اجمالي التسهيلات التي منحها القطاع المصرفي حتى مارس الماضي. دلالات خطيرة ويؤكد حلمي السعيد مدير أمناء الاستثمار ببنك مصر ما تحمله الأرقام السابقة من دلالات خطيرة. موضحا أن الافراط الائتماني تسبب في الموقف الحرج الذي تعاني منه البنوك حاليا مع بعض العملاء.. بالاضافة الى تسببه في بروز مشكلات أخرى في مقدمتها نقص السيولة.. وأشار الى أن سيل القروض وتركزه في بعض كبار العملاء خلال الفترة الماضية كان سببا مباشرة في ارتفاع مديونية هؤلاء العملاء من ناحية وتجفيف منابع السيولة من ناحية أخرى.. وأن توقف بعض العملاء عن السداد نتيجة المشاكل التي يعانونها في العملية الانتاجية لديهم ساهم بدوره في زيادة حدة أزمة السيولة داخل الجهاز المصرفي بصفة عامة لاسيما وأن هناك تداخلا في دورة السيولة بين البنوك عبر عمليات المقاصة والتسوية التي تتم على حساب العملاء.. بمعنى أن حدوث بوادر مشكلة سيولة في بنك نتيجة تعثر بعض العملاء عن سداد المديونية المستحقة عليهم من شأنها أن تؤثر على بنوك أخرى. زيادة ملحوظة وانتقد الدكتور محمود عبدالفضيل رئيس قسم الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة الحكومة والجهاز المصرفي موضحا أنه عندما تبنت الحكومة والقطاع المصرفي قطاع رجال الأعمال في اطار عمليات الاصلاح الاقتصادي وتشجيع القطاع الخاص لم يميزا بالقدر الكافي بين رجال الأعمال بالمعني الحقيقي وبين المغامرين الباحثين عن الثروة بأي أسلوب أو طريقة. وأشار الى أن تركيز الحكومة على عدد معين من رجال الأعمال دون توسيع قاعدتهم ضاعف من المخاطرة. وأن السوق المصرفية المصرية شهدت في السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في حالات الانحراف والتسيب في منح الائتمان وفي متابعته وتحصيله. وأن المنحرفين في الجهاز المصرفي استغلوا حرص الحكومة ورغبتها في تشجيع رجال الأعمال لتوزيع القروض وغيرها بدون ضوابط موضوعية مما عرض أموال الجهاز المصرفي لهذه الحالة الخطيرة التي يجب تطويقها في أسرع وقت لحماية أموال المودعين والحيلولة دون فقد الثقة في الجهاز المصرفي المصري بصفة عامة. وأضاف أن بروز هذه المشكلة في الفترة الأخيرة يرجع الى خروج البنوك التجارية عن وظيفتها الأساسية بتمويل الأنشطة التجارية قصيرة الأجل وهي أنشطة غير قابلة للتعثر وتمويلها لا يزيد على 3 شهور ودخولها في مجال البنوك المتخصصة وتصارعها غير المبرر على عملاء ثبت لديهم من خلال أجهزة الاستعلام والتحري عدم سلامة موقفهم الائتماني وتغاضيها المتعمد عن الضوابط والمعايير والأعراف المصرفية بما شجع البعض على الدخول بأسماء وصفات ومراكز مالية مفبركة للاستيلاء على أموال المودعين والهروب بها للخارج تحت ستار مشروعات وشركات وهمية. آلية جديدة وكذلك حذر رجال أعمال وخبراء اقتصاد من أن كثرة الحديث عن الهاربين من رجال الأعمال يفسد مناخ الاستثمار ويعقد المشكلة خاصة وأن الدول تعتمد في الموازنة الجديدة للعام المالي )2000-2001( على القطاع الخاص في تنفيذ نحو 75% من استثمارات التنمية. واقترح خالد أبو اسماعيل رئيس اتحاد الغرف التجارية تأسيس آلية جديدة تضم ممثلين عن اتحاد البنوك والصناعات والغرف التجارية وجمعيات رجال الأعمال والمستثمرين تكون المتحدث الرسمي الذي يوضح كل ما يحدث في الواقع الاقتصادي من أحداث تشوه سمعته في الداخل أو الخارج وذلك دون تهوين من حجم المشكلة أو تهويلها.. معتبرا أن ما يثار هذه الأيام بشأن بعض العملاء المتعثرين لايجب أن يكون ذريعة للتعسف ضد كل رجال الأعمال ولا يجب أن يأخذ أكثر من حجمه. علاقات غير مستقرة ووصف أحمد شيحة رجل الأعمال العلاقة بين الحكومة ومجتمع الأعمال في الوقت الراهن بأنها غير مستقرة وأن التنسيق غائب بين الطرفين وأن الثقة لم تعد متوفرة بالشكل الكافي.. وأشار أن قطاع الأعمال من خلال الجمعيات والاتحادات المختلفة رصد العديد من الظواهر السلبية التي تهدد الاقتصا د المصري في مذكرات وتقارير ورفعها للجهات المسئولة غير أن تلك الجهات أهملت الوضع برمته ولم تهتم بكل هذه المذكرات والتقارير. وأضاف أن تعثر بعض رجال الأعمال عن سداد المديونية المستحقة عليهم جاء نتيجة العديد من الأوضاع المختلفة وفي مقدمتها النقص الحاد في السيولة وركود الأسواق والعجز في تصريف مخزون انتاجي تتجاوز قيمته 4 مليارات جنيه وتدني اداء سوق الأوراق المالية وكذلك الافراط في الاقراض بشكل عشوائي لأكثر من مشروع دون ضمانات ودراسات جدوى وافية. وشدد أحمد شيحة على أن مواجهة مشاكل رجال الأعمال خاصة المتعلقة بالضرائب وارتفاع أسعار الفائدة على القروض ونقص السيولة في الأسواق المحلية علاوة على تعثر معظم القطاعات نتيجة عدم حصولها على المديونية المستحقة لها على الحكومة. بالاضافة لعمليات حرق الأسعار والتهرب السلعي سيساعد على عودة الاستقرار والانتظام في سداد المديونية المستحقة عليهم.. كما أكد على ضرورة قيام البنك المركزي المصري بدور فعال للخروج من هذا المأزق باعتباره سلطة لها حق التصويت للأوضاع المصرفية وعلاج ما يشوب العملية الائتمانية من قصور أو انحراف عن القواعد والأعراف المصرفية بما يكفل في النهاية تحقيق الكفاءة في التأكد من جدوى المشروعات وصدق البيانات التي يتم جمعها لتقليل الخسائر. القاهرة ـ يوسف شاكر