في العقدين الأخيرين شهد دور الدولة ممثلا في القطاع العام تغيرات أساسية, وظهرت هذه التغيرات بشكل واضح لا يحتمل اللبس في عقد التسعينات على وجه الخصوص. ومن نافلة القول تقرير أن القطاع العام العربي قد تأثر بالمتغيرات والمستجدات العالمية, التي أدت إلى تغير دوره, لكن ما يحتاج إلى التقرير معرفة أن هناك من الدول ـ العربية تحديدا ـ من نجح في قراءة مضامين هذه المستجدات والتفاعل معها, وتجنب بعض الآثار السلبية الناتجة عنها. وإن أية محاولة لتتبع حركة القطاع العام ونشاطه في الفترة الحالية, تجعلنا نؤكد أنه يعيش مرحلة انتقالية لما تكتمل بعد, وأن أهم ما يميز حركته في هذه المرحلة هو بحثه عن دور جديد يتعايش مع التطورات من حوله, وكذلك بحثه عن مكان داخل تلك المنظومة المسماة الاقتصاد العالمي. في البداية وقبل تناول ماهية دور القطاع العام العربي في ظل المتغيرات الحالية, من المهم الإشارة إلى أهم المتغيرات والمستجدات التي أدت في مجملها إلى إعادة النظر في دور القطاع العام. فقد ساد الفكر الاقتصادي في القرن الحالي, وبخاصة بعد الحرب العالمية الثانية, مبدأ ضرورة تدخل الدولة بالتوسع في مؤسسات القطاع العام, وتقديم الخدمات الأساسية, وإدارة المرافق العامة, والقيام بنشاط اقتصادي في مختلف القطاعات. وقد أسهم في تدعيم هذا المبدأ ذلك النموذج الذي أقيم في الاتحاد السوفييتي بعد الثورة الاشتراكية العام ,1917 ونجاحها الأولي في اتباع أسلوب التخطيط الاقتصادي من أجل التنمية, وبناء الهياكل الإنتاجية الجديدة في سنوات قليلة, بالمقارنة مع ما كان يمكن أن تستغرقه في ظل قوى السوق في الفترة نفسها. واعتبارا من العام 1929 أصيب النظام الرأسمالي بما يسمى الكساد الكبير, وأصبح هناك شعور قوي بأن هذا النظام مهدد, وبخاصة في ضوء المنافسة الشديدة التي تقدمها الاشتراكية. وهنا ظهرت آراء تنادي بضرورة تنشيط دور الحكومة بالإنفاق العام على بناء المرافق, وتوسيع الخدمات حتى لو كان ذلك بتحمل عجز كبير في الموازنات العامة والاقتراض. كما أكدت تلك الآراء أن اقتصاد السوق لا يمكن أن يضمن تحقيق التوازن الاقتصادي والقضاء على البطالة وتشغيل الطاقات الإنتاجية المتاحة إلا بضوابط صارمة تضعها الدولة لرقابة قوى السوق, للقضاء على الاحتكار, ولتشجيع المنافسة في الإنتاج, وفي إقامة المشروعات, وتقليل الآثار السلبية للإنتاج على المجتمع, ووضع التشريعات اللازمة لكل ذلك. وهكذا إذن سادت مدرستان, الأولى سلمت إدارة الاقتصاد ـ بما في ذلك ملكية أدوات الإنتاج وتحديد الأسعار وتوزيع الدخول ـ إلى الدولة أو القطاع العام, مما قضى كليا ـ إلا في حدود ضيقة جدا ـ على قوى السوق, وبالتالي دور القطاع الخاص في الاستثمار, وملكية المشروعات الإنتاجية. وهذه هي المدرسة الاشتراكية التي جعلت من الدولة الفاعل الأساسي في الاقتصاد القومي. أما المدرسة الأخرى فهي تلك المعتمدة على النظام الرأسمالي, بعد تعديله وذلك بعد المعاناة الاقتصادية الخطيرة في الثلاثينات, نتيجة فشل قوى السوق في ضمان التشغيل الكامل واستقرار الاقتصاد الكلي. وقد أعطت هذه المدرسة الحكومة دورا أكبر مما كان سائدا في ظل الفكر الاقتصادي الكلاسيكي. وقد تأثرت الدول العربية, بعد الحرب العالمية الثانية, بمدرستي الفكر الاقتصادي المذكورتين. وأصبحت الدول العربية بعد الاستقلال تهيئ نفسها للبناء المؤسسي للدولة, بما في ذلك سن التشريعات وإنشاء الوزارات والدوائر والمؤسسات العامة, والتوظيف والتدريب. وعلى هذا انقسمت الدول العربية إلى مجموعتين, الأولى أخذت بالنظام الاشتراكي, وذلك بتأميم الملكية الخاصة في المشروعات الكبيرة, والقضاء على الإقطاع الزراعي, وخلق مؤسسات عامة في مختلف القطاعات, وتوسيع دور القطاع العام وظيفيا ومؤسسيا, وسيطرة الدولة على الموارد العامة سواء كانت مالية أم غير ذلك. وشملت هذه المجموعة في الستينات والسبعينات عددا من الدول العربية أهمها مصر وسوريا والعراق والجزائر وليبيا والسودان واليمن الجنوبي (قبل الوحدة) والصومال. أما المجموعة الثانية من الدول العربية, فقد تجاوز دور الحكومة فيها الدور التقليدي, وقد تأثرت تلك المجموعة بالأفكار الاقتصادية التي رحبت بتوسيع دور القطاع العام في عملية التنمية. وساعد في ذلك توافر التمويل اللازم لتنفيذ خطط إنمائية شاملة, وبخاصة في الدول العربية المصدرة للبترول, وعدد من الدول الأخرى التي حافظت على الملكية الفردية وأتاحت المجال, ولو بدرجات متفاوتة, للقطاع الخاص, ولقوى السوق بالعمل. وتشمل هذه المجموعة دول مجلس التعاون الخليجي والأردن واليمن الشمالي (قبل الوحدة) ولبنان وتونس والمغرب. ومما ساعد في غلبة الفكر الاقتصادي الغربي الجديد الذي ينادي بالاعتماد على اقتصاد السوق, والتركيز على دور القطاع الخاص, وتقوية دور الدولة الرقابي, وضبط أساسيات الاقتصاد الكلي, انهيار تجربة النظام الاشتراكي في المنشأ, أي في الاتحاد السوفييتي. ومع هذا التغير الكبير, وجدت الدول النامية التي كانت تطبق قدرا من الاشتراكية, أن هناك دولة عظمى وحيدة في العالم, وأن أمامها نمطا اقتصاديا واحدا فقط. وبذلك تراجعت هي أيضا عما كانت نقلته من تطبيقات في التجارب الاشتراكية, بل وصلت إلى قناعة بأنه بقدر ما يكون الانتقال سريعا, بقدر ما تتحسن قدرتها التنافسية النسبية. وهكذا سادت في الدول العربية أفكار اقتصادية جديدة تؤثر مباشرة على سياسات الاقتصاد الكلي, ولو أنه بقي هناك قدر من الأخذ بالقيم أو التساؤل عن جدوى الانتقال ومحاولة لبيان آثاره التي قد يكون بعضها سلبيا. وقد عملت الدول الغربية بعد الحرب العالمية الثانية على بناء نظام اقتصادي دولي يستهدف تشجيع التعاون الدولي, وتحرير انتقال رأس المال والعملات والتجارة الدولية. وهكذا أنشأت البنك الدولي, وصندوق النقد الدولي, واتفاقية الجات التي تبنتها, وحلت مكانها منذ 1/1/1995 منظمة التجارة العالمية. وسعت هذه المؤسسات المالية إلى تخفيف القيود الإدارية والجمركية على الاستثمار, وأسعار الصرف, والتجارة بمتابعة أوضاع الدول الأعضاء مباشرة. وقد انضمت الدول العربية منذ سنوات طويلة لعضوية البنك الدولي, وصندوق النقد الدولي, كما انضم بعضها لمنظمة التجارة العالمية. ويسعى عدد آخر للانضمام لهذه المنظمة بمفاوضات حول شروط الانضمام, بما في ذلك إزالة القيود الإدارية على التجارة الخارجية, وتخفيض الرسوم الجمركية على المستوردات, والتقيد بسقوف على تلك الرسوم, وتطبيق الاتفاقات الدولية المتعلقة بالملكية الفكرية. كما التزمت معظم الدول العربية بتحرير تحويلات العملة للأغراض التجارية, والرأسمالية, وتشجيع الاستثمار الأجنبي. وبقيت بعض الدول العربية بعيدة عن هذه التطورات, إما لأسباب انتقالية أو إدارية أو أخرى تتعلق بأسلوب إدارة اقتصاداتها. وساعدت تكنولوجيا المعلومات ووسائل الاتصال الحديثة على سرعة انتقال السلع ورأس المال بين الأسواق المختلفة ودول العالم بقيم كبيرة جدا, ودون قيود تذكر. ونتج عن ذلك تداخل الأسواق المالية والاقتصادية القطرية وتفاعلها بدرجة سريعة وشديدة لم تكن أمرا معتادا في السابق, كما سادت درجة عالية من الشفافية والوضوح حول الأوضاع المالية والاقتصادية لكل دولة, وأصبح من الصعب انعزال دولة ما عن الاقتصاد العالمي. كما أصبحت العلاقات الاقتصادية الدولية محكومة باتفاقات دولية تغطي مختلف المجالات, وتجري متابعة تطبيقها من قبل مؤسسات دولية وقطرية متخصصة. وصارت المنافسة بين الشركات ـ وكذلك الدول ـ على دخول الأسواق, ونيل حصة أكبر فيها أشد مما مضى, وبخاصة أن جزاء النجاح هو أيضا كبير. وقد أثارت الأزمة المالية والاقتصادية الآسيوية تساؤلات حول أهلية النظام الرأسمالي الحالي ونظام السوق, وعدم ملاءمتهما لإدارة الاقتصاد الوطني والدولي, وضرورة البحث عن (طريق ثالث) تلعب فيه الدول دورا تصحيحيا يخفف من محدودية النظام الرأسمالي, ويقوي من شبكات الأمان الاجتماعي. كما أكد كثيرون أهمية الإصلاح الإداري ومحاربة الفساد, وتشديد الرقابة على البنوك, كوسائل رئيسة للحد من ظهور الأزمات المالية والاقتصادية. وطرح إمكان أن تفرض الدولة قيودا على خروج رؤوس الأموال قصيرة الأجل, للحد من تفاقم الأزمات المالية, وفي هذا تراجع ولو مؤقت ومحدود عن أحد مظاهر العولمة. وإلى هذا هناك متغيرات ومستجدات أخرى مهمة واجهت الدول العربية بشكل خاص, وأثرت ـ ولاتزال ـ على دور القطاع العام, منها: ـ عدم قدرة الدول العربية على تحقيق قدر أعلى من التعاون والتكامل الاقتصادي, ومحدودية نجاح التعاون الاقتصادي والسياسي في وضعه الحالي. ويصدق هذا كذلك على درجة تعاون القطاع الخاص, والتبادل التجاري والاستثمار بين الدول العربية. ـ نجاح التكتلات الاقتصادية في الدول الغربية ـ وبخاصة في الاتحاد الأوروبي ـ في تحقيق تكامل أقوى فيما بينها, شمل التجارة والاستثمار وانتقال الأشخاص والوحدة النقدية (اليورو) وتوحيد الأنظمة والسياسات القطاعية والكلية المختلفة. كما أن منظمة (النافتا) للتجارة الحرة مثل آخر أكثر حداثة, ولكنه يمضي دون انتكاسات كتلك التي شهدتها تجربة التكامل العربي. ـ مبادرة الاتحاد الأوروبي منذ مؤتمر برشلونة العام ,1995 بطرح فكرة المشاركة بينه وبين كل دولة عربية في حوض البحر المتوسط تتضمن إقامة منطقة تجارة حرة والتزام الدولة العربية باتفاقات ومواثيق دولية, سياسية واقتصادية, وتحرير تجارتها الخارجية, أي باختصار تهيئة الدول العربية المعنية لتصبح جزءا من العولمة, بخاصة وأن الإجراءات المطلوبة منها متفقة مع تلك التي تتطلبها منظمة التجارة العالمية والمؤسسات الدولية الأخرى. ـ المقاطعة الاقتصادية والسياسية التي فرضت على دول عربية (العراق وليبيا والسودان), وآثارها السلبية على جهود التعاون والتكامل الاقتصادي العربي. ـ تراجع أسعار البترول في السنة الأخيرة وعوائد صادراته, وآثار ذلك على الإمكانات المالية للدول العربية المعنية, وظهور العجز في موازناتها العامة, واضطرارها للاقتراض, وإعادة النظر في تحميل كلفة الخدمات العامة أو بعضها على المواطنين. وقد رافق ذلك البطالة العالية بين الخريجين من مواطني الدول المصدرة للبترول, واضطرارها لإعادة النظر في حجم القوى العاملة الوافدة, وبخاصة الآسيوية منها. هذه هي أهم المتغيرات والمستجدات الاقتصادية والعالمية الرئيسة دوليا وإقليميا التي أثرت على تشكيل دور الدولة, أو القطاع العام, في مختلف الدول بما في ذلك الدول العربية. وعليه كثر الحديث عن الإصلاح الإداري وتحديث جهاز الدولة وإعادة النظر في التشريعات السارية, ودمج بعض المؤسسات, والقضاء على البيروقراطية والفساد. كما أثير في مختلف الدول العربية موضوع الخصخصة, وتوسيع دور القطاع الخاص, وتطبيق نوع من المشاركة بين القطاعين العام والخاص في وضع السياسات والقرارات الاقتصادية. وعليه فإن المطلوب هو دور فعال للدولة, بحيث تؤدي فيه نشاطا تحفيزيا وتشجيعيا ومكملا للقطاع الخاص. ولكي يتحقق هذا الدور, لابد من تلبية شرطين أساسيين هما: أن يتناسب دور الدولة مع قدراتها, ثم رفع قدرات الدولة بتنشيط مؤسساتها العامة. ومن ثم فإن الوظيفة الأولى للدولة هي القيام بالمهام التالية: تطبيق القانون على أساس قوي, تحقيق الاستقرار في الاقتصاد الكلي, الاستثمار في الخدمات الاجتماعية الأساسية والبنية التحتية, حماية الفئات ضعيفة الإمكانات, وحماية البيئة. لقد تغير دور الدولة أو القطاع العام في الدول العربية في عقد التسعينات, كنتيجة إما للتطورات التي شهدها العالم والمنطقة, أو لبرامج الإصلاح الاقتصادي التي اتفق على تنفيذها مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي, أو نتيجة للتفاوض مع منظمة التجارة العالمية أو الاتحاد الأوروبي, أو أخيرا نتيجة لهذه العوامل المشتركة. وكانت أهم مظاهر تغير دور القطاع العام في الدول العربية ما يلي: ـ تخلي الدولة أو القطاع العام, ولو تدريجيا, عن أسلوب التدخل المباشر في إقامة المشروعات الإنتاجية والاستيراد والتصدير, وتوفير وبيع السلع المدعومة ورقابة الأسعار, وترك هذه الأنشطة للقطاع الخاص. ـ تقوية دور الدولة في سن التشريعات المختلفة, وبخاصة الاقتصادية, وتحديثها بما يتناسب مع المعايير الدولية, ودعم الدور الرقابي والتنظيمي للهيئات العامة في الأسواق والمؤسسات المالية, والبنوك, وشركات التأمين, والطاقة, والاتصالات, وتشجيع المنافسة, ومنع الاحتكار, وتحسين النوعية, وتطبيق المواصفات والمقاييس. ـ عدم الاستمرار في تضخيم جهاز القطاع العام بالاستمرار في توظيف أعداد متزايدة من الموظفين, بل التوجه نحو الاعتماد على القطاع الخاص في توفير فرص عمل جديدة. ـ خصخصة المشروعات الإنتاجية التي تمتلك الحكومة كل رأسمالها أو جزءا منه لمستثمرين محليين أو أجانب. ومن الأمثلة عل ذلك برامج الخصخصة في مصر والمغرب وتونس والأردن. ـ تنفيذ مشروعات البنية التحتية بوساطة القطاع الخاص المحلي, والأجنبي, على أساس (BOT أو BOO أو BOTT) مثل الطرق والموانئ, ومحطات توليد الكهرباء, والمطارات وغيرها (كما في لبنان وسلطنة عمان). وقد كانت هذه المشروعات مقصورة على القطاع العام, لأنها مرافق وخدمات عامة لا تدار بالضرورة على أسس ربحية. ـ تحويل المؤسسات العامة إلى شركات عامة مملوكة بالكامل للحكومة, وتدار على أسس تجارية تمهيدا لخصخصتها. ـ ابتعاد الدولة عن مفهوم دولة الرفاه التي كانت إمكاناتها المالية كافية لتوفير خدمات التعليم والصحة مجانا, وخدمات المرافق الأخرى بأسعار مدعومة (كما كان سائدا في دول مجلس التعاون الخليجي), حيث لجأت تلك الدول إلى تحديد بدلات, ولو رمزية مقابل خدماتها, ورفع الأسعار بما يعكس بشكل أفضل كلفة خدمات أخرى. ـ تركيز المعونة والدعم على الفئات الفقيرة, والأقل إمكانية في المجتمع, وترشيدها بما يقلل من الموارد المخصصة لها, ويحقق فائدة مباشرة للفئات المستهدفة. ـ التزام الدول باتباع سياسات اقتصادية كلية تحقق أساسيات مناسبة, مثل معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي, ومعدل التضخم, وعجز الموازنة العامة, وحجم الاحتياطي من العملات الأجنبية, واستقرار سعر الصرف, ونسبة المديونية الخارجية, وخدماتها, ووضع ميزان المدفوعات. ويقاس حجم الحكومة أو القطاع العام في الاقتصاد الوطني بمعيارين مترابطين, الأول هو نسبة عدد الموظفين العاملين في الحكومة أو القطاع العام إلى مجموع القوى العاملة. والثاني هو نسبة الإنفاق الاستهلاكي العام إلى الإنفاق الاستهلاكي الكلي (أو نسبة الإنفاق العام إلى الناتج المحلي الإجمالي). وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن نسبة الإنفاق الاستهلاكي العام قد انخفضت في الدول العربية في التسعينات عما كانت عليه في النصف الأول من الثمانينات, أي أن حجم القطاع العام قد انخفض في العقد الأخير. وأخيرا ففي ضوء هذا التغير في دور القطاع العام في الدول العربية والابتعاد عن التخطيط القومي المركزي الشامل, وملكية المشروعات الإنتاجية وإدارتها بوساطة مديرين عامين تعينهم الحكومة, ووضع الموازين السلعية, والتحكم بالاستيراد والتصدير بما يتفق معها.. وغيرها من الأساليب التي سادت في ظل دور القطاع العام في الستينات والسبعينات, يثار سؤالان رئيسان: الأول: هل تخلى القطاع العام فعلا عن دور التدخل المباشر, أم أننا لانزال في مرحلة انتقالية يتأرجح فيها القطاع العام بين التدخل وبين الحرية الاقتصادية؟ الثاني: هل القطاع الخاص في الدول العربية على استعداد لتحمل المسئوليات الملقاة على عاتقه في ظل دور رقابي متزايد للدولة ومسئولية أكبر من السابق في الاستثمار والإنتاج والتصدير والتشغيل؟ ولاشك في أن الإجابة عن هذين السؤالين تختلف من بلد عربي لآخر, وكلما كانت الأدوار محددة بوضوح وبدون تقلبات, كان مسار التنمية في الدولة المعنية أكثر استقرارا واندفاعا.