يتوفر لدينا الآن نتائج تجربة هائلة في الطبيعة البشرية تعلمنا درساً هاماً عن التقدم الاجتماعي. ويبرز هذا الدرس من برنامج الاصلاح الرفاهي لعام 1996 والنهاية الرسمية للتعليم بلغتين, في كاليفورنيا ومن سبع سنوات من الاصلاح المدرسي في تيكساس. والدرس هو انك اذا كنت تريد من الناس ان يبذلوا المزيد من العطاء ـ اذا جعلتهم يتحملون مسئولية اكبر عن سلوكهم ـ فإنك ستحصل على المزيد منهم. وستتحسن حياتهم. ان ما يفعله الناس لانفسهم يدوم اكثر مما يفعله الآخرون لهم. وهذا امر بديهي, ولكنه يأتي مناقضاً للتفكير الليبرالي السائد الذي يشكل اساساً للكثير من البرامج الاجتماعية. والافتراض السائد هو ان الفقراء ما هم الا ضحايا يحتاجون للمساعدة. والمشكلة الكامنة في هذه الشفقة هي انها في الغالب تؤدي إلى الترويج للتفوق الاخلاقي للشفوقين اكثر مما تؤدي إلى مساعدة متلقي مساعدة الرفاه. ومع الاخذ بالاعتبار هذا التفكير فإنه لم يكن مفاجئاً ان تمرير قانون (الاصلاح الرفاهي) عبر الكونجرس قبل اربعة اعوام قد اثار تنبؤات مدوية بوقوع كارثة. فعائلات باكملها ستجد نفسها في الشارع. والجوع سيزداد ومعدلات الاساءة في معاملة الاطفال سترتفع. )شجع القانون الجديد الولايات على حمل متلقي المساعدة على القبول بالوظائف ووضع حدود ـ عادة خمس سنوات ـ على الفترة التي يسمح بها للعائلات بأن تظل معتمدة على مساعدة الرفاه(. غير ان الكارثة لم تحدث وانخفضت قوائم متلقي مساعدة الرفاه باكثر من النصف عن ذروتها التاريخية البالغة اكثر من خمسة ملايين عائلة في بداية عام 1994. بالطبع هناك مؤهلات. والاقتصاد المزدهر يفسر جانباً من الانخفاض. ولا يزال العديد من المتلقين السابقين لمساعدة الرفاه يعتمدون على المخصصات الحكومية )كوبونات الاغذية والمساعدة الطبية( في تدبير امور معيشتهم. كما ان الكثيرين ممن تركوا مساعدة الرفاه لا يزالون فقراء على نحو يائس. ولكن عند المقارنة فإن مستويات المعيشة قد تحسنت. ويشير دوجلاس بيشاروف وبيتر جيرماينس من اكاديمية الاصلاح الرفاهي في جامعة ميريلاند إلى ان ما يتراوح ربما بين 50 إلى 60% من المتلقين السابقين لمساعدة الرفاه لديهم وظائفهم. اما الاشخاص الذين ليس لديهم وظائف خاصة بهم, فيعتمدون في الغالب على العائلة والاصدقاء من اجل الدعم والمأوى. والاشخاص الذين لديهم وظائف غالباً ما يفاجئون انفسهم باكتسابهم المهارات والثقة بالنفس. وفي بعض الدراسات الحكومية, قال 60 إلى 80% من المتلقين السابقين لمساعدة الرفاه ان الحياة قد تحسنت معهم او انها ليست بأسوأ مما كانت عليه في ظل برنامج الرفاه. والآن, دعونا نتطرق لاقتراح كاليفورنيا رقم 227. فهذا الاقتراح الذي اقر كقانون في يونيو عام 1998 بغالبية 61% مقابل 39% من الاصوات فرض حظراً على التعليم بلغتين في المدارس. وكانت التنبؤات باخفاق القانون واسعة الانتشار. فالرئيس كلينتون قال ان القانون سيحكم على الاطفال المهاجرين بـ (العذاب الفكري) . وقال رئيس مجلس مدرسة سان فرانسيسكو ان (هذا القانون سيعيد طلابنا 30 عاماً إلى الوراء) . فما الذي حدث؟ الذي حدث هو ان نتائج الامتحانات للتلاميذ المنحدرين من عائلات تتكلم الاسبانية لم تنخفض , بل انها ارتفعت. وفي الصف الثاني الابتدائي, قفز متوسط نتائج اختبارات القراءة لطلاب ذوي القدرات المحدودة في اللغة الانجليزية خلال العامين الماضيين من النسبة المئوية الـ 19 الى النسبة المئوية الـ 28. وفي الحساب, ارتفع متوسط نتائج نفس الطلاب من النسبة المئوية الـ 27 الى النسبة المئوية الـ ,41 وفقا لصحيفة نيويورك تايمز. وأبلغ كين نونان مراقب المدارس في اوشنسايد وهي مدينة تقع الى الشمال من سان دييجو, صحيفة تايمز قائلا: (اعتقدت ان القانون سيلحق الضرر بالأطفال, لكن ما حصل هو العكس تماما, وهو أمر لم يكن متوقعا أبدامن جانبي) . وأخيرا هناك تجربة تكساس, فالاصلاح المدرسي كان قد بدأ في عام 1993 في عهد الحكم الديمقراطي آن ريتشاردز واستمر بعد انتخاب جورج بوش حاكما لتكساس في عام 1994. وهذا الاصلاح يقتضي نجاح الطلاب في امتحان ـ يدعى تقويم تكساس للمهارات الاكاديمية ـ قبل التخرج. ومنذ عام 1994 وحتى عام ,1998 ارتفعت نسبة الطلاب الذين ينجحون في الامتحان من 53% الى 78%. وفي أوساط السود, زادت نسبة النجاح من 31% الى 63%, وفي أوساط المهاجرين الى امريكا اللاتينية من 39% الى 70%. لقد حاول بعض الباحثين التشكيك في المكاسب التي تحققت ـ ربما لأنهم لا يكنّون الخير لبوش, لكن الهجمات لا تثبت على محك النقد أو التحليل. ويثبت جاي جرين من معهد منهاتن في صحيفة سيتي جورنال ان الانتقاديين الرئيسيين لا أساس لهما من الصحة, فالانتقاد الأول يقول ان الغش والتسهيل المتتالي للاختبارات مسئولان عن المكاسب )اظهرت اختبارات قياسية اخرى زيادات مماثلة وان كانت أقل نسبة( والانتقاد الثاني يرى ان المعدلات الأعلى للتسرب من المدارس أدت الى رفع النتائج لأن أسوأ الطلاب تركوا المدرسة )وفقا لتقديرات جرين, فإن معدلات التسرب من المدارس قد انخفضت, مع انها لاتزال عالية(. وهذا الأمر يعيدنا مجددا الى الدرس الذي تحدثنا عنه في بداية الموضوع, فمجتمعنا يصارع من اجل رفع مستوى معيشة المضطهدين, والمشكلة تكمن في التمييز بين اولئك الذين يحتاجون للمساعدة بالفعل وأولئك الذين يستطيعون الاعتماد على أنفسهم. وهذه نادرا ما تكون دعوة سهلة, ولكنها في الغالب تصبح أكثر صعوبة بفعل احتياجات الاشخاص الذين يدّعون بأنهم يتحدثون باسم المحرومين. والحافز لا يتمثل في التقدم بالكثير من المطالب, فذلك من شأنه ان يبدو عديم الحساسية. والأسوأ من ذلك هو اذا توقفت الضحايا عن كونها ضحايا, فماذا يتبقى للعمل؟ والنتيجة هي تدمير المسئولية الشخصية, ونحن نشجع هذا الأمر عندما ننسب خلفية اخلاقية عالية لأولئك الذين يصيحون بأعلى الاصوات لصالح المحرومين. كما اننا نعطي ميزة اخلاقية أعلى للبلاغة الخطابية من النتائج. وعلى أية حال, فإن البلاغة الخطابية من خلال تأكيدها على كم الاشخاص الذين يحتاجون للمساعدة وتعليلها من قدرتهم على الاعتماد على الذات, تعمل في الغالب على ادامة المشكلات التي يفترض انها تتعرض للانتقاد. بقلم: روبرت صامويلسون