ان الحديث عن مشاركة اوسع للمواطنين في عملية دعم وادامة عملية التنمية وعن مشاركة اكبر للقطاع الخاص في انشاء وتمويل مشاريع البنية الاساسية لابد ان ينصرف الى ايجاد صيغة توفيقية, ما بين ماضي أساسيات تلك المشاركة وحاضر ومستقبل هذه الأساسيات. فمن المتعارف عليه ان خدمات جميع المرافق الحيوية بدول المنطقة كان يتم تقديمها باسعار رمزية للمواطنين حيث تتحمل الاجهزة الحكومية نفسها اعباء النفقات الحقيقيه لهذه المرافق. وطالما ان هذا الاسلوب لن يكون مجديا عندما يتم البحث في تحويل ملكية هذه المرافق الى القطاع الخاص, فقد يرد الى الذهن ان الصيغة البديله هو اللجوء الى زيادة اسعار رسوم خدمات هذه المرافق. الا اننا نعتقد انه بدلا من الحديث بصورة مباشرة عن هذه الزيادات, فان الحديث يجب ان يتركز على صيغة بديلة اخرى وهي ما يمكن تسميتها بالمشاركة الاجتماعية التى تركز بدورها على عطاء العنصر البشري بدول المجلس. ومفهوم المشاركة الاجتماعية ينطوي على العديد من الجوانب الثقافية والقيم الحضارية الى جانب ما ينطوي عليه من جوانب مادية ومالية تشكل بمجموعها مفهوماً جديداً للتنمية خلاف لما قد يتم الترويج له في العديد من ادبيات المؤسسات الدولية في الوقت الحاضر. فعلى سبيل المثال يعدد تقرير التنمية البشرية الصادر عن الامم المتحدة نماذج مختلفة من التنمية, حيث لم يعد مفهوم هذه التنمية مقتصرا على تحديد معدلات النمو الاقتصادي, بل لابد من النظر الى محتوى ونتائج هذا النمو. ووفقا لذلك فهناك النمو عديم فرص العمل الذى ينمو الاقتصاد فيه بوجه عام دون ان يحقق زيادة في فرص العمل المتوفرة. كما ان هناك النمو عديم الشفقة الذى يزداد فيه الغني غنى والفقير فقرا, وهناك النمو الاخرس الذى ينمو فيه الاقتصاد الا ان عمليات الديمقراطية وتمكين غالبية السلطات لا تستطيع مواكبة هذا النمو وهناك ايضا النمو عديم الجذور الذى تدفن فيه الحكومات المركزية الهوية الثقافية للاقليات وهناك اخيرا النمو العديم المستقبل الذى يبذر فيه الجيل الحاضر الموارد التى ستحتاج اليها الاجيال المقبلة. ويقول رئيس محررو التقرير ريتشارد جوللي ان كثيراً من الناس يشعرون بالقلق خشية ان تكون التنمية تقلص حظوظ المستقبل بدلا من ان تزيدها وليس هناك ابعد عن الحقيقة من هذا الكلام فالتنمية البشرية والنمو الاقتصادي صنوان لايمكن الفصل بينهما. فلا يمكن للنمو الاقتصادي ان يكون مستديما من دون تنمية بشرية وان وضع استراتيجية للنمو الاقتصادي محورها الانسان وامكاناته الإنتاجية هو السبيل الوحيد لفتح الابواب لفرص جديدة. وصحيح ان التقرير دعا الى وضع ميثاق للتكامل الاجتماعي والاقتصادي بين الشمال والجنوب للعمل معا من اجل تحقيق اهداف التنمية الاجتماعية والاقتصادية. وعلى الرغم من صحة هذه المنطلقات والاهداف الا أن الطريق الى تحقيقها ملئ بالاشواك والمصاعب التى نجد ان الدول الصناعية, واحيانا بعض منظمات الامم المتحدة مثل صندوق النقد الدولي قد اسهم في زرعها. وقد لا يكون المجال ملائماً هنا للدخول في تفاصيل هذا الموضوع الا انه اصبح واضحا ان المصالح الاقتصادية باتت محركا رئيسيا للصراعات السياسية وحتى الاقتصادية وكثيرا ما حاولت الدول الصناعية التصرف على اساس ان الايفاء بمصالح الدول النامية يعني التنازل عن جزء من رفاهيتها الاقتصادية والاجتماعية مما يدخل الاثنين فى مواجهات مستمرة تأخذ مختلف الاشكال المشروعة وغير المشروعة. وهكذا فان الطريق الى تحقيق اهداف ومنطلقات التنمية الاقتصادية والبشرية كما رسمها التقرير الدولي سوف يعتمد على اكثر بكثير من مجرد تصفية النوايا وتنقيتها. ان القادم من الايام يحمل تحديات اكبر ومن شأنها ان تسلط الضوء بصورة اشد على نقاط الضعف, خاصة فيما يتعلق بالضغوط المتزايدة على انماط ومستويات الرفاهية التى اوجدتها سنوات السبعينيات والثمانينيات. لذلك فان إعادة صياغة برامج التنمية الاقتصادية بما يؤمن تنمية بشرية وطنية حقيقية ومشاركة اجتماعية اوسع يمثل في الوقت نفسه مدخلا رئيسيا لتجاوز تلك الضغوط والحفاظ وتطوير ما تحقق من انجازات. حسين محمد