من خلال الازمة التي تتفاعل حاليا بسبب أسعار النفط, هل يمكن ان تشكل الدول الأوروبية, وبالذات دول الاتحاد الأوروبي ـ جبهة أوروبية موحدة ـ من أجل تخفيض أسعار النفط؟ لندن لاتحبذ اتخاذ هذه الخطوة, الناطق الرسمي باسم قسم التجارة والتصنيع في لندن ابدى شكوكه باحتمال تشكيل مثل هذه الجبهة. ومن المعروف ان انجلترا لم تعد مجرد بلد منتج بل هو مصدر للمنتجات النفطية منذ عام 1984. وفي العام الماضي, وان انخفض معدل هذا التصدير بنسبة 11 بالمئة عن عام ,1998 فقد بلغ 22 مليون طن. وأهم الدول التي تستورد المنتجات النفطية البريطانية هي: الولايات المتحدة, ايرلندا, فرنسا, وهولندا واسبانيا. اضافة الى الشركات العملاقة مثل: بي.بي. أموكو وشل وكذلك الشركات الصغيرة الاخرى التي تعتمد في أرباحها على سعر البرميل من النفط, اي ارتفاعه وانخفاضه, على سبيل المثال وليس الحصر, فقد بلغت ارباح شركة أويل الانجليزية من 58 الى 457 مليون جنيه استرليني. وطوني بلير, رئيس الحكومة البريطانية ميال الى ان يتبع نموذج حكومة جوسبان في فرنسا, (ان تخفيض 2 بنس أو ما يعادل 20 سنتيماً في فرنسا من اسعار النفط يعكس خسارة تقدر بـ 1 مليار جنيه استرليني), اضافة الى ذلك يصر طوني بلير على انه (لاتوجد اية ضمانة لمثل هذا التخفيض). على أية حال ان الدول الأوروبية لاتسير باتجاه واحد فيما يخص موضوع زيادة أسعار النفط, ففي المانيا, لايتم انتقاد الدول المنتجة للنفط. ولهذا السبب فان الحكومة الالمانية لن تتعامل بقوة مع ـ الأوبيب ـ, علما بان الأمريكيين الذين ينتجون النفط انفسهم لايحبذون المواجهة, ولذلك تكتفي برلين بالوعود التي قطعها وزير النفط السعودي بتخفيض اسعار النفط. أما بالنسبة الى فرنسا فالمواطنون يثورون كما هو الحال في الوقت الحاضر الذي تقوم فيه نقابات النقل والمواصلات من إضراب عام قد يشل الحياة في فرنسا لبضعة أيام وربما أسابيع اذا لم يتوصلوا الى حلول مع رئيس الحكومة ليونيل جوسبان الذي اتخذ مواقف متصلبة تجاههم, لكن الأوضاع في المانيا تختلف جذريا, فالمواطنون يفضلون الصمت. ويقدر الوزير الالماني للاقتصاد, وارنر مولير, بان هذه الأوضاع بمثابة فرصة للاقتصاد في النفط في الوقت الحاضر مؤكدا على انه اذا قل استخدام النفط فان اسعار النفط ستهبط. وأضاف بانه من المرفوض ازالة الضرائب على اسعار النفط. وأكد على ان هذا الارتفاع في اسعار النفط صعب بالنسبة للمستهلكين ولكن تحرير سوق الكهرباء وتخفيض اسعار التليفونات تمخض عن اقتصاد قدره 50 مليار مارك. وتضاءلت نسبة التضخم من 8.1 بالمئة في شهر اغسطس بعد ان وصلت الى 9.1 بالمئة في يوليو. وفي اسبانيا, لايريد وزير الاقتصاد خوسيه فولجاتو التعليق على سوق النفط إلا بعد اجتماع وزراء الاتحاد الأوروبي في فيرساي في عطلة نهاية الاسبوع, وأكد وزير الاقتصاد الاسباني بأن اسعار النفط ارتفعت بنسبة 1.14 بالمئة في شهر يوليو اي أقل نسبة مما هي عليه في مجموع دول الاتحاد الأوروبي التي وصلت الزيادات فيها الى 6.15 بالمئة, ولكنه من ناحية اخرى أكد بأن الحكومة الاسبانية ليس لديها النية في تخفيض نسبة الضرائب على النفط لان هذه الضريبة تعتبر هي الأقل من بين دول الاتحاد الأوروبي والتخفيض الوحيد الذي بإمكان الحكومة الاسبانية عمله هو تخفيض 4 بيستا اي (02.0 يورو). وأكد من ناحية اخرى ان الحكومة الاسبانية عازمة على تجميد الضرائب المفروضة على النفط والغاز المستخدم في مجال الزراعة والصيد والنقل في عام 2001. فيما اعلنت جمعيات المستهلكين في اسبانيا القيام بتظاهرات احتجاجية عامة في 15 سبتمبر الجاري وكذلك مقاطعة محطات توزيع النفط ـ ريبسول ـ التي تسيطر على القسم الأكبر من السوق في اسبانيا, وكذلك ستقوم جمعيات المزارعين بتظاهرات مماثلة اذا ما فشلت المفاوضات مع الحكومة الاسبانية في تخفيض الضرائب المفروضة على النفط. وقد ادى ذلك الى زيادة التضخم بنسبة 3% التي كانت قد وصلت الى 2% طيلة العام. وفي فرنسا, مهما سعت في تخفيض الضرائب على الدخل فإن مسألة اسعار النفط والنقل لا تزال تنذر بعواقب وخيمة وعلى الخصوص بتعنت رئيس الوزراء, ليونيل جوسبان, الذي يقف حاليا موقفا متصلبا للغاية بوجه نقابات وجمعيات المستهلكين التي تهدد بشل الاقتصاد الفرنسي, ولعل تجمعات سيارات الاجرة في باريس في الأمس أي في السابع من الشهر الجاري دليل على تفاقم الازمة. وتتخوف فرنسا من تخفيض الضرائب على اسعار النفط لأن هذه المسألة ستنتشر في عموم دول الاتحاد الأوروبي, وهذا ما تفكر به حكومات هذه الدول. ومن المعروف ان سعر البرميل الواحد كان يساوي 10 دولارات في عام 1998 لكن هذا الرقم تضاعف الى ثلاثة أضعاف منذ شهر فبراير وأصبح في حدود الـ 30 دولاراً للبرميل الواحد. ويبقى اجتماع فيرساي في الأيام المقبلة سيؤدي الى نتائج عملية. وثمة اقتراحات تطالب بتخفيض سعر البرميل الواحد الى 20 دولاراً أو 25 دولاراً. أما عودة الاسعار الى 10 دولارات للبرميل الواحد فهو عديم الفائدة حتى بالنسبة للدول المستهلكة لأن ذلك من شأنه يقلل من الاقبال على الاستثمارات. وطلبت المفوضية الاوروبية أمس من السلطات الفرنسية اعلان الاجراءات التي تنوي اتخاذها لضمان حرية مرور المنتجات والبضائع بعد ان قام سائقو الشاحنات بمنع الوصول الى المصافي ومخازن النفط. وقال الناطق باسم المفوضية جوناثان تود (طبقا للقانون الاوروبي, فان السلطات الفرنسية ملزمة) ضمان حرية مرور البضائع والمنتجات في الشاحنات القادمة من بلدان اخرى في الاتحاد الاوروبي والعابرة لفرنسا. واضاف ان على السلطات الفرنسية تحديد الاجراءات التي تنوي اتخاذها في هذا الصدد. وتطالب المفوضية باريس تحديد الطرقات التي تستطيع الشاحنات ان تستقلها لضمان عدم قطع مرور البضائع باتجاه فرنسا او منها. وقد تصاعدت حدة التوتر بسبب مشكلة الوقود الفرنسية أمس بعد ان احكم المحتجون قبضتهم على امدادات الوقود وواجه رئيس الوزراء الاشتراكي ليونيل جوسبان انذارا غاضبا من حلفائه في حزب الخضر. ويعتزم المزارعون الذين انضموا الى حركة الاحتجاج من اجل خفض اسعار الوقود الاحتجاج عند نفق القناة في كاليه وهددوا بسد مدخله في حين تدفق سائقو السيارات الاجرة على المدن الكبيرة في احتجاج جماعي. وانضم بعض العاملين في شركة الخطوط الجوية الفرنسية (ايرفرانس) للاحتجاج فأغلقوا مداخل بعض المحطات في مطار شارل ديجول في باريس. كما شارك قادة سيارات الاسعاف والحافلات السياحية واصحاب الزوارق العاملة في نهر السين ومعلمو القيادة في الاحتجاجات التي اتسع نطاقها في البلاد. وتردد ان نحو 80 في المئة من محطات البنزين في فرنسا اما خالية من الوقود او تطبق نظام ترشيد صارم للغاية. واغلقت محطات كذلك في باريس المنطقة الاقل تضررا بالاحتجاج. وفي دنكرك توعد سائقو الشاحنات بمواصلة الاحتجاج بعد سماعهم تصريحات جوسبان مساء امس الأول التي جاء فيها ان الحكومة لن تقدم اكثر من خفض بمقدار 15 في المئة كانت عرضته عليهم وقبلوه في باديء الامر ثم رفضوه. وقال جيرار كاردون عضو الاتحاد الوطني للسائقين في دنكرك لرويترز (هذا ليس من شأنه سوى زيادة حدة التوتر.. الحكومة تحثنا على تحمل المسئولية لكن هي المسئولة عن هذا الوضع) . وقالت دومينيك فواني وزيرة البيئة مساء امس الأول ان حزب الخضر الذي تنتمي له لن يمضي قدما في تقديم المزيد من التنازلات لاصحاب الشاحنات. ونفت احتمال ان تقدم استقالتها احتجاجا على ذلك قائلة (اننى اساند الحكومة التي انا عضو فيها لكنني اريد ان اذكر بانني انضممت اليها على اساس ان نعمل على تنقية الهواء والتحول من مواصلات الطرق الى مواصلات السكك الحديدية) . وبدا ان ازمة اسعار الوقود التي دخلت يومها الرابع أمس على وشك الانتهاء عندما وقع وزير المواصلات جان كلود جايسو اتفاقا مع ثلاثة من زعماء اتحادات اصحاب الشاحنات يقضي بخفض الضريبة على وقود الديزل للشاحنات الثقيلة بمقدار 35 سنتيما الى 22.2 فرنك (303.0 دولار) للتر هذا العام. ويبلغ سعر لتر الوقود شاملا الضريبة التي تشكل الجزء الاكبر منه 51.5 فرنكات. غير ان المحتجين ردوا بغضب اثناء النهار وتوعدوا بمواصلة احتجاجهم حتى يفوزوا بخفض يبلغ على الاقل 50 سنتيما. وقد تزايدت حدة التوتر بين قوات الشرطة والمزارعين الفرنسيين المشاركين فى الاحتجاجات واسعة النطاق قبالة المدخل الفرنسى للقنال الانجليزى الموصل بين أراضى فرنسا وبريطانيا. وذكرت تقارير عن الوضع أن التوتر فى أشد حالاته بين الطرفين مشيرة الى أن احتجاجات المزارعين سببها التكاليف العالية للوقود اللازم لحياتهم فى الوقت الذى مازالت فيه أزمة سائقى الشاحنات واضرابهم مستمرة بسبب زيادة أسعار الوقود على الرغم من الاتفاق الذى توصلت اليه الحكومة مع ممثلى النقابات ووعودها بتخفيض أسعار المنتجات البترولية. باريس ـ شاكر نوري الوكالات