ينظر بعض المديرين الى عمليات التفاوض من منظور انها عمليات معقدة ومتشابكة يتوجب عدم الدخول فيها تحاشياً للفشل. وينبع هذا التخوف تجاه المفاوضات من عدم دراية هؤلاء المديرين بأساليب التفاوض, وفقدان الأدوات التي تجعل من جولات المفاوضات مناسبات تتيح لهم إعمال الفكر لتحقيق ما تصبو اليه مؤسساتهم من نجاحات مالية تزيد من أرباحها وتعزز موقفها في السوق. وتشمل هذه الأدوات العديد من الأساليب التي تكفل الاعداد الجيد والتحضير الممتاز للمفاوضات ووضع الخطط الاستراتيجية التي تضمن انجاز الأهداف وحماية المصالح أي ما يعرف بالاستعدادات التي تسبق جولات المفاوضات والتي يتعين اتقان فنونها وإجادة استخداماتها وأيضاً الكيفية التي تبدأ بها المفاوضات أي كيفية افتتاح أول جلسة من المفاوضات. وقد يطرح البعض خاصة أولئك الذين لم يسبق لهم ان يكونوا جزءاً من أية مفاوضات مهمة اسئلة على النحو التالي: ـ كيف يجب ان تبدأ المفاوضات؟ ـ من الذي سيتحدث أولاً؟ وعن ماذا؟ ـ ما هي المرحلة التي تطرح فيها الأطراف مطالبها؟ وعلى الرغم من أهمية هذه الادلة إلا ان هناك أمراً واحداً مؤكداً وهو ان بداية المفاوضات هي بالفعل من العناصر الحاسمة لفشل تلك المفاوضات أو نجاحها. وتختلف طقوس افتتاح جولات المفاوضات باختلاف الأطراف الممثلة فيها وتعدد جنسياتها والمناصب التي تشغلها عامة أم خاصة وعلى سبيل المثال تختلف هذه الطقوس الافتتاحية اذا جمعت طاولة المفاوضات رؤساء دول أو وزراء. كما وتختلف عن ذلك اذا تقابلت أطراف تمثل مؤسسات تجارية خاصة. وتعد عملية توزيع الادوار من أهم العمليات التي تصاحب أية مفاوضات وكلما تعلقت المفاوضات بموضوع مهم وحساس زادت أهمية هذه العملية ووجب اتقانها أكثر وأكثر فذلك الموظف الذي يطلب الاجتماع مع رئيسه لأنه يرغب في زيادة راتبه يجب ان يبرر وجوده داخل مكتب الرئيس ويقدم الأسباب التي تدعم طلبه وتجعل مثل هذا الطلب مناسباً ومقبولاً وقد يبدأ الموظف في هذه الحالة على سبيل المثال بالاشارة الى دوره البارز في نجاح أحد المشروعات أو قد يتفادى الاشارة الى اي من الأخطاء التي ارتكبها خلال فترة عمله بالمؤسسة. وهكذا نرى ان عملية توزيع الأدوار تلعب دوراً مهماً في عمليات التفاوض ويفضل ان يبادر المفاوض بابتداء المفاوضات على الرغم من ان العادة قد جرت على قيام الطرف الذي يستضيف المفاوضات بأداء هذه العملية. ونظراً لاختلاف الموضوعات التي يجرى التفاوض حولها وعدم تطابقها يفضل ان يتكيف المفاوض على طرح الموضوعات للنقاش بحسب اجواء جولة المفاوضات المعنية فتختلف مثلاً كيفية طرح الموضوعات خلال المفاوضات التي يعتمد أحد أطرافها على تبنى أسلوب التنافس الذي يقود الى الصدام عن الكيفية التي يتم من خلالها طرح الموضوعات خلال المفاوضات التي يسودها التعاون والاحترام المتبادل والتي تتيح قدراً أكبر من الحميمية والانفتاح. ونظراً لأهمية ايجاد أجواء مواتية تحس فيها الأطراف المتفاوضة بنوع من الألفة يفضل عدم الدخول مباشرة الى الموضوع وإتاحة مجال يسمح للمفاوضين بتقديم انفسهم والتعرف على بعضهم البعض في كياسة ولطف وتتيح عمليات التعارف فرصة التأكد من وجود الأشخاص الذين توقع المفاوض التعامل معهم خاصة إذا لم يكن قد التقى بهم من قبل. والخطوة التالية هي تلخيص الموقف وذلك بتناول موضوع المفاوضات وتقديم خلفية واقية عنه وإذا كانت المؤسسة التي يمثلها المفاوض هي التي تستضيف المفاوضات فان المفاوض سيكون عندها الشخص الذي تناط به مسئولية تقديم الموضوع أما اذا كان الطرف الآخر هو الجهة المضيفة فله الحق في البدء بتقديم طرح موجز للموضوع ويجب عندئذ متابعة هذا الطرح بحرص بالغ وتصحيح الحقائق التي قد يتم تشويهها أو تقديمها بطريقة خاطئة ففي واقع الأمر يميل كل انسان الى تفسير الحقائق بطريقة تخدم مصالحه وليس في هذا الأمر غضاضة فما الفائدة من عمليات التفاوض اذا لم تكن هنالك اختلافات في الآراء. ولابد ان يتم تقديم المعلومات التي تشكل خلفية الموضوع محل التفاوض بطريقة مبسطة وبحسب الموقف ومع هذا يتعين عدم تجاهل هذه المرحلة من المفاوضات لانها تمكننا من: ـ التأكد من وجود الطرفين حول طاولة المفاوضات لنفس الأسباب والأغراض. ـ الاتفاق على الحقائق والوقائع واذا لم تتفق الأطراف فانها على الأقل ستعرف هذا منذ البداية. ـ التأكد من ان الأطراف تتحدث نفس اللغة. ـ تعرف الأطراف على بعضها البعض. ـ التأكد من ان الأطراف تتعامل مع نفس الموضوع. ويجب ان يكون الموجز بمثابة اجابة على السؤال التالي: (ما هو سبب هذا الاجتماع؟) وعندما يكمل المفاوض هذا الموجز الذي يتضمن الحقائق من وجهة نظره على الأقل ويقدم كل المعلومات التي تصل بالموضوع مثار المفاوضات يكون بهذا قد أعلن عن افتتاح أول جلسة من جلسات المفاوضات. ويفضل عادة عدم الاسهاب في التفاصيل بل تقديم مؤشرات عامة عن الشكل العام للاتفاق النهائي وتقديم بعض المقترحات الخاصة بالتوصل لهذا الاتفاق. وتعتبر جداول الأعمال من العناصر المهمة للتفاوض الفعال وتوصف بأنها (قائمة الطعام) المقترحة للمفاوضين ويعتمد الاعداد الجيد لجداول الأعمال على الاسئلة التالية: ـ ما هي الموضوعات التي سيتم التفاوض حولها؟ وما هو تسلسلها؟ ـ ما هو الموضوع الذي سيتم تناوله أولاً؟ ـ ما هي الموضوعات التي يلزم إدراجها على جدول الأعمال؟ ـ ما هي الموضوعات التي يتعين استبعادها؟ ـ ما هو أكبر الموضوعات أهمية؟ ـ كيف سيتم تناول الموضوعات المهمة للغاية أم الأقل أهمية أولاً؟ ـ كيف ستسير المفاوضات؟ موضوع تلو الاخر أم مجموعات من الموضوعات؟ ان الطرف الذي يقترح جدول الأعمال يكشف بدرجة أو باخرى عن موقفه وأولوياته وأفضلياته ويتيح قبل كل شيء الفرصة للطرف الآخر بأن يتعرف على الاستراتيجية التي يعتزم استخدامها الأمر الذي سيمكنه من إعداد خطته بما يتناسب وتلك الاستراتيجية وليس لزاماً على المفاوض أن يقبل فرض جدول أعمال معين ومحدد والانصياع لرغبات الطرف الاخر بل يحق له تماماً ألا يتردد في المطالبة بتعديل جدول الأعمال بما يتناسب مع استراتيجيته وأهدافه وان لم يفعل هذا سيكون قدم نفسه ضحية للآخر بدون أية مبررات معقولة كما يتعين النظر في الاسئلة التالية في حالة قيام الطرف الآخر باقتراح جدول الأعمال. ـ هل تم استبعاد أي موضوع من الموضوعات التي يجب مناقشتها؟ ـ هل يحتوى جدول الأعمال على أية موضوعات غير قابلة للتفاوض؟ ـ ماذا يمكن ان تكون الأولويات المحتملة للطرف الآخر؟ ونظراً لعدم وجود أسلوب واحد ومحدد لوضع جداول الأعمال يمكن ان يستخدم في جميع المواقف فقد قام الخبراء بتصميم مجموعة من الأساليب المتنوعة التي تلبى جميع الاحتياجات وهذه الأساليب هي: ـ الضغط حيث يبدأ المفاوض بطرح الموضوعات المهمة منعاً لإهدار الوقت في تناول الموضوعات الثانوية هذا الأسلوب يساعد الطرف الآخر على التعرف على أولويات المفاوض ويسمح له باعداد نفسه على هذا الأساس. ـ المماطلة والتسويق حيث يتم التعرض للموضوعات الثانوية التي يمكن ان يتم استخدامها كمحفزات لاحقاً ويساعد طرح التنازلات الممكنة على طاولة المفاوضات على ايجاد جو من الألفة والتعاون ويستدعى هذا الأسلوب الاحتفاظ بالأوراق الرابحة وطرحها في اللحظة التي لايتوقعها الطرف الآخر بهدف إرباكه وتشويش ذهنه وفرض الأمر الواقع عليه. ـ التجميع بحيث يتم حصر الموضوعات التي يتفق عليها الطرفان وحصرها في مجموعات تشكل صفقات متكاملة يمكن ان تقود للتوصل الى اتفاق. ـ التصنيف حيث يتم تصنيف الموضوعات بحسب نوعيتها فيتم مثلاً وضع المسائل المالية في جانب والموضوعات الاخرى في جانب ثان وهكذا. ـ الفرز بدراسة وفحص كل الموضوعات التي سيتم التفاوض حولها مع الطرف الآخر وتحديد الموضوعات التي يمكن التوصل لحلول سريعة لها. ـ الانتقاء حيث يتم اقتراح بحث الموضوعات بالتسلسل الذي يحدده المفاوض خلال سير عملية المفاوضات ومعظم المفاوضين يرفضون الاستجابة لهذا الأسلوب الذي يعتقدون انه يوفر ميزة اضافية تدعم موقف الطرف الذي يسيطر على جدول الأعمال لذا على المفاوض رفض مثل هذا الاسلوب اذا ما تم اقتراحه عليه. ـ التشاور حيث يتم اعداد جداول الأعمال وارسالها عن طريق جهاز الفاكس الى الطرف الآخر لدراستها ثم مراجعتها مرة اخرى بعد استلام ملاحظات وتعليقات الطرف الآخر. ـ التنازل وذلك بطرح عدد محدد من النقاط التي تؤكد رغبة المفاوض في تقديم بعض التنازلات لتأكيد مصداقيته وتعنى هذه العملية انه يتوجب على الطرف الآخر ان يقدم بعض التنازلات أيضاً إلا انه يجب عدم تقديم تنازلات كثيرة وبسهولة ولابد للطرف الآخر ان يجتهد ويلهث للحصول على الاشياء التي قد يكون المفاوض على استعداد للتنازل عنها ويمكن لهذا الأسلوب ان يكون محفوفاً بالمخاطر خاصة اذا اعتاد الطرف الاخر على تقديم التنازلات دون ان يطلب الكثير في المقابل. ـ الطُعم بحيث تتم إتاحة الفرصة عمداً للطرف الآخر لان يكسب بعض النقاط بهدف إثارة إحساس زائف بالانتصار والطمأنينة لديه عبر القاء الطعم له دون ان يدرك بأنه يتجه نحو المصيدة ثم فجأة يتم التحول لاتخاذ موقف متشدد تجاه الموضوعات التي تتسم بأهمية حقيقية وتتضح فاعلية هذا الأسلوب بشكل خاص اذا ما تقررت مناقشة الموضوعات المهمة في نهاية المفاوضات ولكن ماذا لو كان الطرف الآخر متشدداً لدرجة الصرامة في موقفه؟ يجب هنا عدم تقديم أية تنازلات في بداية المفاوضات ومحاولة إرهاق الطرف الآخر وتفكيك استراتيجية وخلخلة أهدافه قبل الانتقال لمناقشة الموضوعات المهمة لاحقاً. ـ المقبلات بحيث يبدأ المفاوض بطرح عدد من الموضوعات التي يعتقد بأن كلا الطرفين يمكن ان يتوصلا لاتفاق حولها بسهولة وهذا الأسلوب يمهد لايجاد جو من الثقة المتبادلة والتعاون البناء حيث يتعود الطرفان على ان يتفقا ولكن اذا اكتشف المفاوض ان الطرف الآخر يسد الطريق أمام جميع اقتراحاته مهما كانت درجة أهميتها فيمكن ان يستنتج عندها ان الطرف المقابل يسعى للسيطرة على مجريات المفاوضات وبأن الطريق نحو اتفاق نهائي سيكون طويلاً وشائكاً. وهكذا فان المرحلة الأولى من أية مفاوضات تعد مهمة للغاية وذلك ليس بسبب التوصل لحل لأي من الموضوعات الرئيسية ولكن لأنها تمثل البداية الفعلية للمفاوضات ككل واذا اختلف موقف المفاوضات اختلافاً جذرياً عن الموقف الذي يتخذه الطرف الآخر فقد كشفت التجارب ان هذه المرحلة الأولية فقط هي المرحلة التي يمكن خلالها إحداث تغييرات في المواقف وسيكون الوقت متأخراً للغاية اذا قام الطرفان بتأجيل اجراء هذه التغييرات حتى وقت لاحق. وعلى المفاوض التأكد من صلاحيات الطرف الآخر وينطلق هذا التصرف من السؤال التالي: (ماذا يجب على المفاوض ان يفعل اذا ما انسحب الشخص الذي خطط للتفاوض معه وارسل شخصاً آخر للتفاوض بدلاً عنه؟) . ان هذه العملية قد تربك أكثر المفاوضين مهارة وتمرساً وأول ما يلزم على المفاوض القيام به في هذه الحالة هو التأكد من ان ذلك الشخص البديل يملك كل الصلاحيات التي تؤهله لاتخاذ القرارات دون التشاور مع مؤسسة ويمكن للمفاوض الاتصال مباشرة بالمفاوض الذي اعلن انسحابه ليتأكد من هذه المسألة اذا دعت الضرورة. واذا اكتشف المفاوض ان الشخص البديل لايملك الصلاحيات الكافية فيجب عليه مناقشة الموضوعات الثانوية فقط وتأجيل الموضوعات المهمة لجولة اخرى وبهذا الأسلوب يكون المفاوض قد كسب احترام الشخص البديل الذي قد يحضر الجولة المقبلة أيضاً في الوقت الذي يخطط فيه لمفاوضات اخرى حتى لايهدر الوقت في مناقشة موضوعات لايملك الطرف الآخر صلاحية اتخاذ قرارات بشأنها.