ما اشبه الليلة بالبارحة, او ما اشبه العام الجاري بعام 1997 عندما انخفض سعر الباهت التايلاندي إلى 40 مقابل كل دولار امريكي الشهر الماضي (سعره الآن 80.40 باهت لكل دولار), اصبحت نسبة انخفاضه امام الدولار الامريكي 10% خلال العام الجاري. وشعر محافظ البنك المركزي التايلاندي ان هذا لابد ان يكون مشجعاً للمستثمرين وقال انه سوف يساعد في الاسراع بالانتعاش الاقتصادي على اساس ان الصادرات هي محرك النمو الرئيسي, والصادرات ترتفع بانخفاض سعر العملة. هل يبدو ذلك مألوفاً؟ بالطبع لقد كانت تلك هي نفس الرسالة التي اطلقها رئيس البنك المركزي السابق في يوليو عام 1997 )عام الازمة المالية الآسيوية( حيث اضطر البنك إلى خفض سعر العملة, وكانت تلك بداية الازمة المالية الاقتصادية في آسيا. في منطقة شرق آسيا العملات واسعار الاصول الاخرى ضعيفة وتزداد ضعفاً. باستثناء الين الياباني لم تستقر اي عملة شرق آسيوية امام الدولار الامريكي اللهم الا من الون الكوري الذي صعد وهبط عدة مرات. دولار سنغافورة ينخفض مقابل الدولار هذا العام بنسبة 5.3%, والبيزو الفلبيني انخفض ايضا بنسبة 12% امام الدولار على مدار العام, والروبية الاندونيسية انخفضت بنسبة 20%. اما من ناحية البورصات المالية فقد انخفضت بورصة كوريا 30%, وانخفضت بورصة تايلاند 43% ثم اندونيسيا بنسبة 45%, وكل هذه الارقام مقيمة بالدولار الامريكي. اشارات واضحة كل هذه التطورات تعد اشارات واضحة على ان هناك ازمة اسيوية اخرى قد تكون في طريقها إلى المنطقة. يعزز من هذه المخاوف عدم الاستقرار السياسي في اندونيسيا وتايلاند والفلبين وماليزيا. وقد تبدو البورصات في انخفاض الآن, لكن ليس هذا هو الوقت المناسب للسباحة في بحار تجوبها اسماك القرش القاتلة. لقد كان الانتعاش الاقتصادي الآسيوي )في شرق آسيا( خلال فترة 18 شهراً الماضية قائماً على ثلاثة عوامل هي: ـ انخفاض قياسي في اسعار الفائدة مع رفع الانفاق على حساب العجز في الميزانية. ـ سرعة نمو الصادرات. ـ انطلاق موجة عارمة من بيع الاصول للاجانب وتحويل عائدات البيع إلى استثمارات اجنبية مباشرة. وهناك اشارات ضعيفة على حدوث انتعاش اقتصادي لا يعززه الانفاق العام او الاعتماد الكبير على الطلب الخارجي. باستثناء كوريا الجنوبية الطلب المحلي في غالبية الدول في شرق آسيا ضعيف والاقراض من البنوك منخفض جداً, وليس هناك وظائف جديدة متاحة باعداد كبيرة. ولم تجر الاصلاحات الصناعية والمالية التي كانت شرق اسيا في اشد الحاجة اليها. وفي الوقت نفسه توقف آلان جرينسبان )رئيس البنك المركزي الامريكي( عن دور اغراق السيولة على العالم. وينخفض الفائض في ميزان الحساب الجاري في دول شرق آسيا مع تعثر السيولة العالمية وانخفاض الطلب الامريكي على الواردات. في ظل هذه الظروف تشكل ديون القطاع الخاص المعدومة والاكوام الهائلة من ديون القطاع العام تهديداً خطيراً على الاستقرار المالي. وتعترف البنوك المركزية ووزارات المالية في شرق آسيا الآن بانهم لا يعرفون مدى سوء الامور. وقال بنك تايلاند المركزي في يونيو الماضي انه اكتشف ان اجمالي الديون الخارجية المستحقة على البلاد بلغ 92 مليار دولار امريكي, اي اكبر بمقدار 20 مليار دولار عما اعلن من قبل. وقبل ذلك باسبوع اعترفت لجنة الاشراف المالي في كوريا الجنوبية امام البرلمان بانها انفقت 34 مليار دولار اضافية مقابل المبلغ الذي اعلن سابقاً وكان 58 مليار دولار امريكي, من اجل انقاذ البنوك في البلاد. وقالت اللجنة انها سوف تحتاج 27 مليار دولار اخرى اخرى قد تصل إلى 36 ملياراً خلال العام الجاري لإتمام هذه المهمة. التدفقات الرأسمالية تشير احدث الاحصاءات عن تدفق رأس المال ان القطاع الخاص دفع مبالغ مالية كبيرة لسداد الديون في ظل اقتصاديات شرق آسيا الضعيفة خلال الربع الاول من العام الجاري, وخلال العام الماضي. لكن المشكلة تكمن في الاقتراض الخارجي للقطاع العام والدين المحلي وكلاهما ارتفع بشكل كبير. أسوأ الحالات في هذا الصدد هي تايلاند. منذ بداية الازمة الآسيوية في يوليو عام 1997 ارتفع دين القطاع العام الخارجي والدين الداخلي من 42 مليار دولار إلى 96 مليار, بما يمثل 77% من اجمالي الناتج المحلي مقابل 20%. ارتفع دين القطاع العام الخارجي لاكثر من الضعف )بدون مبلغ 8.12 مليار دولار ديون لصندوق النقد الدولي( ليزيد على 35 مليار دولار. ولا يبدو ان هذا الدين سيسدد بكامله على المدى القصير. وسود اضطر الحكومة لاصدار سندات بقيمة 5.1 مليار دولار من اجل اعادة هيكلة القطاع المالي وتغطية العجز في ميزانية العام المقبل. وبلغ الدين الخارجي على القطاع العام في كوريا 74 مليار في نهاية عام ,1997 وبلغ 169 مليار دولار في نهاية مايو العام الجاري, مما يثير نفس القدر من القلق ايضا. وارتفع اجمالي الدين الخارجي في الفلبين بنسبة 20% منذ عام 1997 ليصل إلى 54 مليار دولار في نهاية مارس العام الجاري. وفي اندونيسيا وعدت الحكومة صندوق النقد الدولي بخفض نسبة الدين إلى اجمالي الناتج المحلي ليصل إلى 80% بحلول عام 2002 مقابل 100% حالياً. ويبلغ الدين الخارجي على القطاع الخاص 70 مليار دولار على الاقل. ويزداد الامر سوءاً. بعد ان تحقق بعض التقدم بدأت عملية اعادة هيكلة ديون الشركات تتوقف. ويتحول كثير من الديون المعاد هيكلتها إلى ديون معدومة خلال أشهر معدودة. واكتشف ان الشركات الكبيرة تحاول تغطية خسائرها وعيوب الحسابات الختامية لها لاثبات ان هناك تحسناً في نسبة الديون إلى الاصول ومضاعف السهم. شركة هيونداي في كوريا الجنوبية على سبيل المثال ذكرت بفخر في يناير الماضي انها حققت مطالب الحكومة بخفض ديونها إلى 200% من اجمالي الاصول بحلول نهاية 1999. لكن الشركة المالية التابعة للمجموعة التي حولت كميات كبيرة من الاموال إلى الشركات الاخرى التابعة للمجموعة لانجاز هذه المهمة, سجلت خسائر. وليس هذا هو النمو او الاسلوب الذي يعزز ثقة المستثمرين. وسبب البطء في حل مشكلة الديون وارتفاع قيمة الديون المعدومة مرة اخرى هو ببساطة ان حفنة قليلة من الشركات الكبيرة والملكيات العائلية من المنتفعين الذين يتحكمون في هذه الشركات لا يزالون يرفضون اعادة الهيكلة. بل استغلوا نفوذهم السياسي لتخفيف كميات كبيرة من ديونهم المستحقة للشعب. وتقوم مجموعة سالم في اندونيسيا بشراء ديونها مرة اخرى مقابل 20 سنتاً للدولار, ولا يستطيع الناس الحصول على بقية قيمة الدين. ويرفض المدينون اصحاب (الاتصالات العليا) الدفع للدائنين وتؤثر سندات اعادة الهيكلة الحكومية سلبياً على البنوك. وليس هناك قروض جديدة لرجال الاعمال الجدد ليساعدوا في استمرار دوران العجلة الاقتصادية باستثناء مبادرة مشروعات مشتركة بسيطة مع جهات اجنبية, وهي في تراجع الآن. مع ارتفاع اسعار الفائدة العالمية بدأت الفوائض الحالية في الحسابات الجارية تختفي, مما يزيد من الديون الخارجية للقطاعين العام والخاص, وسوف تمثل هذه الديون مشكلة كبيرة في نهاية العام الجاري او قبل ذلك. ويعتبر الانتعاش الاقتصادي الاسيوي )الشرق اسيوي( في خطر الانتكاس الرهيب مرة اخرى. ويتوقع القليل جداً من المحللين الآن ان يحدث انخفاض اقتصادي كبير بنفس القدر الذي حدث بين عام 1997 و1998. وهناك من يتحدث بدلاً من ذلك عن تحول اقتصاد جنوب شرق آسيا إلى نمط اقتصاد امريكا اللاتينية, بما يعني ان جنوب شرق آسيا يواجه الآن خطر انكماش معدل النمو الاقتصادي, او الركود, لكن هذه هي الآراء المتفائلة, اي هناك توقعات اكثر تشاؤماً. اعداد: أشرف رفيق