أكدت منظمة الأقطار العربية المصدرة للنفط (أوابك) أن النفط والغاز سيستمران فى تقديم اسهامات كبيرة لاقتصاد العالم خلال القرن الحالى نظرا لاستمرار بقائهما كمصدرين أساسيين من مصادر الطاقة. وتوقعت الأوابك فى دراسة اقتصادية حديثة خرجت عنها بعنوان (دور النفط والغاز فى القرن الجديد من الألفية الثالثة) أن يستمر وضع النفط والغاز مادامت الحكومات تتمتع برؤية ثاقبة لتوفير بيئة تجارية صحيحة ومتزنة لصناعة هاتين السلعتين الاستراتيجيتين موضحة ان استخدام التقنيات الحديثة فى عمليات الاستكشاف والإنتاج مازالت محدودة النطاق حتى الآن. مكامن جديدة ويوضح أنور يوسف العبدالله مدير ادارة البترول والغاز بالأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية انه سيتم التوصل الى مكامن جديدة للنفط والغاز, كما سيتم تحسين انتاجية الحقول الحالية متى ما انتشر استخدام هذه التقنيات والمعارف الفنية على نطاق واسع بين دول العالم, لاسيما فى كثير من الدول الغنية بهذه الموارد كدول مجلس التعاون الخليجى. وتوقع أنور أن يزيد الطلب على النفط بحوالى 2% من كل عام على مدى الفترة من 20 إلى 25 عاما المقبلة, مشيرا الى أن مستوى الطلب على النفط حاليا يقدر بنحو 75 مليون برميل يوميا سيرتفع إلى 12 مليون برميل يوميا عام 2025 وبحلول عام 2050 سيصل الطلب المتوقع على النفط حوالى 200 مليون برميل يوميا على الرغم من أن مثل هذه التوقعات تنطوى على عوامل ومؤثرات يصعب تحديد حجمها من الآن. وتذكر الدراسة التى اجرتها أوابك أن الطلب على النفط ربما يقل إلى 100 مليون برميل يوميا عام 2025 والى 123 مليون برميل يوميا عام ,5002 إذا ما تم الاحلال السريع لمصادر الطاقة الأخرى غير النفط. وتساءلت الأوابك عما يعنى لنا تطورات الطلب العالمى على النفط والغاز, اذ ان الاحتياطى العالمى المتبقى من الوقود الأحفورى عدا المكامن الموجودة فى الترسبات العميقة فى البحار والتى لم يتم التنقيب عنها بصورة كافية حتى الآن بمايعادل حوالى 35 تريليون برميل من النفط أى ما يكفى حاجة الاستهلاك العالمى لأكثر من 500 عام مقبلة طبقا لمستويات الاستهلاك الحالية. علما أن التقديرات الحالية لن تقل عن 40% من ترسبات النفط فى العالم قد تم استهلاكها بالفعل مقابل استهلاك نحو 20% من الاحتياطى العالمى من الغاز. تقدير واحتياطيات ومع التقديرات الحالية لحجم احتياطيات النفط والغاز, فإنه من المرجح أن يحافظ على لعب دور مهم ورئيسى من خليط الطاقة (ENERGY MIX) طوال جزء كبير من القرن الحالى, مشيرا الى ان ذلك يعنى حتميا ان انتاج النفط يمكن ان يصل ذروته فى الفترة مابين 25 الى 30 عاما المقبلة, بينما استهلاك الغاز قد يتضاعف مرتين خلال الخمسين عاما المقبلة. وتشير الأوابك الى ان الاحتياطيات من النفد زادت الى 648 مليار برميل نهاية عام 1978 ثم قفز الى 918 مليار برميل نهاية عام 1988 ثم 1053 مليارا نهاية عام 1998 أى ضعف التقديرات الصادرة عن نادى روما, بما يعني ان صناعة البترول لم تنجح فقط فى احلال الاحتياطيات المستهلكة بأخرى جديدة بل أنها نجحت أيضا في مضاعفة هذه الاحتياطيات. ويشير أنور العبد الله إلى أن استمرار التقديرات الحالية للاحتياطات المؤكدة وبمعدلات مثيرة للدهشة والاعجاب, ويقول ان اجراءات المسح الجيولوجي للولايات المتحدة الامريكية مثلا تقدر أن الاحتياطات من النفط القابل للاستخراج وبالطرق العادية كثيرة جدا وقد تصل الى حوالى 1800 مليار برميل, كما تبرز نفس النتيجة لموارد الغاز الطبيعى بالرغم من عدم الاهتمام السابق بهذا المصدر المهم حيث انه كان فى مطلع السبعينيات تقديرات الاحتياطى المؤكد للغاز الطبيعى حوالى 50 تريليون متر مكعب, ارتفع الى 70 تريليونا نهاية 1978 ثم إلى 112 تريليونا نهاية عام 1988 وقفز إلى 146 تريليونا نهاية عام ,1998 علما أن هذه الزيادات تمثل مضاعفة الاحتياطى بحوالى ثلاث مرات على الرغم من زيادة استهلاك الغاز وتنامى استخداماته في مناطق كثيرة من العالم. عوامل فنية وتجارية وتجدد الأوابك العوامل التي تساهم في استمرار عمليات الحفر والإنتاج في عوامل تجارية وفنية تضمن زيادة الطلب على النفط و الغاز في جميع مناطق العالم لأنهما مصدري طاقة يمتلكان كفاءة عالية مع إدراك صانع القرار بأنه بالإمكان زيادة حجم المساحات المستكشفة والكميات المنتجة من النفط والغاز حتى في المناطق القديمة لو تم تأمين البيئة التجارية الصحيحة ونظم الضرائب المقبولة والعادلة, وظهور طرق جديدة فعالة واقتصادية في إدراك المشاريع تشمل تقاسم المخاطر والأرباح مع تحالفات الشركات لزيادة حجم اقتصادات الاستثمار وخفض التكاليف فضلا عن الاهمية المتزايدة للتقنيات الحديثة فى التقليل من مخاطر عمليات وتكاليف التنقيب والاستكشاف والانتاج مثل التحليلات السيزمية الثلاثية الأبعاد والتقنيات التى تفسر هذه التحليلات, والحفر الأفقى, والمعدات الذكية المتطورة والحواسيب الفائقة. ويؤكد أنور أن عمليات الحفر والاستكشاف سينتج عنها المستكشف والمنتج مقابل كل دولار مستثمر فى هذا المجال اذ ان متوسط تكلفة استكشاف وانتاج برميل واحد من النفط بعد الأخذ فى الاعتبار معدلات التضخم قد انخفض الى الثلث فى الولايات المتحدة الأمريكية والى النصف فى بقية دول العالم على مدى العقد الماضى كما أن فترة استرداد رأس المال المستثمر قد انخفض بدلا من 5 إلى 7 سنوات إلى مابين عامين الى ثلاثة أ عوام أى أن هناك انخفاض فى تكاليف الاستكشاف وتكاليف الانتاج, وفترة استرداد رأس المال المدفوع, مقابل زيادة فى كميات النفط والغاز المستكشف والمنتج مقابل كل دولار مستثمر. وتحمل الدراسة العولمة التى سوف تؤثر نتائجها خلال القرن الحالى على صناعات الطاقة مثلها مثل أى مجال آخر من الأنشطة الاقتصادية الخاضعة للمنافسة العالمية فى أسواق النفط والغاز. العولمة والتمويل وتوضح الدراسة ان الاتجاه الى العولمة سيضمن تواجد التمويلات الهائلة ومصادر التقنية فى الدول المستهلكة لتطوير حقول النفط والغاز الجديدة فى معظم المناطق الواعدة فى العالم لاسيما دول مجلس التعاون. وأشارت الدراسة الى ان منطمة التجارة العالمية سوف تلعب دورا خلال القرن الحالى فى ضمان ازاحة العوائق امام نقل التقنيات بين الأمم. كما أن هذا القرن سيشهد تعزيز دعوة الدولة النفطية ومنها بعض دول مجلس التعاون لشركات النفط العالمية للاستفادة من خبراتها فى عمليات الاستكشاف وتطوير حقولها الصعبة وتوظيف تقنياتها الفائقة التعقيد لزيادة انتاجية الحقول. ويلفت مدير إدارة البترول بالأمانة العامة لمجلس التعاون إلى أن فكرة التعجيل في إنتاج النفط السهل والرخيص يسعد لها الاقتصاديون لأن أرقامهم وتحليلاتهم تؤكد لهم جدوى ذلك حيث أن ما تحققه من ربح أكثر اليوم خير من ربح غير مضمون في المستقبل وسيشتد الجدل في القرن الجاري حول مدى تأثير التعجيل في إنتاج النفط السهل على المدى البعيد على الأهمية الاستراتيجية للمنطقة التي تشتهر بوفرة الإنتاج وقلة التكاليف. ويخلص إلى أن التحدي الآخر لصناعة النفط والغاز في القرن الحالي يتمثل في السياسات التمييزية والممارسات الخاطئة التي تتخذها الدول الصناعية مع عدم توفيرها لبيئة تنافسية عادلة بين مصادر الطاقة المختلفة مشيرا إلى أن مستهلكي الطاقة في دول مجموعة OECD المتقدمة والصناعية يدفعون أسعارا عالية جدا للمنتجات البترولية أكثر من أي أنواع أخرى من الوقود المنافس إذ أن حجم الضرائب المحلية في دول الاتحاد الأوروبي تتراوح بين 62 إلى 82% من سعر الغازولين والديزل للمستهلك النهائي بينما لا تفرض ضرائب مماثلة على استهلاك الفحم والغاز. وتقول الدراسة أن هناك تشويها آخر في الدول المستهلكة على قوى العرض فدعم الفحم والطاقة النووية يظل أهم تشويه لاختيارات المستهلك في عدد من الدول رغم أنها تتفاخر كثيرا بإنجازاتها في ممارساتها الصحيحة لحماية البيئة مدللا على صحة ذلك أن دعم الفحم في نفس الدول الصناعية الكبرى يصل إلى ما يقرب من 9 مليارات دولار سنويا مقابل معونات تقدم لصناعة الطاقة النووية الذي وصفته أنه سخي جدا علما أنه لو تم التحديد الدقيق للتكاليف الحقيقية لإنتاج الطاقة النووية والتكاليف الباهظة للتخلص من نفاياتها الخطرة فإن الدول المعنية لن تتوسع في بناء محطات الطاقة النووية في القرن الحالي إذا لم تكن قد أوقفت تشييدها أصلا ومنذ البداية. حيطة وحذر وتنتقد الدراسة تنامي القلق حول تغير المناخ والادعاءات بمساهمة الوقود وحده بظاهرة الاحتباس الحراري إذ أنه تحد آخر يواجه النفط من القرن الحالي على الرغم من عدم اليقين العلمي لكل أبعاد هذه الظاهرة بسبب التعقيدات في نظام الطبيعة مشيرة إلى أن جميع الدول قبلت انتهاج سياسة أخذ الحيطة الحذر مع الاستمرار في بحث أبعاد الظاهرة علما أن التوجهات العالمية يجب أن تنصب على الحد من استخدامات الفحم كونه أكث ر مصادر الطاقة تلوثيا للبيئة. وتحض الأوابك الدول النفطية على أن تواجه مثل هذا التشويه المقصود والمخطط من بعض الدول المستهلكة للتأثير على قوى السوق وعليها أن تدعو دول العالم إلى توجيه الإجراءات نحو المصادر والمسببات الحقيقية لهذه الظاهرة ودراسة الاهتمامات البيئية بطريقة أوسع وأشمل بحيث لا تأخذ فقط مصادر الانبعاثات بعين الاعتبار وإنما أيضا مصادر امتصاص الانبعاثات, والترويج للوسائل والطرق المتعددة التي يمكن من خلالها امتصاص الانبعاثات مثل توسيع الرقعة الخضراء من خلال إعادة زراعة الغابات ومقاومة التصحر. وتنفي الدراسة استمرار الانبعاث الحراري من الوقود الأحفوري في الارتفاع طوال القرن الحادي والعشرين وذلك لعدة أسباب منها تنامي التقنيات الحديثة مع زيادة كفاءة استخدام الطاقة, والثقة بأن عمليات احتراق النفط والغاز مستشهد تطورات ملحوظة في العقود المقبلة لتحسين نوعية انبعاثاتهما. مشيرة إلى أنه من الضروري ألا تعيق الإجراءات التي تتخذ من دول العالم لمواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري تطور ونمو الاقتصاد العالمي الذي يعتمد عليه الناس لتحقيق تطلعاتهم لمستويات معيشية أفضل. خلل وتوازن وتحذر الدراسة من الإخلال في توازن الداعم والمستثمر بين الطاقة والبيئة والتنمية إذ أن الخلل أحد هذه العناصر سيلحق أضرارا جسيمة في اقتصادات وبيئة عدد من دول العالم مطالبا الجهود الدولية أن تبذل في القرن الحالي للوصول بهذا التوازن اعتماد برامج تخفيض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري التي لا تخل بنمو اقتصادات الدول النامية عموما والدول التي تعتمد اقتصاداتها على النفط خصوصا. وتطرح الأوابك عدة خيارات لمتخذي القرار في هذا الشأن تشمل فرض ضرائب على الطاقة وما يسمى بتجارة الانبعاثات وآلية التنمية النظيفة والانتقال من أحد أنواع الوقود المستخدمة إلى آخر غير ذلك من خيارات مشيرة إلى أن أقل الحلول تكلفة ليس في زيادة الضرائب على الطاقة ولكن بتشجيع مستهلكي الطاقة في الدول الصناعية على تخفيض حجم الانبعاثات من غازات التدفئة. ويؤيد مدير إدارة البترول والغاز بالأمانة العامة لمجلس التعاون شعور منتجي النفط بالقلق حيال فرض ضرائب جديدة من قبل مجموعات وتكتلات دولية عديدة ودول مستهلكة رئيسية حيث تخل هذه الضرائب بأمن الإصدارات النفطية لدول المستهلكة لافتا أن لدى الدول الأوروبية مقترحات عديدة لفرض ضرائب جديدة على الطاقة منها ضريبة الطاقة والكربون كجزء من برنامج تخفيض الانبعاثات. وعلى الرغم من وقوع هذه الضرائب ضمن الإطار السيادي لدول الاتحاد الأوروبي إلا أنها ليست مبنية على المبدأ العادل (الملوث هو الذي يدفع) موضحا أن خسائر دول الأوبك من سياسات التحيز ضد منتجات البترول تبلغ 60 مليار دولار سنويا ولذلك ينبغي على الدول المصدرة للنفط أن تواجه هذا التحدي في الفترة المقبلة من القرن الحالي واستثمار كافة الامكانيات للحوار مع الدول المستهلكة بضرورة ضمان عدالة ومساواة الضرائب الحالية على الطاقة بحيث يتحمل الفحم ومصادر الطاقة الأخرى أعباء ضريبية متساوية مع النفط الذي هو مثقل أصلا بالضرائب المختلفة على أوجه استخداماته علما أن هذا هو المسلك الوحيد لتحقيق التنمية لكافة دول العالم دون إلحاق الأضرار بأحد. وحول تأمين امدادات العالم من الطاقة في المرحلة المقبلة يقول أنور أن التحدي الفوري في السنوات القليلة المقبلة الذي يواجه صناعة النفط هو في زيادة القدرة الإنتاجية وبكميات كبيرة, وأن الأسعار المنخفضة للنفط ولفترة طويلة تهدد الاستثمار في زيادة القدرة الإنتاجية في المستقبل. وتضيف الدراسة أن منظمة الأوبك تملك القدرة على أن تلعب دورا مهما في القرن الحالي بالتنسيق بين أعضائها, وتعاون الدول المصدرة من خارج المنظمة, وبعض الدول المستهلكة المتعاونة معها لضمان استقرار الأسواق البترولية العالمية وتوازن قوى العرض والطلب وتحقيق الأسعار العادلة للجميع. علما أنه لا يخفي على أحد الدور العالمي المتنامي لدول مجلس التعاون وسياساتها البترولية المعتدلة والمتزنة في تحقيق هذه الأهداف. ويؤكد أنور أن تذبذب الأسعار ارتفاعا أو انخفاضا لا يخدم مصالح المنتجين والمستهلكين على حد سواء فالدول المنتجة تهدف إلى تحقيق إيرادات مناسبة من جراء تسعير عادل لسلعتها التصديرية لتنفيذ خططها التنموية لشعوبها والأجيال القادمة, ولتبني عليها قرارات الاستثمار لإضافة قدرات إنتاجية جديدة مشيرا إلى أن الدول المستهلكة المعتمدة على الطاقة تحتاج إلى قدر من الاستقرار لتكون واثقة من حصولها على الطاقة في حالة طلبها لإمدادات إضافية. وتلمح الأوابك إلى أن تلك المصلحة العامة يجب أن تتجسد بقوة في القرن الجديد وتكون أساسا لحوار أكثر جدية وفاعلية بين المستهلكين والمنتجين وستتحقق أهداف هذا التعاون بتخفيض مخاطر السوق لكلا الجانبين, وأمان استمرارية نمو الاقتصاد العالمي وتزويده باحتياجاته من إرادات كافية من الطاقة على المدى الطويل موضحا أن الاستمرار في العمل الدولي على خلق سوق نفطية مستقرة ومناخ استثماري صحي للطاقة سيبقى موضوعا أساسيا مهما في القرن الحالي ومحور نقاش وحوار وتفاهم بين الأمم. القاهرة ـ حسين عبدالهادى