في ظل ديناميكية الاسواق العالمية يبدو ان الاتجاه الصعودي سوف يظل مستمرا على المدى القصير برغم ان الانتعاش ليس قويا في كل من آسيا وامريكا اللاتينية. وسوف تجعل تلك الاتجاهات الصعودية نتيجة ذلك الشركات الاستثمارية تركز على الاستثمار في الولايات المتحدة واوروبا. واحدى نتائج ذلك هو تزايد الفجوة بين الدول الغنية والدول الاقل تقدما والدول المثقلة بأعباء الديون. وفي ظل تلك الظروف تظل الشكوك قائمة بأن الاتجاه الصعودي سوف يستمر على المدى القصير بين الدول المتقدمة, دون تغيرات ايجابية في المناطق الأقل تقدما. المشكلات الكبيرة في افريقيا والصعوبات السياسية في الشرق الأوسط ووسط آسيا وشبه القارة الآسيوية تمثل متاهة كبيرة بالنسبة لصناع السياسة في الولايات المتحدة. وسوف يكون للعوامل الجيوبولوتيكية اثر كبير في السوق العالمي, وقد تسبب الاحداث غير المتوقعة في اهتزاز مفاجىء للاقتصاد العالمي. أحد الاسباب التي أدت لحدوث تغيرات في الاقتصاد العالمي هو طرح العملة الاوروبية الموحدة واستخدامها كبديل للاحتياطي النقدي خلال العامين المقبلين يعتقد كثير من خبراء الاقتصاد والمال انه سوف تحدث اهتزازات كبيرة نتيجة لطرح اليورو وسوف يؤدي البطء المتوقع في نمو الاقتصاد الامريكي الى تصحيح في الاسواق العالمية. وقد يكون للانخفاض الاقتصادي والاتجاه الهبوطي آثار مدمرة على القطاعات الضعيفة في الاقتصاد العالمي. وهناك كثير من الاسئلة تتردد وكثير من الجدل حول اتجاه العولمة بين الدول الصناعية الكبرى جميعا. وأهم قضايا هذا الجدل هي ان نموذج اقتصادي سوف يخدم الاقتصاد العالمي والسوق العالمي فضلا عن مصلحة ومستوى معيشة كل دولة على حدة. وهناك من يدافع عن وجود نظام لا تتدخل في ظله الحكومات في تنظيم الاسواق وتتوفر فيه حرية كاملة لتدفق رؤوس الاموال والسلع دون أدنى تدخل من الحكومة. ومقابل هذا الرأي هناك من يدافع عن حكومات مركزية تنظم السوق بل تسيطر عليه وتتحكم فيه. أطراف هذا الجدل في الولايات المتحدة هي البنك المركزي (الاحتياطي الفيدرالي) ووزارة التجارة, وبدأت وول ستريت والمؤسسات المالية تدخل في هذا الجدل ايضا. وقال رئيس سابق لصندوق ادارة الائتمان على المدى الطويل ان هذه الشركة أساءت تقدير وحساب أثر المخاطر الناتجة عن تخصيص أموال كثيرة لأغراض المضاربة, وكانت الشركة من أكبر المدافعين عن الاسواق الحرة لكنها تعتقد الآن ان التنظيم الحكومي سوف يؤكد نفسه مرة اخرى اذا لم تقم الشركات العاملة في السوق بتنظيم الامور. الحقيقة ان الأسواق الحرة تماما أو تحكم الحكومات فيها لن يجدي فسوف يتطور نظام يجمع بين السيطرة الحكومية والحرية الكاملة للأسواق. وتحدث عن ذلك رئيس البنك المركزي الامريكي آلان جرينسبان فبدأ حديثه يتعريف العولمة. وقال ان العولمة كما تفهمها غالبية الدول تعني تزايد التفاعل بين الانظمة الاقتصادية الوطنية والتوجه نحو قوى السوق, والمؤكد ان الرأسمالية الموجهة للسوق أصبحت فلسفة أكثر شيوعا في العالم لأن الانظمة المركزية سقطت بسبب فشلها خلال فترة العقود الاربعة التالية للحرب العالمية الثانية. ولكن لايزال هناك جدل بين المثقفين حول عناصر الرأسمالية التي تعتبر من العوامل الحيوية لمجتمع مدني منتج. ويمكن ان نرى الجانب العملي للجدل في التركيز على مختلف الانظمة السياسية والقانونية في وقت سابق من فترة ما بعد الحرب حتى الغرب كان يعتقد ان فشل السوق يحدث كثيرا. وقد برر هذا الاعتقاد وبالنسبة للبعض وجود سيطرة الدول والتدخل من حين لآخر من جانبها على مستوى الاقتصادات الكلية من اجل تحسين وظائف وعمليات السوق والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والنمو. وكان الكثيرون يعتقدون على مستوى الاقتصادات الكلية ان هناك علاقة يمكن استغلالها بين البطالة والتضخم ويعتبر انخفاض التضخم عنصرا مفيدا لدفع عجلة الرخاء. ولا تزال هناك بقايا لهذه الآراء الآن, لكن الملحوظ ان الآراء الاقتصادية والفلسفات التقليدية قد تغيرت منذ السبعينيات. فحدث تحول ملحوظ في الافكار نحو ليبرالية القرن التاسع عشر ونتج عنه رفع القيود والخصخصة التي أصبحت من أهم سياسات الاصلاح الحكومي, فيما يعد تبسيطا يحمل الكثير من المخاطر. ويضيف آلان جرينسبان ان هذا التغير في اتجاه السياسات يعكس الى درجة كبيرة رد فعل للعالمية التي تدفعها التكنولوجيا, فقد خفضت التكنولوجيا الاحتكاك في السوق ووفرت دفعة قوية لعملية التوسع في الاسواق العالمية من خلال خفض التكلفة المدفوعة في الصفقات والمعلومات. وقد أدى الاعتراف بهذه التغيرات الكبيرة التي تدفع الرخاء في الاسواق العالمية والآثار العكسية للتدخل الى ان تقوم كثير من الحكومات برفع الحواجز الجمركية وفي بعض الاحيان اطلاق حرية الاسواق. هذه الاجراءات بدورها عززت من قوى العولمة وبتفاعلها مع التكنولوجيا أطلقت العنان لاجراءات تحررية في المقام الأول. هل التدخل ضروري؟ هل يريد جرينسبان ان يقول ان كل أنواع التدخل غير ضرورية؟ ان ما يقوله جرينسبان هو شرح وايضاح للسياق التاريخي للجدل الحالي. فقد عرف أرض المعركة الافتراضية التي تغيرت شروطها منذ المواجهات السابقة بين الرأسمالية والاشتراكية. لقد أبطل فشل السيطرة المركزية والتخطيط المركزي في اوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي السابق عقب الحرب العالمية الثانية كل حجج أشد خبراء التخطيط ولاء للاشتراكية, وقد انتقل الجدل الآن الى طبيعة ومدى الاجراءات التي تتخذها الحكومة لتحسين بعض الصفات غير المحبذة التي تصاحب غالبا المنافسة في أسواق غير مفتوحة, لكن المنافسة المفتوحة الى حد ما هي التي تناسب عالم اليوم, على عكس ما كان سائدا في القرن التاسع عشر. ولاتزال الحكومات تمارس تدخلها في كل مكان الى حد كبير, مدفوعة بقيم مجتمعاتنا التي تطورت من نتاج الكساد العظيم. غير انه أصبح مفهوما بصفة عامة ان تدخلات الحكومة تعوق الحوافز التي تدفع الاستثمار بسبب تزايد درجة غموض المستقبل والتوقعات ودفع مستوى المخاطرة ورفع التكاليف. حتى بين الدول التي تتبنى أشكالا اخرى من الرأسمالية هناك وعي متزايد بأن كثيرا من المحاولات لترويض هذه الانظمة تكلف الكثير من حيث النمو الاقتصادي ومستوى المعيشة في الأمة. ويمكن ان نرى امثلة لهذه التكاليف في المستويات المنخفضة من الاستثمار في التكنولوجيا القائمة في دول وسط اوروبا مقارنة باليابان والولايات المتحدة. ثم تحدث جرينسبان بعد ذلك عن موقف الحكوة الأمريكية تجاه قوة العمل واختلافه عن الموقف الأوروبي واثر الموقف الامريكي على نظرة المستثمرين لخفض تكلفة العمالة. على مدى التاريخ تميل أوروبا الى حماية قوة العمل من رأسمالية الأسواق المفتوحة بدرجة اكبر من الولايات المتحدة. لكن الولايات المتحدة تتمتع بمرونة اكبر في تكلفة العمالة مما اثر على صناعة التكنولوجيا الفائقة ايجابيا. ويقول جرينسبان ان هذا الاختلاف بين الموقعين مهم جدا في عالم يقوم على التكنولوجيا لأن غالبية عائدات انخفاض التكلفة نتيجة لتطور التكنولوجيا الفائقة, التي تعني انخفاض تكلفة العمالة بشكل شامل. ونتيجة ذلك ان كثافة تطبيق تلك التكنولوجيا الفائقة, رغم انها متاحة للجميع, وما صاحب ذلك من ارتفاع النمو في الانتاجية اكثر وضوحا في الولايات المتحدة ودول اخرى قليلة ليس فيها ما يعوق تطبيق التكنولوجيا. لكن ما يثير السخرية في كل ذلك هو ان الأوروبيين وجدوا الاستثمار في الولايات المتحدة اكثر جاذبية وساهموا بنصيب متزايد في ارتفاع اجمالي الاستثمارت الاجنبية في الولايات المتحدة سواء بشكل مباشر أو من خلال محافظ استثمارية. وتقوم كثير من الحكومات الأوروبية وغيرها بتحويل انظمتها من سيطرة الحكومة الى الاعتماد الاكبر على الاسواق في محاولة لزيادة عائدات الاصول المحلية. وترى هذه الحكومات ان هذا التوجه ضروري لتمكين شركاتها وعمالها من تحقيق مستوى الكفاءة المطلوب لمواجة متطلبات المنافسة الدولية. أسباب هذا التغير ما الذي دفع الى هذا التغير في الموقف؟ يرد جرينسبان على ذلك بقوله ان الاستفادة العملية وليس الايديولوجية هي القوة المحركة وراء تطور الاراء وتغيرها. ان التعديلات الهيكلية في أوروبا الغربية واليابان؟ ناهيك عن اثرها على كل من الصين وروسيا في الاتجاه نحو اقتصاد السوق, كانت مدفوعة في اغلبها بالايمان بقدرة منافسة السوق على رفع مستويات المعيشة. وبالتالي فإنه رغم ان اراء مختلفة اعاقت الاتجاه العالمي الى حد ما يبدو ان المنافسة العالمية القوية هي التي تدفع العجلة الاقتصادية والقانونية في كثير من الدول والاتجاه الى تحالف اقوى حول رأسمالية السوق التنافسية. هل هذه التغيرات جيدة وسوف تقود العالم الى مزيد من النمو والتكامل الاقتصادي؟ يرد الان جرينسبان على هذا السؤال ايضا بقوله ان تلك الاتجاهات بلا ادنى شك سوف تقود العالم في النهاية الى انظمة اقتصادية متوافقة والى الانفاق على الاطار النظري الذي يحتاجه هذا التوافق ليتطور. ومن المؤكد ان القوة التي ثبتت جدواها للأسواق المفتوحة في رفع مستويات المعيشة مع مرور الوقت تشكل حافزا قويا للاتجاه نحو هذه الوجهة. لكن سرعة التحرك في هذا الاتجاه غير مؤكدة. حتى بين الدول الديمقراطية الليبرالية نرى بعض الشكوك تحوم حول المنافسة في السوق المفتوحة والقوى التدميرية التي تعوق هذا الاتجاه. الى اين تتجه العولمة؟ يقول الان جرينسبان اذا توقفت الاتجاهات الايجابية في النمو الاقتصادي فلا يجب ان نتخيل ان دعم توجيه الموارد للاقتصاد القائم على السوق سيتوقف وان قوى الحمائية وتدخل الدولة سوف تبدأ في اعادة تأكيد وجودها في كثير من الدول, بما فيها الولايات المتحدة ان العولمة الآن بقوة النمو الاقتصادي حتى ذلك الحين والواضح ان النمو الاقتصادي مدفوع بتزايد تطبيق الافكار والرؤى الجديدة. غير ان الابتكار التكنولوجي يحدث بالجملة حيث تعزز الاكتشافات الجديدة كل منها الآخر لدفع عجلة الابتكار قدما حتى تتوقف قوة دفع المبادرة في النهاية وتبدأ قوة غيرها. إن انتشار استخدام الكهرباء في مجتمعاتنا ومن قبلها انتشار السكة الحديد قد ساهم في رفع النمو الاقتصادي لفترة طويلة من الزمن. لكن الوتيرة اصبحت اكثر بطأ عندما تحقق الاستغلال الكامل او شبه الكامل للتكنولوجيا الجديدة. ثم تحدث جرينسبان عن المكاسب والارتفاع في معدلات الانتاجية وارتفاع عائدات استثمار رأس المال وقال ان توقف ارتفاع الانتاجية امر حتمي في وقت ما في المستقبل. إن اي نكسة ملحوظة في الاداء الاقتصادي حدث في السنوات الأخيرة يثير خطر احياء المشاعر المعادية للانظمة الموجهة للسوق حتى بين بعض صناع السياسة التقليدية وليس من المتوقع في الوقت الحالي ان تقع هذه النكسة, لكنهم يكررون في بعض المناقشات اراء ضد نظام التجارة العالمي الذي ظهر في واشنطن وسياتل خلال العام الماضي. واخيرا يتحدث جرينسبان عن توقعاته للعولمة فيقول ان مسألة توافق الانظمة الاقتصادية نحو اكثر الهياكل الرأسمالية توجها للسوق اذا تغيرت اتجاهات النمو الاقتصادي طويل المدى وعودته الى معدلاته التاريخية الطبيعية, مسألة مثيرة للجدل. وفي الوقت نفسه هذه الفترة التي تتميز بالتقدم التكنولوجي غير المسبوق لا تزال تتميز ايضا بعدم الاستقرار ويصاحب ذلك احتمالات تزايد المنافسة العالمية الى مستويات اعلى فضلا عن التحسن الناتج من الرخاء الاقتصادي لغالبية المواطنين في العالم. ومن المؤكد انه كلما استمرت فترة عملية العولمة الاقتصادية في التطور زادت ملاحظتنا للمكاسب التي تتحقق من ورائها. إعداد: أشرف رفيق