في وقت سابق عندما كان البنك الاحتياطي الفيدرالي (المركزي الامريكي) يخفض سعر الفائدة تنهال عليه رسائل من كثير من المتقاعدين الذين يعبرون عن قلقهم بشأن انخفاض دخولهم من عوائد مدخراتهم, اما الآن فإن اصحاب الاسهم يشيدون بقرار البنك المركزي في رفع اسعار الفائدة. السبب ان اكثر من نصف الاسر الامريكية تمتلك اسهما في البورصة سواء بصفة مباشرة او من خلال الصناديق الاستثمارية او صناديق المعاشات. وقد ارتفع عدد هؤلاء الملاك من الاسهم إلى رقم قياسي لم يسجل من قبل. واشارت دراسة اجرتها مؤسسة بين وبر وجالوب عشية قرار البنك المركزي بتثبيت اسعار الفائدة مؤخراً إلى ان المستثمرين في الاسهم كانوا اكثر تفاؤلاً من أي وقت مضى منذ فبراير العام الجاري. ولا يزال المستثمرون يتوقعون ان ترتفع عائدات اسهمهم عقب خصم الضرائب بنسبة تزيد على آلضعف لتصل إلى 6.7%. ويعني انتشار امتلاك الاسهم ان الحالة العقلية والسلوكية وحتى شخصية المستثمر الامريكي الصغير تثير الاهتمام بشكل متزايد, ليس فقط اهتمام وسطاء الاسهم الباحثين عن عملاء جدد او المحللين ومسئولي البنك المركزي الذين يدرسون الاقتصاد تفصيلياً, بل ايضا رجال السياسة الذين يتنافسون في الانتخابات المقبلة. لكن احدى المشكلات التي تواجه صناع السياسة في تحليل تزايد الامريكيين الذين يستثمرون في الاسهم هي ان الحصول على معلومات عن شخصية صغار المستثمرين امر صعب المنال. لقد ارتفع عدد المستثمرين الامريكيين في الاسهم بنسبة 86% بين عامي 1983 و1999 ليصل إلى 7.78 مليونا بسبب نمو الصناديق الاستثمارية وحسابات التقاعد المعفاة من الضرائب وارتفاع سوق الاسهم. ولا تزال الصورةالتقليدية للمستثمر الامريكي في وول ستريت قائمة وموجودة, غير ان اعداداً كبيرة من المستثمرين من نوعيات اخرى قد اضيفت اليها. لكن لا يزال من الخطأ القول ان كل الامريكيين يستثمرون في الاسهم. فقد جاء في تحليل عن البنك المركزي اجراه كل من كارول برتوت ومارتاستار مكلوار ان امتلاك الاصول خاصة الاسهم والسندات, يتركز في ايدي اصحاب الثروة, وليس من الواضح اذا كان هناك انتشار واسع لانتقال الاستثمارات إلى الاصول المالية ذات المخاطر العالمية. غير ان المرشحين للرئاسة استطاعوا بسرعة تحديد المجتمع الانتخابي من بين هؤلاء. واحد الشعارات التي يطلقها آل جور نائب الرئيس المرشح للانتخابات الرئاسية هي ان حجم البورصة تضاعف ثلاث مرات في ظل حكم الحزب الديمقراطي. ويقول جورج بوش الاصغر منافسة في الانتخابات لطبقة المستثمرين الجدد في الاسهم ان لديه خططا تسمح للامريكيين بتمويل بعض اموال الضمان الاجتماعي للاستثمار في البورصة. وتقول دراسة بين وبروجالوب ان الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية يمثلان مكانة كبيرة في عقول الناخبين ومن القضايا المهمة جداً التي تؤثر فيهم. كما ان هناك جدلاً ساخناً حول اثر الثروة حيث ينفق المستهلكون مكاسبهم المالية عندما تكون السوق منتعشة. ويعتقد بعض المحللين ان اثر الثروة على سلوك العائلات يرتبط بشكل اكبر بقيمة المنازل التي يعيشون فيها, حيث لا تزال المنازل تمثل اكبر نسبة من ممتلكات الاسر. وهناك باحثون آخرون يشكون في ان يكون لحركة البورصة اثر على ثقة المستهلكين, خاصة الذين لا يمتلكون اسهماً. وتقول كريستين كاليز خبيرة الاستراتيجية في ميريل لينش ان هناك ادلة قوية تشير إلى ان رجل الشارع العادي له علاقة بسوق الاسهم ويستخدمها كمؤشر على مستوى الرفاه العام. ويفيد تقرير يصدره البنك المركزي كل ثلاث سنوات عن تمويل المستهلكين إلى ان العائلات الامريكية التي تمتلك اسهما ارتفعت من 6.31% إلى 8.48 من اجمالي العائلات الامريكية في الفترة من 1989 حتى 1998. وتمثل الاسهم سواء المملوكة بشكل مباشر او غير مباشر, اكثر من نصف الاصول المالية للعائلات الامريكية مقابل 11% فقط من عام واحد. وحاولت جمعية الاوراق المالية ومعهد شركات الاستثمار ان يرسما صورة للمستثمر الامريكي التقليدي من عام في اطار دراسة شاملة لملكية الاسهم في الولايات المتحدة. وكانت ملامح هذه الصورة تشمل العمر المتوسط وخريج جامعي متزوج وله دخل يصل إلى 60% الف دولار سنوياً ويشترك في قراراته الاستثمارية مع زوجته, او زوجها اذا كانت سيدة. واشارت الدراسة إلى ان 45% من الذين شملتهم اشتروا او باعوا اسهما خلال العام 1998 الذي كان غير مستقر, حيث تأثرت البورصة بأزمة الديون الروسية وازمة السيولة العالمية وقرب انهيار ادارة رأس المال طويل المدى. وقد تقلل تقارير الجمعية والمعهد والبنك المركزي الامريكي من مدى تفاعل الامريكيين مع البورصة. ويذكرون اكبر ارتفاع في اسعار الاسهم الذي بدأ في اكتوبر العام الماضي وانتهى في ابريل, عندما انخفض مؤشر ناسداك بنسبة 25%. وبرغم عدم استقرار السوق خلال العام الجاري يقرر بنك تشيز اتش آندكيو الاستثماري ان عدد حسابات الوساطة على الانترنت ارتفع بنسبة 38% ليصل إلى 4.17 مليونا بين شهري ديسمبر العام الماضي ويونيو العام الجاري. لكن الذي يشوبه الغموض حتى يصدر تقرير جمعية الاوراق المالية التي تضم شركات الاوراق المالية في امريكا المالية ومعهد شركات الاستثمار في العام المقبل هو مدى تغير سلوك المستثمرين بطريقة تغير الشكل التقليدي لعميل صناديق الاستثمار وعاداته الاستثمارية او اذا كان هذا السلوك قد تغير في الاساس ام لا. مثلاً هل اصبح المستثمرون يغيرون محافظهم الاستثمارية بعد فترة اقل كما تشير الدراسات الاخيرة وقصص تبادل الاسهم اليومية؟ وقد كشفت جمعية الاوراق المالية تزايداً تدريجياً في معدلات نقل ملكية الاسهم في الصناديق الاستثمارية, لكن بريان ريد كبير الاقتصاديين في المعهد يقول ان هذا الاتجاه بدأ منذ السبعينيات ولم يكن من الواضح اذا كان هذا الارتفاع يرجع إلى عدد صغير من المستثمرين ينقلون ملكية الاسهم, ام ان كثيراً منهم يفعلون ذلك. ويقول ان الحالة المعنوية والنفسية للسوق لم تتغير عما كانت عليه من 50 عاماً وان غالبية المستثمرين الافراد لا يزالون يشترون الاسهم على المدى الطويل. وقد لا تكون محض صدفة ان شركة بيوند هولد للوساطة عبر الانترنت تسجل اسرع معدل نمو لأنها تتجه إلى المدخرين وليس المضاربين, اي الذين يحتفظون بالاسهم لفترات طويلة وليس البيع والشراء السريع للاستفادة من فروق الاسعار. ويبدو ان الآمال والتوقعات بشأن المكاسب من البورصة قد تغيرت في السنوات القليلة الماضية, وهي الفترة التي استطاع خلالها كثير من المستثمرين يحصلون على عائدات سنوية مرتفعة من الاسهم. ورغم ان دراسات وير آند جالوب تشير إلى ان توقعات المستثمرين للعائدات من الاسهم خلال العام المقبل قد تواضعت منذ ديسمبر الماضي, فإن واحدا من كل عشرة شملهم البحث لا يزال يتوقع عائدات بنسبة 25% من العائدات خلال العام المقبل بل ستكون مستحيلة. وما الذي يجعل التوقعات المرتفعة تنخفض؟ ما يؤدي الى ذلك هو ركود البورصة أو الاتجاه الهبوطي المستمر, لكن احد الخبراء في وول ستريت يقول ان المستثمرين العاديين يكونون معاندين على غير المتوقع, حتى الذين تأثروا بتغيير وضع أسهم شركات التكنولوجيا الفائقة لايزالون يأملون في مزيد من مرونة الأسعار, وبالتالي جني عائدات كبيرة. وتبدو انهم يعتقدون انه كلما كان الهبوط قويا كان الصعود قويا ايضا. ورغم ان مؤشرات البورصة الامريكية الرئيسية منخفضة منذ ابريل من العام الجاري يقول كريستوفر ولف خبير استراتيجيات البورصة في بنك جي.بي مورجان لابد ان يكون هناك عدم استقرار للتخلص من غالبية القطاعات الفرعية في السوق قبل ان يقرر المستثمرون الافراد بأن المكاسب الكبيرة خلال الـ 18 شهرا الماضية لن تتكرر ويبتعدون عن البورصة. ولابد ان يكون هذا نبأ جيد للمرشحين للانتخابات الرئاسية لأن كل منهما يعود على البورصة لأسباب مختلفة خاصة عامل التفاؤل واستمراره على الأقل حتى شهر الانتخابات. ويشير التاريخ انه من الصعب بالنسبة للسياسيين والمسئولين في البنك المركزي والوسطاء في وول ستريت ان يحتفظوا بحالة الرضا والتفاؤل عند الناس لفترة طويلة. استمرار اقبال المستثمرين الاجانب على أصول امريكية تستمر الشركات الاوروبية في الاقبال على الاصول الامريكية, فقد أعلنت الشركات الاوروبية حتى الآن خلال العام الجاري عند شراء أسهم شركات امريكية قيمتها 220 مليار دولار أمريكي, مقابل 33 مليارا أنفقتها الشركات الامريكية لشراء أسهم في شركات أوروبية. وقد ارتفعت منطقة اليورو 168 مليار دولار امريكي لشراء أسهم في شركات امريكية في الوقت الذي لم تنفق فيه الشركات الامريكية شيئا تقريبا لشراء شركات وأصول اوروبية. وتزداد صعوبة هذا النمط الاستثماري غير المتوازن بما ينعكس على انخفاض سعر اليورو مقابل الدولار. وكان المفترض انه في ظل ارتفاع قيمة الدولار ان تتجه الاستثمارات المباشرة هذا العام من الولايات المتحدة الى اوروبا وليس العكس حيث تفيد الشركات الامريكية من قوة الدولار لشراء أصول اوروبية اقل تكلفة مقيمة باليورو. لكن الواقع اختلف عكسيا مع الفرض النظري وليس من السهل الوقوف على أسباب ذلك. لكن بحثا اجرته مؤخرا مؤسسة سالمون سميث باري اشار إلى ان حملة انفاق الشركات الاوروبية للاستثمار في الاصول الامريكية مدفوعة بالحاجة الى اقتحام العالمية وتضييق الفجوة التكنولوجية وسهولة امتلاك الاصول وارتفاع العائدات المتوقعة. فقد كانت العائدات على الأسهم الامريكية باستثناء الشركات المالية 16% عام ,1995 مقابل 9% في أوروبا. لكن العائدات على آلاسهم الامريكية انخفضت إلى 15% العام الماضي, مع ارتفاع العائدات الاوروبية إلى 5.12%. ورغم انخفاض حجم الفجوة بين العالم الجديد والقديم بين الولايات المتحدة واوروبا, من الواضح ان هناك امكانات تشغيل كبيرة في الولايات المتحدة بالنسبة لمديرى صناديق الاستثمار الاوروبية, وهم يطاردون هذه الفرص للحصول عليها. ويقول باحث في سالمون سميث بارني ان قوة الحسابات المتنامية سبب آخر يدفع الشركات الاوروبية للاستثمار في اصول امريكية. مثلاً مضاعف قيمة السهم للشركات غير المالية الامريكية يبلغ 3.3 ـ 1, مقابل مضاعف قيمة سهم تبلغ 1.2 ـ 1 في بريطانيا و6.2 ـ 1 في هولندا مثلاً. لكن ارتفاع مضاعف قيمة السهم وقوة الحسابات الختامية في المانيا وفرنسا لم تكن بهذه الجاذبية, وتظل الرسالة اكبر في اوروبا مقارنة بالولايات المتحدة. ان حملة ادارات الشركات الامريكية لدعم عائدات الاسهم وزيادتها هو احد اسباب ضعف قاعدة رأس المال للشركات الامريكية. ولا يمكن التقليل من اهمية وسلطة اصحاب الاسهم في الولايات المتحدة, لذلك فإن المديرين يركزون على مراعاة العائدات على المدى القصير لاقصى درجة ممكنة. وغالباً ما تمتع سلطة اصحاب الاسهم اتفاقيات كبيرة لعدم راضاهم عنها. الوضع في اوروبا عكس ذلك, حيث تقل اهمية اصحاب الاسهم فلم يعترض اصحاب الاسهم على انطلاق شركات اوروبية للعالمية من خلالها شراء اسهم او اصول اجنبية الا نادراً. هل يمكن ان يستمر هذا الاتجاه؟ عند مرحلة معينة سوف تبدأ دورة الاستثمار الخارجي الاوروبي تنحسر, وستكون افضل الصفقات قد تمت. وسيبدأ الاقتصاد الامريكي في الهدوء ويفقد عامل عائدات التشغيل المرتفعة الجذاب, او تضطر ضغوط العملة الاوروبية المستثمرين من الشركات إلى اعادة النظر في السياسة الاستثمارية. في الوقت نفسه سوف تصبح مجالات التأمين والتكنولوجيا والغذاء هي الاكثر جاذبية, حيث يقدر ان يكون الطلب على الاصول الامريكية في هذه المجالات نحو 100 مليار دولار سنويا. لكن التدفق الاستثماري من اوروبا إلى الولايات المتحدة ليس طبيعياً, بل كبيراً, وكما تقول دراسة سالمون سميث بارني, سوف يهدأ هذا التدفق ويبطىء من وتيرته. غير ان التكالب على الاستثمار في الاصول الامريكية في ظل الانخفاض الكبير لليورو خلال العام الجاري, يشير إلى الصحوة الكبيرة التي حدثت للشركات في أوروبا.