بدأت اسعار البترول تسبب آلاما للدول المستهلكة وآخر هذه الظواهر التي تؤكد ذلك احتجاجات اتحاد الصيادين الفرنسي ضد ارتفاع اسعار الوقود من بريطانيا الى بنجلاديش ومن تايلاند الى زيمبابوي. وتشعر الحكومات في الدول المستهلكة للبترول بالقلق لأن الاطمئنان الناتج عن توقعات بعودة اسعار البترول الى مستوى 20 دولاراً للبرميل عن قريب قد ذهب ادراج الرياح وهناك كثير من المحللين يشعرون الان ان اسعار البترول في طريقها الى مزيد من الارتفاع. وتوقعت مؤسسة جولدمان ساكسي ان يصل سعر البترول الى 50 دولاراً للبرميل. حتى اذا رفعت منظمة الاوبك انتاجها من البترول, فقد لا يكون لذلك تأثير يذكر على الاسعار. والمشكلة الرئيسية ان هناك حلقة مفقودة في رحلة انتاج البترول من البئر ليصل الى يد المستهلك وسيارته ومنزله في اوروبا والولايات المتحدة. غالبية الدول الاعضاء في الاوبك, باستثناد المملكة العربية السعودية والكويت والامارات, تنتج كميات اقل قليلا من اجمالي طاقتها الانتاجية. واسطول ناقلات البترول العالمي يعمل بطاقة 97% من طاقته الاجمالية للمرة الأولى منذ عام 1973. ومعامل التكرير على الاقل في الولايات المتحدة, تعمل بطاقة انتاجية كاملة. ومستوى المخزون الاستراتيجي الامريكي عند اقل مستوى له منذ 24 عاماً وبورصات البترول في الدول المتقدمة تعاني اشد انخفاض شهدته منذ عام 1996, والذي كان بدوره اقل مستوى وصلت اليه طوال فترة الثمانينات. اسباب ارتفاع الأسعار وليس ارتفاع اسعار البترول ناتجا فقط عن القيود التي تضعها منظمة الاوبك على الانتاج, بل هناك ارتفاع ايضا في الطلب العالمي, لأن الاقتصاد العالمي يمر الآن بأفضل عام له منذ الثمانينات. وينخفض الطلب عندما تنخفض الاسعار كما تقول الدورة التقليدية للاقتصاد, ويستغرق الطلب فترة ليعود للارتفاع وقد عاد للارتفاع الآن وبلغ ذروته. وتقول سوزان جراهام من مؤسسة ميريل لينش ان الأمر اقتصادي بحت, فإن وصول برميل البترول لسعر 10 دولارات يعني ان الشعوب لا تنتج, لذلك يكون هناك طاقة انتاجية فائضة كبيرة في الاوبك. كما ان اعمال تكرير البترول ايضا لا تكون مربحة لأن هوامش الربح مضغوطة والنشاط الانشائي في اضعف حالاته واقلها في الولايات المتحدة وأوروبا. وتعاني الولايات المتحدة من عجز بنيوي في البترول من بضع سنوات. ورغم ان هناك طاقة فائضة في معامل التكرير الأوروبية, يقول المحللون ليس من الاقتصادي استغلال هذه الطاقة ولن تساعد الولايات المتحدة في شىء. وقد يستمر العجز في المخزون البترولي حتى فصل الشتاء, لانه مع ارتفاع الطلب ترتفع الاسعار بالنسبة لبعض المنتجات. حتى الآن ليس هناك فرصة كبيرة لزيادة المخزون البترولي مرة اخرى لتوفير الاحتياطي اللازم من اجل استقرار السوق ويقول ليو درولاس بمركز دراسات الطاقة العالمية ان الاسعار الفورية في الوقت الحالي اعلى من اسعار الصفقات الآجلة لذلك الاحتفاظ بالمخزون يعني فقط خسارة مزيد من المال. فإذا كان لابد من استعادة المخزون لابد ان تنخفض الاسعار الفورية إلى اقل من اسعار الصفقات الآجلة. وفي ظل الحالة العصبية للسوق, يعتقد بعض المحللين انه من المحتمل جداً ان ترتفع اسعار الصفقات الآجلة إلى 30 دولاراً للبرميل. ويعتقد درولاس ان سعر السوق الفورية سوف تنخفض اذا استمرت السعودية في رفع الانتاج, لكن الامر سوف يستغرق وقتاً. ومهما كانت السياسات, فإن المصلحة الاقتصادية للمملكة العربية السعودية واضحة, فهي اكثر من يفيد من ارتفاع اسعار البترول مع عدم وجود حوافز على استخدام وسائل او انواع طاقة بديلة وسرعة استغلال مخزونات البترول واستنفادها. وقد يصل الامر إلى حدوث كساد في الاقتصاد العالمي, كما ترى صحيفة فاينانشيال تايمز. آثار ارتفاع البترول على اوروبا اثار ارتفاع اسعار البترول اشد وطأة على اوروبا, لأن الارتفاع يأخذ وتيرة اسرع مقيماً بالعملات الاوروبية وانخفاض سعر اليورو ايضا. غير انه من المحتمل ان تتغلب الدول المتقدمة على ارتفاع اسعار البترول حتى 30 دولاراً للبرميل. وربما يكون ذلك هو سبب توقع ان الاسعار لن تنخفض في الوقت الحالي. دور المملكة العربية السعودية اشادت المملكة العربية السعودية اكبر منتج ومصدر للبترول إلى الحاجة إلى عمل جماعي من الدول المنتجة للبترول والمستهلكة له من اجل علاج مشكلة ارتفاع اسعاره. وقال احد كبار المسئولين السعوديين انه لا ينبغي القاء اللوم في ارتفاع الاسعار على الدول المنتجة فقط وقال الامير نواف بن عبدالعزيز شقيق الملك فهد, من ناحية اخرى ان ارتفاع اسعار البترول ليس في مصلحة المملكة على المدى الطويل. ونفى ان تكون الجهود المبذولة لخفض اسعار البترول تأتي نتيجة اي ضغوط خارجية لكنه قال ان محاولات خفض الانتاج لم تحل المشكلة ولم تخفف العبء على المستهلكين العاديين للبترول والوقود. واضاف الامير نايف ان هناك حاجة لوجود سياسة مشتركة بين الدول الصناعية المستهلكة للبترول والدول المصدرة له لخفض العبء على المستهلكين العاديين. واضاف ان المستهلك العادي لابد ان يفهم سبب ارتفاع اسعار البترول, والحقيقة ان ارتفاع اسعار البترول لا يؤثر عليهم. جاءت تصريحات الامير نايف قبل اجتماع المجلس السعودي الاعلى للبترول برئاسة الملك فهد بن عبدالعزيز, وقال انه اعطى تعليمات لوزير البترول السعودي للتعاون مع الدول الاعضاء في منظمة الاوبك من اجل رفع الانتاج بزيادة معقولة. وقال المحللون ان الموقف السعودي غامض وسوف يسبب احباطاً في السوق التي تبحث عن اشارة تدل على ان المملكة سوف تتخذ موقعاً محايداً وقوياً خاصة وان لديها فائضاً في القدرة الانتاجية. رفع الانتاج وارتفاع الاسعار برغم رفع انتاج البترول لا تزال اسعاره في ارتفاع ايضا على غير المتوقع. وتطلب الولايات المتحدة من الدول المنتجة ان تخفض الاسعار, والبلاد مقبلة على انتخابات رئاسية وتريد ان تحقق شيئاً سريعاً في هذا المجال. وكانت المملكة العربية السعودية قد ذكرت الشهر الماضي انها سوف تنتج نصف مليون برميل بترول اضافية يوميا وتطرحها في الاسواق, لكنها انتجت وباعت فقط نصف هذه الكمية الاضافية. وقال الامير نواف عندئذ انه لا حاجة لزيادة الانتاج أكثر من ذلك لأنه لم يؤثر في الاسعار والسوق. وقال الأمير نواف انه لابد من الحفاظ على الوحدة داخل منظمة الاوبك والهدف من ذلك هو مساعدة الاقتصاد العالمي وليس الاضرار به. موقف الولايات المتحدة تعتبر المملكة العربية السعودية نفسها الحليف العربي الرئيسي للولايات المتحدة, كما ترى رولا خلف, لكنها لا تستطيع ان تعتبر نفسها الصديق المقرب لواشنطن. وتقول رولا خلف في مقال نشرته صحيفة فاينانشيال تايمز ان هناك تقارير بين استراتيجيات البلدين في الوقت الحالي لأن كلا منهما يسعى الى تحقيق الاستقرار في منطقة الخليج, وخفض اسعار البترول وتسوية النزاع العربي الاسرائيلي, غير ان هناك خلافات تظهر في اسلوب تحقيق هذه الأهداف. وتضيف رولا ان احتمالات حدوث توترات في العلاقات قد ارتفعت بسبب ارتفاع أسعار البترول. وتشترك السعودية, أكبر منتج ومصدر للبترول في العالم مع الولايات المتحدة في قلقها بشأن استقرار أسعار البترول, وقال السعوديون انهم يريدون خفض سعر البترول الذي يزيد حاليا على 30 دولارا للبرميل حتى يصل الى 25 دولارا للبرميل. وترى الولايات المتحدة انه على السعودية والدول الاعضاء الاخرى في منظمة اوبك ان ترفع انتاجها, لكن السعودية لا ترى ذلك, وتعتقد ان الأمر اكثر تعقيدا, حيث قال الأمير نواف بن عبدالعزيز شقيق الملك فهد بن عبدالعزيز ان الضرائب على الوقود والبترول في الدول الصناعية المتقدمة لابد ان توضع في الاعتبار. وأضاف في تصريحات صحيفة فاينانشيال تايمز ان رفع الانتاج لم يؤثر في الاسعار المرتفعة, ولابد من عدم القاء اللوم على الدول المنتجة فقط, غير ان المملكة العربية السعودية لا تريد ان تختلف مع الولايات المتحدة على المستوى الرسمي, كما تقول رولا خلف نقلا عن محللين, ولا تريد في الوقت نفسه ان تردها خائبة بعد ان طلبت العون في خفض الأسعار. لكن السعودية حريصة ايضا علي الحفاظ على وحدة منظمة الأوبك التي تأثرت عندما رفعت السعودية انتاجها خلال الصيف الحالي دون تنسيق مع الاوبك. ولاشك ان هذا الاختلاف في وجهات النظر هو الذي أدى الى صدور اشارات من السعودية مؤخرا بأنها توافق على زيادة معقولة في الانتاج, لكن بالتعاون مع الأعضاء في منظمة الأوبك. اعداد اشرف رفيق