يشير بيع بنك إن. سي. بي إلى أن قطاع البنوك الياباني يمر بمرحلة إعادة هيكلة, لكن هناك شكوك في وجود رغبة قوية لاتمام هذه العملية. وتوضح الشروط الكريمة التي قدمتها حكومة طوكيو لاتمام عملية بيع بنك ينيون كريديت (إن. سي. بي) الى مدى تشكل البنوك المتعثرة مشكلة بالنسبة للموارد العامة والانتعاش الاقتصادي الياباني, ثاني اكبر اقتصاد في العالم. اذا عدنا بالذاكرة الى عام 1997 نجد ان ينيون كريديت احد اكبر البنوك في اليابان, كان نجما ساطعا في قطاع البنوك عندما اكتشفوا انه مثقل بالديون المعدومة مما ادى الى وقوع الازمة المصرفية اليابانية عامي 1997 و1998, مما اضطر الحكومة الى تأميم البنك. والآن عاد البنك الى دائرة الضوء مرة اخرى, لكن هذه المرة كدليل على جهود الحكومة لازالة العقبات وحل المشكلات في قطاع البنوك. اعلنت الحكومة اليابانية انها ستبيع بنك ينيون كريديت لمجموعة من المستثمرين على رأسهم سوفت بنك وهي مؤسسة استثمارية في نشاط الانترنت. وقبل بيع البنك سوف تضخ الحكومة اليابانية مبلغ 30 مليار دولار (3200 مليار ين ياباني) من المال العام في شرايين بنك ينيون كريديت من اجل موازنة حساباته والتخلص من الديون المعدومة التي يعاني منها. وقد يثير هذا المبلغ جدلا واسعا في طوكيو لانه غير متوقع وليس من الواضح اذا كان مبلغ 17500 مليار ين ياباني الذي انفقته الحكومة لحل مشكلات البنوك سيكون كافيا لحل كل هذه المشكلات جذريا وايجاد قطاع إئتماني جيد يساعد على زيادة معدل النمو الاقتصادي. هذا الاعلان من الحكومة اليابانية يشير للوهلة الأولى إن الاصلاح يجري حيث تمهد اليابان لبيع بنك ينيون كريديت للقطاع الخاص. ولم يكن من المعتقد من ثلاث سنوات ان الحكومة سوف تؤمم أحد كبار البنوك, فما بالك ببيعه للقطاع الخاص مثل سوفت بنك وشركاه, مجموعة طوكيو فاير آند مارين للتأمين ومجموعة اوريكس للتأجير. تقوم الحكومة حاليا بدعم الشركات الجديدة على قطاع البنوك الياباني المغلق. ورغم ان بعض المحللين يشكون في النجاح التجاري لبنك ينيون كريديت, فمن المحتمل ان يحفز الترحيب ببعض المنافسين. وقال احد كبار المسئولين في الحكومة ان المستثمرين الاجانب يشكون احيانا من عدم التغير في اليابان. لكن اذا القينا نظرة فاحصة اكثر عمقا نجد ان قصة بنك ينيون كريديت يبعث برسالة مربكة, هي في الوقت الذي تجرى فيه الاصلاحات في اليابان لا تزال هذه الاصلاحات بطيئة بشكل محبط. فقد استغرقت الحكومة ثلاث سنوات حتى تجد حلا لمشكلة بنك ينيون كريديت, والحقيقة ان فقاعة اسعار الاصول اليابانية انفجرت من عقود وخلقت مشكلة ديون معدومة للبنوك. ويقول روبرت شترنام رئيس فرع البنك السويدي في طوكيو ان السويد عانت من مشكلة مماثلة في ذاك الوقت لكنها حلتها في منتصف التسعينات قبل ان تعترف اليابان حتى بأن المشكلة قائمة لديها. ومما يدق جرس الخطر ان بيع بنك ينيون كريديت لم يحل مشكلته, او مشكلات البنوك الاخرى. لقد اعادت الحكومة هيكلة مبيعات البنك بطريقة تسمح لها بأن تؤجل بعض مشكلات الديون المعدومة التي يعاني منها. لكن هذا الاسلوب المؤقت قد يثير مشكلات سياسية في الاشهر المقبلة ويزيد من غموض المناخ الاقتصادي الياباني. تتمحور المشكلة حول كيفية تصنيف القروض المعدومة خلال التسعينات لم تعترف بنوك مثل ينيون كريديت بأن لديها مشكلة, ثم عندما وقعت مشكلة البنوك اليابانية عام 1998 اجبرت الحكومة البنوك على تصنيف القروض وفقا لما اذا كانت معدومة او قابلة للتحصيل. واشارت النتائج الى ان الديون المعدومة في قطاع البنوك بلغت 80 الف مليار ين ياباني, أو 15% من اجمالي الناتج المحلي, أي اعلى كثيرا من التقديرات السابقة. وبلغت هذه الديون بالنسبة لبنك ينيون كريديت الى 40% من اجمالي القروض المستحقة له وقدرها ثمانية آلاف مليار ين ياباني. ويبدو الآن ان حتى هذه الارقام لم تكن دقيقة. فقد اتضح ان بعض القروض التي صنفها بنك ينيون كريديت على انها قابلة للتحصيل هي قروض مرتفعة المخاطرة جدا. واعترف المسئولون مثلا بأن القروض الممنوحة لشركة سوجو لتجارة التجزئة التي انهارت مؤخراً, كانت مصنفة على انها ديون قابلة للتحصيل في دفاتر البنك. ويقدر بعض المسئولين ان نسبة 30% من اجمالي القروض المستحقة للبنك تشوبها المخاطر والشكوك. ويرجع سوء التصنيف الى اسباب منها الموجة الاخيرة من حالات الافلاس عقب اعادة الهيكلة. وهناك سبب آخر هو انه في عام 1998 سمح القانون للحكومة بعدم تصنيف الديون على انها معدومة اذا كان هناك شركة أم ضامنة لأي شركة اعلنت افلاسها وعليها قروض يقول بعض المسئولين في الحكومة انهم كانوا يتجنبون تصنيف الديون على انها معدومة اذا كانت مستحقة على شركة يعتبر نجاحها او نجاتها من المصلحة العامة. وفي ضوء تاريخ قطاع الشركات اليابانية, كانت تبدو هذه المتناقضات امراً معقولا في عام 1998, لكن الآن لا تستطيع بعض الشركات الأم ان تدعم الشركات الاصغر التابعة لها وثبت ان هذه الرؤية السياسية غير سليمة. وهناك آثار مربكة ومحيرة بعد الكشف عن سوء تصنيف الديون, على قطاع البنوك. فالبنوك الخاصة الكبرى تصر على انها حلت مشكلات الديون المعدومة من خلال الغاء نحو 50 الف مليار ين ياباني منها خلال السنوات الأخيرة. ويعتقد غالبية المحللين ان البنوك تحتاج الى بضع سنوات اخرى لاستكمال عملية الالغاء إلا اذا اضطرتهم الحكومة للقيام بذلك فوراً, لكن المحللين لا يتوقعون ان تتكرر ازمة البنوك التي وقعت عام 1998 مرة اخرى. ويقول جيمس فيوريللو المحلل في مؤسسة بيرنج انهم قلقون ان يكون هناك عدد كبير من الشركات لم تصنف البنوك الديون المستحقة عليها على انها ديون معدومة. لكن هناك مشكلة عملية اخرى تواجه الحكومة هي كيف تبيع البنوك المؤممة مثل ينيون كريديت او لونج تيرم كريديت (سينشي بنك). فقد وعدت الحكومة بالقضاء على المشكلات قبل بيع البنوك. لكن بما ان المستثمرين يشكون دائما في ان دفاتر حسابات ينيون كريديت ولونج تيرم كريديت اسوأ مما تبدو عليه, فإنه من الصعب جذب المستثمرين لشراء البنوك. في حالة لونج تيرم كريديت لم يتقدم احد لشرائه الا مجموعة ريبلوود الأمريكية. ويقول بعض المسئولين في الحكومة في الاحاديث الجانبية ان هذا يثبت انه كان من الخطأ بيع بنك ينيون كريديت ولونج تيرم كريديت من البداية, او على الاقل دون اجراء تقييم جيد للديون المعدومة. لكن السياسيين غالبا, او دائما كانوا يعارضون اغلاق هذين المصرفين, لاسيما ان هذا سوف يكون باهظ التكلفة ومؤلما بالنسبة لدافعي الضرائب. وسعت الحكومة بدلا من ذلك الى جذب مشترين عن طريق الوعد بأن تتحمل الديون المعدومة, مما خفض 20% من قيمة بيع هذه البنوك. ويعني البرنامج الذي نصحت به مؤسسة جولدان ساكسي في بيع لونج تيرم كريديت ان الحكومة تستطيع تجنب الاعتر اف بأنها قد لاتكون قدرت الديون المعدومة بالشكل السليم وفي ضوء صعوبة حسابات هذه الديون يقول تيموثي كولينز في مؤسسة ريبلوود الأمريكية ان تلك كانت افضل طريقة لاتمام الصفقة بالنسبة للمشتري والحكومة ودافعي الضرائب ايضا. لكن هذه الطريقة لها عيوبها ايضا, هي مدى التدخل السياسي في القرارات الخاصة بالقروض التجارية. فقد حدث ذلك في حالة بنك لونج تيرم كريديت, فعندما تحملت الحكومة قروض البنك المستحقة على شركة سوجو خلال الصيف الحالي, تبع ذلك عاصفة من الجدل العام. فإذا كان هناك نسبة كبيرة من القروض المستحقة لبنك ينيون كريديت, فقد يحدث نفس الشيء. ويعتقد بعض المحللين ان الحكومة قد تضغط على بنوك القطاع الخاص للتنازل عن ديون الشركات المعرضة لخطر الانهيار. فإذا فعلت الحكومة ذلك, قد يكون الامر جيدا بالنسبة لمصرفي ينيون كريديت ولونج تيرم كريديت. لكن بنوك القطاع الخاص لم تتقبل فكرة التنازل عن الديون. ويشير الجدل ايضا الى ان الضغط من اجل اجراء الاصلاح قد يضعف ويخف. فالاحتفاظ بالشركات الضعيفة قد يجنب تكرار الاحراج الناتج عن حالة شركة سوجو لكنه قد يؤجل ايضا اجراء الاصلاحات في شركات اخرى. هل لذلك اهمية؟ يقول كثير من رجال السياسة في اليابان ان الامر ليس له اهمية, يبدو الاقتصاد الآن في مرحلة انتعاش, فليس من الضروري ان يكون اصلاح القطاع المالي سريعا بهذه الدرجة ويفضل السياسيون ان يكون الاصلاح تدريجيا لتخفيف العبء على دافعي الضرائب بدلا من ان يكون مفاجئا ومكلفا لحل مشكلات قطاع البنوك الى الابد. لكن التجربة الاخيرة للاصلاح في اليابان تفيد بأن الحلول المؤقتة او قصيرة الاجل نادرا ما تفلح. فكلما اجلت اليابان الاصلاحات زادت صعوبة وآلام تحقيق الانتعاش ويقول ساكورا شيجا الخبير المالي الذي انتقل الى ادارة الجمارك مؤخراً لابد ان يلاحظوا ان الاصلاح المالي في اليابان ليس كاملا والمشكلة الحقيقية لا تزال الطاقة الزائدة في القطاع المالي. ويقول لابد من تطبيق قواعد السوق من أجل التخلص من هذه المشكلات وعلاج امراض قطاع البنوك بصفة خاصة حتى يساهم بالقدر المناسب في النمو الاقتصادي. اعداد ـ اشرف رفيق