يبدو ان اعداء الأمس قد أصبحوا أصدقاء اليوم, منذ 25 عاما انتصرت القوات الفيتنامية الشيوعية على جيش أكبر قوة في العالم, الولايات المتحدة الأمريكية, في الحرب الفيتنامية الشهيرة التي يسميها الفيتناميون الحرب الامريكية, لكن النظام الفيتنامي منذ ذلك الحين لم يستطع ان يحقق انتصارا اقتصاديا يعادل الانتصار العسكري على الولايات المتحدة, وظل الاقتصاد الفتنامي يترنح, ومع انتهاء الحرب الباردة بين الكتلة الشرقية بزعامة الاتحاد تعويضا عن الحليف الذي فقدته, عقب انهيار الاتحاد السوفييتي السابق. انفتحت البلاد قليلا أمام الاستثمار الاجنبي الذي كانت أولى موجاته استثمار ياباني في صناعة السيارات, لكن تركة النظام السابق في فيتنام لم تعط الفرصة للاستثمارات الاجنبية للنمو ولم تستطع جذب كثير من المستثمرين. لكن الولايات المتحدة تريد ان تعيد الكرة, ليس في شكل حرب عسكرية, بل الاستفادة من السوق الفيتنامية والاستثمار فيها. الاتفاقية التجارية توجه انطوني سالزمان رجل الأعمال الامريكي الى فيتنام منذ سبع سنوات, أي عام ,1993 على أمل استغلال السوق الفيتنامية وامكانات الاستثمار فيها. واستطاع ان يفتح مجالا لشركة كاتربيلر التي كانت من أكثر الشركات الامريكية حماسا وأعلاهم صوتا في المطالبة برفع الحظر الامريكي على التجارة مع فيتنام والذي ظل قائما لمدة 19 عاما. ويعتبر سالزمان أحد رجال الأعمال الامريكيين في مدينة تونج تاو الفيتنامية والذي يعتقد ان الاتفاقية التجارية بين الولايات المتحدة وفيتنام سوف تطلق العنان لانهار من الصادرات وترفع اسهمه ايضا. وبعد خمس سنوات من المحادثات بين الولايات المتحدة وفيتنام وقع البلدان اتفاقية تجارية في الشهر الماضي, سوف يوافق عليها الكونجرس الامريكي, لكن قد تكون الموافقة في وقت لاحق عقب انتهاء العام الجاري. منذ ان رفع الرئيس الامريكي الحظر التجاري عن فيتنام عام ,1994 يشبه الوجود التجاري الامريكي في فيتنام وجودها العسكري السابق. تعثر الوجود العسكري الامريكي من قبل وانتهى بهزيمة الامريكيين لأن قواتها فقدت الاتجاهات بين الغابات والاشجار الكثيفة والانهار وكمائن القوات الفيتنامية. الآن يتعثر الوجود التجاري الأمريكي بين متاهات وأروقة الروتين وافساد وهيمنة الروح والتركة الشيوعية على نظام البلاد. ويرى المتشككون ان الاتفاقية التجارية المبرمة بين البلدين رهان يكتنفه الكثير من المخاطر, فسوف تؤدي الى خفض الرسوم على السلع الفيتنامية فور التصديق عليها. في الوقت الذي تنخفض الجمارك على السلع الامريكية في فيتنام بشكل تدريجي بطيء, وقد تستغرق الرسوم على بعض السلع نحو سبع سنوات حتى تلغى في النهاية, وفق الاتفاقية. لكن مؤيد الاتفاقية يقولون انها تمثل التزاما جديدا لا يمكن الحنث فيه من جانب فيتنام لفتح أسواقها أمام الاسواق العالمية والانصياع لقواعد التجارة العالمية المقبولة دوليا. الأكثر من ذلك ان الصادرات الفيتنامية في ارتفاع وعائدات الاستثمار في نمو, ويقول مستثمرون مثل سالزمان ان الطلب سوف يرتفع ايضا على السلع الامريكية بدءا من معجون الاسنان الى الشاحنات والبلدوزرات. وقال سالزمان ان مشروعه (لبيع محركات سفن الصيد) سوف يحقق مبيعات مقدارها مليار دولار على مدى السنوات العشر المقبلة, لكنه ورجال أعمال آخرون في فيتنام يقولون انه لا يجب ان نتوقع التغيير بين عشية وضحاها. فيتنام دولة فقيرة بدون الاتفاقية التجارية أو معها تعتبر فيتنام دولة شيوعية فقيرة, وتفتقر ايضا الى بنية قانونية واجتماعية وتحتية أدت الى انخفاض تدفق الاستثمارات الاجنبية الى نحو 5.1 مليار دولار سنويا العام الماضي, مقابل 3.3 مليارات دولار عام 1997 (بداية الأزمة الآسيوية). في الوقت نفسه لم تعد فيتنام دولة معادية مزقتها الحرب لأن اكثر من نصف السكان هم من الشباب الذين لم يروا جنديا امريكيا في حياتهم, وتراجعت العيوب والسلبيات الاخرى في البلاد. احتلت فرنسا المركز الأول العام الماضي بين الدول المستثمرة في فيتنام, ولاتزال الولايات المتحدة في المركز السابع من حيث الاستثمارات والتجارة الثنائية نتيجة لعدة عوامل منها الحظر التجاري الامريكي ضد فيتنام, الذي رفع عام 1994 فقط, وكذلك العوامل النفسية المترسبة منذ الحرب الفيتنامية الامريكية. ويقول مايكل فرسبي المستشار الامريكي بالسفارة الامريكية في هانوي ان فيتنام قد تكون سوقا تمثل تحديا, لكنه يعتقد ان هناك امكانات كبيرة فيها. يذكر ان فرسبي من قدامى المحاربين الذين شاركوا في الحرب الفيتنامية. موارد طبيعية غنية فيتنام دولة غنية بالموارد الطبيعية, فهي أكبر منتج للفلفل الاسود وبن الروبستا الذي يقدم في تصنيع القهوة سريعة التحضير. وهي ثاني أكبر مصدر للأرز بعد تايلاند, ومصدر كبير وهائل للمنتجات البحرية والكاشيو والبوكسيت (خام الالمنيوم). والعمالة الفيتنامية مشهود لها بالنشاط والمهارة من الجهات الاجنبية التي تستخدمها, فضلا عن انخفاض أجورهم. كما ان هناك امكانات كبيرة في فيتنام كسوق استهلاكية, حيث يبلغ عدد سكانها 78 مليون نسمة, منهم الثلث يعيش تحت حد الفقر, وهناك 18 مليونا يسكنون المدن ويقول عنهم خبراء المصارف والاقتصاد انهم يملكون مليارات من الذهب ومدخرات اخرى مخفية, اضافة الى تحويلات من اقاربهم العاملين في الخارج تصل من مليار الى مليارين دولار سنويا. كثير من الفيتناميين يخفون أموالهم خوفا من ضريبة الدخل وعدم ثقتهم في البنوك. ورغم ان الشركات الامريكية لا تسيطر على أي نسبة من السوق الفيتنامية, فإن علاماتها التجارية معروفة, فعندما عادت شركة كوكاكولا الى فيتنام عام 1994 عقب رفع الحظر التجاري, وجدت ان كثيرا من سكان فيتنام يعرفون علامتها التجارية. لكن سالزمان رجل الأعمال الامريكي عندما بدأ الاستثمار في فيتنام اضطر لاطلاق حملة اعلانية تقول ان كات (كاتربيلر) قد عادت, رغم ان كثيرا من الفيتناميين كانوا يعرفون الاسم, وعام 1995 أطلق مسابقة بمكافأة ألف دولار لمن يأتي بأقدم ماكينة كاتربيلر في البلاد. وكان الفائز صاحب مولد كهربائي بمحرك كاتربيلر يعمل منذ عام ,1939 وحمل الفائز مكافأته بالعملة المحلية في كيسين كبيرين من البلاستيك. التسويق لايزال صعبا لكن بيع معدات جديدة لايزال يمثل مهمة صعبة في السوق الفيتنامية, فقد خسر مصنع في ستراك الذي يملكه سالزمان عقدا لتوريد بلدوزرات ومعدات ثقيلة اخرى لأحد مصانع الاسمنت الفيتنامية. وقال سالزمان ان السبب هو قانون جاكسون ـ فانيك الذي يرجع تاريخه الى الحرب الباردة, والذي يطبق ضد الدول الشيوعية ولا يسمح بحرية الهجرة. يمنع هذا القانون ايضا تمويل هذه الدول عن طريق بنك الصادرات والواردات, وبذلك فازت شركة كوماتسو اليابانية بالعقد. وخفف الرئيس كلينتون بنود قانون جاكسون ـ فانيك ضد فيتنام عام ,1998 وفازت في ستراك بتمويل مقداره 3.2 مليون دولار عن طريق مؤسسة أو.بي.اي.سي التي انشأها والد سالزمان, في أول صفقة تمويل خارجي لفيتنام منذ الحرب. وقال سالزمان ان بنك اكس.ام بدأ العمل في فيتنام في ديسمبر العام الماضي, لكنه لم يمول أية صفقة حتى الآن. الحقيقة ان الاتفاقية التجارية قد تكون نعمة بالنسبة للشركات الاجنبية من دول اخرى مثل تايوان, التي استثمرت ملايين الدولارات في فيتنام على خلفية احتمالات خفض الرسوم على الصادرات الى الولايات المتحدة. وقال مسئول تجاري من تايوان ان الشركات تعد اللحظات حتى يصدق الكونجرس الامريكي على الاتفاقية التجارية. لكن ما هو جيد ويفيد شركات المنسوجات التايوانية, يكون مفيدا ايضا لشركات كاتربيلار الامريكية. هناك مصنع تايواني لانتاج الاقمشة والبوليستر شمالي مدينة فونج تاو. وعندما افتتح المصنع عام 1997 لم يكن هناك تيار كهربائي لذلك دفع المصنع 15 مليون دولار ثمنا لمولدات كهربائية من كاتربيلار. وتعتزم الشركات التايوانية صاحبة المصنع اقامة آخر بجواره فالكهرباء متاحة الآن عن طريق الشبكة المحلية, لكن مولدات كاتربيلر تعتبر اقل تكلفة من هذه الكهرباء كما انها تعتمد عليها بشكل اكبر. فقد انقطع التيار الكهربائي عن مصنع آخر في فونج تاو ـ لانتاج الاحذية, لمدة يوم كامل وتوقف المصنع الذي تكلف 400 مليون دولار عن العمل وظل العاملون به في منازلهم طوال ذاك اليوم. وقد اشترى صاحب هذا المصنع مولدات كهربائية بقيمة 61 الف دولار امريكي من كاتربيلار حتى يضمن استمرار التيار في حالة انقطاعه من الشبكة المحلية. واستمرار انقطاع التيار الكهربائي يقلل من فرص فيتنام لتكون سوقا جذابة للاستثمارات الاجنبية. نواقص الاتفاقية الاتفاقية التجارية المبرمة بين الولايات المتحدة وفيتنام تترك مشكلات البنية التحتية بلا حلول. فيتنام لا تزال في البداية من حيث التعامل مع اسواق رأس المال. وقد فتحت بورصة مؤخرا لكن اللوائح لا تزال تعوق الشركات عن جمع الاموال من خلال هذه البورصة. وتحاول فيتنام ان تتخطى هذه المشكلات واللوائح لكن البيروقراطية والروتين يقفان حائط صد منيع امام هذه المحاولات, لأن لوائح التراخيص غير واضحة وقوانين الافلاس والاغلاق غير كافية, والمحاكم والنظام القضائى خاضعان للحزب الشيوعي. هذا يعني ان الاتفاقية التجارية الامريكية الفيتنامية وحدها لن تستطيع ان تفعل شيئا امام هذا الوضع, تماما كما فعل رفع الحظر التجاري الامريكي على التجارة مع فيتنام منذ عام 1994. فماذا حدث منذ ذلك العام في التجارة الثنائية؟ لا تزال متعثرة, وليس مع الولايات المتحدة وحدها بل مع بقية دول العالم. لذلك تحتاج فيتنام الى كسر اغلال الروتين والبيروقراطية من اجل مزيد من الانفتاح على السوق العالمية والممارسات المقبولة دوليا, اذا كانت تريد جذب مزيد من الاستثمارات الاجنبية ورفع معدل النمو الاقتصادي وبالتالي مستوى معيشة الشعب الفيتنامي, أو بإختصار اذا كانت تريد تحقيق انتصار اقتصادي على الجبهة العالمية في ظل المنافسة الحالية وقواعد السوق العالمية وزحف العولمة على كل بلدان العالم بلا استثناء تقريبا. اعداد: أشرف رفيق