أصدق وصف يمكن إطلاقه على حالة أسعار النفط في الفترة الحالية, أنها تعيش مرحلة من عدم الاستقرار, أو على حد تعبير د. نقولا سركيس مرحلة التأرجح! المؤشرات في المستقبل القريب لا تساعد على تكوين صورة عكسية أو انطباع إيجابي بخصوص هذه الأسعار, حيث من المتوقع أن تتزايد ضغوط الدول المتقدمة ـ وفي صدارتها أمريكا ـ على الدول المصدرة لزيادة الإنتاج, ولاسيما أن ورقة النفط إحدى أوراق الفوز في لعبة الانتخابات الأميركية, الوزن التي تمر بها أسعار النفط العالمية. تواصل أسعار النفط تأرجحها بين الزيادة والنقصان, مع حدوث تقلبات حادة تأتي كردود أفعال للإحصاءات المختلفة التي تنشر بشأن حجم المطلوب من الجازولين وأسعاره في الأسواق الأميركية, والتغيرات في مستوى احتياطي النفط والتقديرات الخاصة بشأن زيادة بعض دول الأوبك من إنتاجها النفطي, إلى جانب الجدل الدائر حول إمكانية رفع سقف إنتاج المنظمة. فبعد القفزة التي شهدتها أسعار سلة خام أوبك والتي بلغت 19.6 دولارات أميركية للبرميل, من أبريل حيث كان السعر 93.22 دولارا للبرميل, إلى يونيو حيث أصبح 12.29 دولارا, تراجع متوسط قيمة السلة إلى 70.25 دولارا للبرميل في الرابع والعشرين من يوليو, قبل أن يعود للزيادة مرة أخرى ليصل إلى 17.28 دولارا للبرميل في العاشر من أغسطس الماضي. وهناك عوامل عدة مختلفة تشير إلى أن حالة اللاستقرار هذه في أسعار النفط سوق تستمر خلال الأسابيع والأشهر المقبلة, على الرغم من الإمكانية الكبيرة المتمثلة في أن الفترة من الآن إلى أوائل العام 2001 ستشهد انخفاضا عاما في الأسعار. فالدول المصدرة تجد أنه أصبح من الصعب للغاية المحافظة على روح التضامن التي مكنتها من رفع سعر سلة أوبك من 96.9 دولارات للبرميل في فبراير 1999 إلى 71.26 دولارا في مارس هذا العام, وأنه يوما بعد يوم تزداد صعوبة مقاومة الضغوط القوية التي تمارس من عدة جهات من أجل حمل هذه الدول على زيادة إنتاجها, وبالتالي خفض السعر إلى الحد الأدنى من المدى التي حددته الدول المصدرة في مارس الماضي, وهو المدى الذي يتراوح السعر داخله من 22 إلى 28 دولارا للبرميل. وتأتي هذه الضغوط بصفة أساسية نتيجة للعوامل التالية: أولا: الخوف الذي يعتري السوق الأميركية, فبينما يقترب موسم ازدياد الطلب على الجازولين من نهايته, وهو الأمر الذي يعني بدء انخفاض أسعاره, فإن الخوف من نقص وعدم كفاية وقود التدفئة اللازم للاستهلاك المحلي في الشتاء المقبل, أمر يدفع السلطات الأميركية الآن إلى مواصلة الضغط على الدول المصدرة كي ترفع من إنتاجها. ثانيا: هناك التهديد المتمثل باتخاذ إجراء قانوني ضد دول الأوبك, فهذا الأمر يعتبر الآن سلاحا موجها ضد الدول الأعضاء في المنظمة, في أعقاب موافقة لجنة مكافحة الاحتكار داخل مجلس الشيوخ الأميركي في السابع والعشرين من يوليو الماضي على مشروع قانون يجيز اتخاذ إجراء قانوني ضد الدول المصدرة للنفط التي تتهم بممارسات تضر بالمنافسة في مجال أسعار النفط. وبموجب هذا القانون, الذي سيقوم الكونجرس بالتصويت عليه قرب نهاية هذا العام, يمكن ـ إلى جانب إجراءات أخرى ـ الاستيلاء على أية أصول مودعة داخل الولايات المتحدة من قبل أية دولة تجدها المحاكم الأميركية متهمة بالضلوع في اتفاقات احتكارية! ولاشك أن إمكانية تمرير مثل هذا القانون لا ينبغي بحال استبعادها, لاسيما وأن هذه المحاولة تأتي في موسم الانتخابات الأميركية التي يسعى فيها الجمهوريون والديمقراطيون إلى كسب أكبر عدد ممكن من الناخبين, الذين بدورهم يتأثرون بشدة بأسعار مشتقات النفط التي تلعب دورا أساسيا في أنماط الحياة داخل الولايات الأميركية ككل. وهناك عنصر ضغط جديد على الأوبك يتمثل في زيادة إنتاج المنظمة خارج نطاق الحصص الحالية للدول الأعضاء, حيث قدرت هذه الزيادة بنحو 411 ألف برميل يوميا في يوليو الماضي. وفي مقابلة له مع إحدى الصحف الفنزويلية في الواحد والثلاثين من يوليو الماضي, كان وزير الطاقة الفنزويلي علي رودريجويز, وهو الذي يشغل حاليا منصب رئيس منظمة الأوبك, على حق في تحذيره من التأثير السلبي على الأسعار الذي يمكن أن يحدثه إقدام دول المنظمة على تجاوز حصص إنتاجها. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن يتعلق بما إذا كانت الأوبك ستتمكن من التغلب على هذه الضغوطات أثناء اجتماعها المقبل الذي سيعقد في كراكاس هذا الشهر, وتنجح في استعادة حالة الاستقرار التي غابت عن الأسواق في الأسابيع الأخيرة. وفي ضوء الضغوط التي تمارس على المنظمة, وفي حال ظل سعر بترول غرب تكساس قريبا من 30 دولارا للبرميل, فإن النتيجة المرجحة لما ستؤول إليه الأمور هي أن الدول المصدرة للنفط سوف ترفع من إنتاجها إما من خلال زيادة سقف إنتاجها الحالي, أو من خلال خروقات أكبر للحصص المقررة رسميا. د. نقولا سركيس ـ رئيس المركز العربي للدراسات البترولية بباريس