كل يوم يكتشف المراقبون جديدا من التأثيرات السلبية لشبكة الإنترنت. وآخر ضحايا الشبكة العنكبوتية كانت حقوق الملكية الفكرية, حيث يبين لستر ثرو أن تقنيات الإنترنت جعلت من حماية حقوق الملكية الفكرية شيئا من الماضي, وهو أمر تؤكده العروض التي تظهر على مواقع الإنترنت المختلفة, ويستطيع المتصفح لهذه الشبكة أن يكتشفه بنفسه. فما هي أبعاد هذه القضية على الإبداع البشري في مجالاته المتعددة؟ وما هي تأثيراتها على دورة إذا لم تكن تعمل في مجال الموسيقى أو تأليف الكتب أو إنتاج الأفلام السينمائية أو البرامج التلفزيونية, فإن قضية حماية حقوق الملكية الفكرية أمر غالبا لن ينال أي اهتمام لديك. لكن ما هو مدى ارتباط هذه القضية بالحياة اليومية؟ رغم أن مدى الارتباط هذا ربما لا يكون واضحا بالقدر الكافي, إلا أن حقيقة الأمور اليوم تشير إلى أنه لا يوجد شيء أكثر ارتباطا بالحياة اليومية من هذه القضية. فإذا لم تتم حماية حقوق الملكية الفكرية, فإن إنتاج الكتب والأفلام وبرامج التلفزيون والموسيقى المسجلة سوف يتأثر تأثرا بالغا. فجميع هذه المجالات التي تمت الإشارة إليها, تنطوي على تكاليف معينة عند إنتاجها, وهؤلاء العاملون على إنتاجها يكسبون عيشهم من عملهم في هذه المجالات, فإذا لم يتمكنوا من بيع ما ينتجونه لن يقدروا على كسب قوتهم, ولن يكون لهم أي اختيار سوى ترك العمل في المجالات سالفة الذكر. ونجد الآن أن موقع Napstar على شبكة الإنترنت يسمح لمرتاديه أن يحصلوا على حقوق نشر موسيقية دون أن يدفعوا أية رسوم, أي بمعنى آخر يمكن لشخص واحد فقط أن يدفع ويقوم الآخرون بالنسخ. ومثل هذه التعاملات ومواقع الشبكة التي تعمل في هذا المجال أصبحت الآن أمام القضاء, لبيان ما إذا كان هذا نشاطا قانونيا أم عملا إجراميا يقوم عمدا بمساعدة الناس على خرق قوانين حقوق النشر. وهناك صندوق إليكتروني أسود سيظهر قريبا في الأسواق من شأنه مساعدة الشخص على اقتناء أفلام وبرامج تلفزيونية, دون أن يقوم بدفع أية رسوم ودون أن يكون مضطرا أن يرى أية إعلانات أثناء المشاهدة! كذلك ستمكن المكتبات الإليكترونية, التي على وشك الظهور وبدء عملها, القارئ من تفريغ أي كتاب يريده دون أن يدفع أية مبالغ! إن حقوق الملكية الفكرية يجب أن تتواجد لسبب بسيط للغاية, فهي وسيلة لتحفيز وإقناع الناس كي يعملوا في أنشطة ابتكارية, لم يكونوا ليقوموا بها إذا لم يستطيعوا كسب قوتهم من خلالها. وبناء على هذا, فإن هؤلاء المبتكرين يتم منحهم نوعا من الاحتكار بشأن بيع ابتكاراتهم لفترة معينة من الوقت (عادة ما تكون 20 عاما في حال براءة الاختراع, و75 عاما في حال حقوق النشر), وبالتالي يتمكنون من استرداد ما أنفقوا على ابتكاراتهم ويستطيعون أن يكسبوا قوتهم (ثم يصبحوا أثرياء إذا كانوا محظوظين أو مبدعين بدرجة كبيرة!). ويمكن في هذا الصدد إلقاء الضوء على مثل بسيط, فقد ظلت عملية منح براءة اختراع مشاتل الزهور أمرا غير قانوني لسنوات طويلة في الولايات المتحدة الأميركية, وهو الأمر الذي أدى إلى أن أحدا لم ينفق أية أموال في بناء مشاتل جديدة. ومنذ أعوام قليلة تغير القانون وأصبح ممكنا منح براءة اختراع لتصنيع زهور جديدة, وهو الأمر الذي أدى إلى ظهور مشاتل جديدة في الأسواق, وتعددت الاختيارات أمام المستهلك. والمشكلة بالطبع هي أنه بمجرد تطوير مشتل ما أو تأليف كتاب جديد أو إنتاج فيلم جديد, فإن الأمر يحتاج لتكلفة بسيطة للغاية كي يتم عمل نسخ لهذا العمل, ولكن إذا سمح لكل فرد أن ينسخ ويحصل على نسخ من أي ابتكار, فإن الحافز لدخول مجالات ابتكارية أو تقديم أي جديد بشكل عام يضعف بصورة كبيرة. والمشكلة في الأصل تعود إلى التعارض الكامن في أي نظام خاص بحقوق الملكية الفكرية. فلو كانت القضية محصورة فقط في عملية الإبداع وحسب, لتمكنت براءات الاختراع وأنظمة حقوق النشر من توفير أنظمة احتكار صارمة لفترات طويلة من الزمن. إلا أن هناك قضية أخرى, وهي استعمال براءات الاختراع على نطاق واسع. فبمجرد أن يظهر أي شيء جديد, يكون من العقلانية السماح لأكبر عدد ممكن من الناس باستعماله, وهو هدف في حد ذاته يدعو إلى التوزيع المجاني أو حق النسخ. وبسبب هذا التعارض الكامن في أي نظام لتطبيق حقوق الملكية الفكرية فإن حقوق الاحتكار التي يملكها المخترع أضحت محدودة زمنيا بالقوانين التي تحكم حقوق الملكية الفكرية. ولذا فإن الظروف أحيانا تقتضي السماح بحق النسخ. بيد أن هناك مشكلة أكبر من ذلك, فالقوانين يجب أن تطبق بشكل عملي, فإذا تم تحميل الكتب بسهولة وأسعار رخيصة داخل أجهزة الكمبيوتر عن طريق تقنية المسح ثم تفريغها وطبعها من خلال الكمبيوتر, لن يكون بالإمكان تطبيق حقوق النشر المتعلقة بالكتب. فالقانون يمكنه أن يوقف شركة تعمل في مجال تسهيل نسخ الكتب, ولكنه لن يتمكن من منع ملايين البشر من تبادل الكتب إليكترونيا مع الأصدقاء والأقارب. ويمكن القول إن العمل التجاري في مجال الموسيقى وصل الآن إلى نقطة اللاعودة. فشركة Napster ـ على سبيل المثال ـ يمكن منعها من ممارسة نشاطها الخاص بتسهيل نقل الموسيقى من فرد لآخر, إلا أنه في الوقت نفسه فإن تقنية النقل نفسها في هذا المجال موجودة ورخيصة بالفعل وجيدة بالقدر الكافي لأن يغري المهتمين بالموسيقى أن يتبادلوا ما يريدونه إليكترونيا. إن الإنتاج الجديد في ظل تلك الظروف لن يتوقف نهائيا, ولكنه سيصبح يمثل نسبة قليلة للغاية مما كان سيكون الوضع عليه لو لم تخترع تكنولوجيا النقل الإليكتروني تلك. وسيكون الأمر بمثابة أننا سنفقد شيئا ولن نعرف في المستقبل ماذا كان هذا الشيء. وهناك مشكلات مشابهة تحدث في مجال الصيدلة والأدوية, فبعض الدول مثل الهند لا تعترف قانونيا ببراءات الاختراع في مجال الأدوية, فالأدوية يمكن عمل نسخ لها في الهند ثم تباع داخل البلاد وفي أماكن أخرى من العالم, حيث لا تتواجد أو لا تطبق القوانين الخاصة ببراءات الاختراع. وهذا الأمر يعني تضييق السوق الخاصة بالدواء الواحد, ويعني أيضا أن هؤلاء الذين يشترون الدواء بطريقة قانونية سيضطرون إلى دفع ثمن أعلى حتى يتم تغطية تكاليف الإنتاج. أما في حالة الأدوية التي تباع فقط من خلال وصفة الطبيب, فإن براءات الاختراع تسري فقط عندما يتم اختراع الدواء وليس عندما يباع الدواء قانونيا, وبين هاتين المرحلتين هناك فترات طويلة من الاختبارات البشرية يتم إجراؤها. فإذا منح نظام البراءات فترة احتكار تصل إلى 20 عاما, 10 منها تخصص لاختبارات تجرى بشأن ما إذا كان للدواء آثار جانبية على صحة الإنسان أم لا, فإن هذا الدواء حتما سيباع بسعر مرتفع للغاية أثناء الأعوام العشرة الباقية من الأعوام العشرين التي منحت كاحتكار, وذلك كي تتم تغطية تكاليفه. إن أهمية عمل نظام تحفيز معين, حيث يتم كسب المال عن طريق المجهودات الابتكارية وما يتم من اختراعات, تبرز بشدة في قضية مرض الملاريا. فهذا المرض يؤدي إلى موت عدد من البشر يفوق تقريبا ما يقتله أي مرض آخر, ولكنه في الوقت نفسه يقتل أناسا فقراء لا يقدرون على شراء الدواء. ونتيجة لذلك فإن شركات الدواء لا تنفق أموالا لاختراع عقار معين للقضاء على الملاريا, فتكلفة اختراع مثل هذا العقار ضخمة للغاية, ولن تتمكن أية شركة من بيع مثل هذه العقاقير في حال اختراعها لضعف القوة الشرائية من جانب المرضى. ولهذا السبب قامت الإدارة الأميركية, وأيضا بيل جيتس, مؤخرا بالإعلان عن مكافأة كبيرة لمن يخترع عقارا ضد الملاريا, وذلك في محاولة لتكوين نظام تحفيزي يقنع الشركات بالعمل على نحو جدي على مكافحة هذا الوباء. لستر ثرو ـ العميد السابق لكلية سلون الأميركية للإدارة