مع اقتراب الاجتماع المنتظر لوزراء دول أوبك في الأسبوع المقبل, تتراوح التوقعات بين زيادة كبيرة تكفي لخفض الأسعار بشكل ملموس, وبين استبعاد أن يسفر الاجتماع عن نتيجة ذات أهمية. وأيا كانت نسبة التوفيق الذي سيحرزه أي من تلك التوقعات, فإن هناك رأيا سائدا بين خبراء النفط يقول باستمرار معدل ارتفاع أسعار النفط حتى نهاية هذا العام, وهو رأي تدعمه شواهد تتمثل في تواصل نمو الاقتصاد العالمي, واقتراب حلول الشتاء في لاتزال أزمة أسعار النفط تلقي بظلالها وتداعياتها بين المنتجين والمستهلكين, وربما لا تسفر اجتماعات أوبك الأسبوع المقبل ـ على حد قول خبراء النفط ـ عن قرارات تعيد الهدوء إلى الأسواق, فحتى إن زادت كمية الإنتاج فإنها لن تؤدي إلى خفض الأسعار بصورة كبيرة, حيث لن تكفي زيادة نصف مليون برميل يوميا لمواجهة الطلب المتزايد على النفط, خصوصا وأن الشتاء على الأبواب في أمريكا وأوروبا, حيث تزداد معدلات الاستهلاك. من هنا تأتي أهمية الدراسة النفطية التي أعدها أحد خبراء النفط في الإمارات, والتي تتعرض لآفاق أسعار النفط العام 2000 وما بعده, والدور الذي تلعبه أوبك للحفاظ على الأسواق. الدكتور إبراهيم عبدالحميد إسماعيل, كبير المهندسين ومستشار بوزارة النفط والثروة المعدنية, يعرض رؤية لأسواق النفط خلال المرحلة المقبلة, من خلال دراسة نفطية أعدها لمركز الإمارات للدراسات والبحوث, وفي ضوء الأزمة الحادثة الآن بين المنتجين والمستهلكين بشأن ارتفاع أسعار النفط. يقول د. عبدالحميد إنه ومنذ منتصف السبعينات وحتى الآن لم تشهد أسواق النفط استقرارا أو ثباتا, بل تميزت بالاضطراب والتقلب, إذ إن أسعار النفط تأثر بشكل مباشر بالأحداث العالمية المختلفة كالنزاعات والمضاربات والشائعات والتصريحات, إضافة إلى تأثرها بقوى السوق من عرض وطلب ومخزونات نفطية وطاقات إنتاج وعوامل أخرى. وكما يقول فإنه خلال العامين الماضيين تدهورت حالة الأسواق بشكل كبير, مما أدى إلى انهيار أسعار النفط إلى مستويات لم تشهدها منذ منتصف الثمانينات, ويعود ذلك إلى وجود سوق نفطية في الأسواق تفوق حاجة السوق الفعلية بكثير, ومما ساعد على ذلك الأزمة الاقتصادية التي ألمت بدول شرقي آسيا, إضافة إلى اليابان وروسيا ودول أخرى من العالم, حيث كان لهذه الأزمة أثرها المباشر على تدهور استهلاك الطاقة, ومن ثم اختلال ميزان العرض والطلب على المستوى العالمي. وكان لمنظمة الأوبك دور بارز في عملية إعادة الاستقرار إلى سوق النفط, بعد الانهيار الذي لحق بها في نهايات 1998 وبداية العام 1999. فمن خلال اتفاقيات تخفيض الإنتاج لدول المنظمة والمنتجين من خارجها, استطاعت أوبك إعادة التوازن بين العرض والطلب إلى الأسواق النفطية, وبذلك شهدت أسعار النفط تحسنا مستمرا فاق التوقعات منذ الربع الثاني من العام 1999. غير أن الأسعار ارتفعت في بداية العام 2000 إلى مستويات قياسية لم تشهدها منذ أزمة الخليج الثانية 1990 ـ ,1991 بسبب التزام المنتجين من خارج وداخل أوبك باتفاقيات تخفيض الإنتاج, وكذلك تحسن الطلب على النفط نتيجة لتحسن الوضع الاقتصادي العالمي وتجاوز دول شرقي آسيا أزمتها الاقتصادية. ومن المتوقع أن تحافظ أسواق النفط خلال العام الجاري على مستوى أداء جيد يفوق ما تحقق خلال العامين الماضيين, ولكن قلق بعض المستهلكين الكبار لارتفاع الأسعار في بداية العام الجاري, وما رافق ذلك من ضغوط على الدول المنتجة ولاسيما أعضاء أوبك, دفع المنظمة في اجتماعها الأخير في نهاية شهر مارس ,2000 إلى زيادة الإنتاج بمقدار يناسب التخفيض الذي أبرم في مارس 1999. ويضيف د. عبدالحميد أن أسعار النفط أخذت في الهبوط عن مستوياتها المرتفعة التي زادت على 30 دولارا للبرميل حتى قبل اجتماع المنظمة, بسبب توقعات السوق بأن أوبك سوف تعيد النظر بتخفيض سقف إنتاجها, واستمرت حالة التدني في الأسعار, حيث بلغ سعر البرميل سلة نفوط أوبك 23 دولارا خلال الأسبوع الأول من أبريل, أما توقعات الأسعار خلال ما تبقى من العام 2000 فإنها تتراوح ما بين 20 و25 دولارا للبرميل, وعلى افتراض أن المنظمة ستحافظ على مستوى الإنتاج الحالي حتى نهاية هذا العام. ويؤكد أن التوقعات تفيد أن الطلب العالمي على النفط سوف يستمر في النمو, وأن معدل الإنتاج من خارج المنظمة سوف يتباطأ ثم ينحدر, وبذلك سوف يزداد الطلب على نفط الأوبك مما يعزز الأسعار. وحسب د. عبدالحميد فإن أسعار النفط تعتبر الأكثر اضطرابا وتقلبا على المستوى العالمي, مقارنة بأوضاع السلع الأخرى فهي لا تتأثر بعوامل السوق من عرض وطلب فقط, بل تتجاوز ذلك إلى أمور أخرى كالمضاربات والإشاعات والتصريحات وغيره, كما أنها تتأثر بالأحداث العالمية وتقلبات الطقس والاستقرار السياسي وما إلى ذلك. فمنذ السبعينات شهدت أسواق النفط حالة عدم ثبات واستقرار, مما تطلب تدخلا مستمرا من قبل المنتجين وكذلك المستهلكين للحد من هذه التقلبات حماية لمصالحهم, فالدول المنتجة تسعى للحفاظ على مداخيل مستقرة وأسعار عادلة لصادراتها النفطية لإدامة عملية التنمية فيها ورفع المستوى المعيشي لمواطنيها. أما الدول المستهلكة فإنها تزيد حماية نفسها من تقلبات السوق وارتفاع الأسعار, لذا فإنها تبنت إجراءات عدة للحد من الاعتماد على النفط كمصدر أساسي للطاقة, وإيجاد بدائل أخرى للطاقة, والقيام بعمليات ترشيد الاستهلاك وإنشاء الوكالة الدولية للطاقة ومشروع المخزون النفطي الاستراتيجي, وغير ذلك من إجراءات. ويرى د. عبدالحميد أن الانهيار الذي حدث لأسعار النفط في 1998 وبداية 1999 كان بسبب وجود فائض في المعروض النفطي يفوق الطلب العالمي بكثير, نتيجة لتباطؤ النمو في الاقتصاد العالمي وحدوث الأزمة الاقتصادية الخانقة التي ألمت بدول شرقي آسيا واليابان وغيرهما, كما أن عدم الالتزام بحصص الإنتاج من قبل بعض المنتجين من داخل أوبك كان له الأثر السلبي على الأسعار. ومن أجل الحد من حالة التدهور قامت الدول الأعضاء في أوبك ودول أخرى من خارجها, بعقد اجتماعات عدة كان هدفها اتخاذ الإجراءات المناسبة لإعادة الأوضاع إلى حالتها المستقرة, ونجحت المنظمة في ذلك, وأخذت الأسعار في التحسن خلال الربع الثاني من العام 1999 ووصلت ذروتها بداية العام الجاري. وكما تقول الدراسة التي أعدها د. عبدالحميد إسماعيل, فإن من المتوقع أن تحافظ أسعار النفط على مستويات تزيد على ما تحقق خلال العام ,1999 حيث بلغ متوسط السعر لخامات سلة الأوبك نحو 5.17 دولارا للبرميل, أما متوسط السعر للعام 2000 فقد بلغ حتى أبريل 26 دولارا للبرميل, وهو سعر مقبول لأنه يمثل فترة طلب مرتفع على النفط بسبب شدة وطأة الطقس. وفي الربع الأخير من العام الجاري, وعندما يزداد الطلب على النفط مرة أخرى بسبب تغيرات الطقس, فسوف تواصل الأسعار ارتفاعاتها. وعلى ضوء التوقعات السعرية المتوقعة فقد يتراوح متوسط سعر خامات سلة الأوبك خلال العام 2000 ما بين 20 و25 دولارا للبرميل, علما بأن المنظمة قد وضعت لها قبل عشر سنوات هدفا سعريا يقدر بنحو 21 دولارا للبرميل. وتشير غالبية التوقعات حسب الدراسة إلى أن معدلات النمو للاقتصاد العالمي سوف تستمر بخطى متسارعة خلال السنوات القليلة المقبلة, وأن الطلب على النفط سوف يستمر وبمعدلات متشابهة لما كانت عليه خلال الأعوام القليلة المقبلة, أي بمعدل سنوي يتراوح ما بين المليون والمليون ونصف المليون برميل يوميا. أما إنتاج النفط من خارج أوبك فسوف يستمر هو الآخر في الزيادة ولكن بمعدلات سنوية أقل مما تحقق في الأعوام القليلة الماضية, بسبب محدودية الاحتياطات النفطية التي تملكها هذه الدول, لذا فإن معدل النمو السنوي في إنتاج تلك الدول يقدر بنحو 500 ألف برميل في اليوم. وعلى ضوء ذلك فإن الطلب على نفط الأوبك سوف يزداد بمعدلات سنوية تتراوح ما بين 500 ألف ومليون برميل في اليوم. أما على المستوى المتوسط والبعيد فتشير التوقعات إلى أن معدل النمو الاقتصادي العالمي سوف يحافظ على ارتفاعه ليحقق معدلات نمو سنوية تقدر نسبته بنحو 4.3% خلال الفترة ما بين العام 2000 والعام ,2001 ويتباطأ قليلا ليسجل معدلات نمو سنوية تقدر بنحو 3.3% خلال الفترة من العام 2010 حتى العام 2020. كما من المتوقع أن يحقق الطلب العالمي على النفط نموا مضطردا يقدر بنحو 19% خلال الفترة ما بين العام 2000 والعام ,2010 ليصل إلى نحو 91 مليون برميل في اليوم بحلول العام ,2010 وتستمر عملية النمو حتى يصل الطلب العالمي على النفط إلى حدود 103 ملايين برميل في اليوم بحلول العام ,2020 بمعدل زيادة تقدر بنحو 27 مليون برميل في اليوم, بما يعادل 36% مقارنة بمستوى العام 2000.