شهدت السنوات الاخيرة تزايد الاهتمام الدولي برفع معدلات النمو الاقتصادي للبلدان المتقدمة والنامية وذلك في ظل موجات الازمات الاقتصادية التي مرت بها العديد من بلدان العالم في آسيا وامريكا اللاتينية, وحالة الركود التي يعاني منها الاقتصاد العالمي. كما شهدت نفس الفترة انخفاض اسعار البترول مما ادى إلى تراجع معدلات النمو في الاقتصاديات المصدرة للبترول ومن ضمنها دول مجلس التعاون الخليجي. وضمن هذا السياق جاء انعقاد المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للامم المتحدة في 5/7/1999 في جنيف لمناقشة تقرير المنظمة السنوي حول مدى تأثير تباطؤ معدلات النمو الاقتصادي في العالم على الدول النامية, والدول التي تشهد تحولات اقتصادية, فضلاً عن الدول الفقيرة على المستوى العالمي. وفي ضوء ما تقدم اعلاه يتضح اهمية تسليط الضوء على النمو في اقتصاديات دول مجلس التعاون بحكم تشابه الهياكل الاقتصادية لهذه الدول مع الاخذ بعين الاعتبار وجود تفاوتات في مستويات بعض المتغيرات الاقتصادية بين دولة واخرى ومناقشة السبل الكفيلة بزيادة معدلاته بشكل يسمح بتحقيق الهدف الاستراتيجي في المحافظة على مستوى معيشي عال ومتزايد للمواطنين. ويبقي السؤال المطروح هو: كيف يمكن تحقيق زيادة معدل النمو الاقتصادي بشكل يوجد لدى اطراف المتعاملين في الاقتصاد الوطني الشعور او الاحساس بأن الانتعاش الاقتصادي قد بدأ يدب في مفاصل الاقتصاد الوطني. حول هذا الموضوع يقول الباحث البحريني الدكتور عبدالله الصادق ان النظرية الاقتصادية تبين ان زيادة معدل النمو الاقتصادي ككل او للقطاعات الاقتصادية على حدة ـ ويمكن الاشارة هنا بشكل خاص إلى القطاع التجاري ـ يمكن تحقيقه من جانب العرض وكذلك من جانب الطلب. فالجانب الاول وهو العرض يتعرض للتغيير على المدى الطويل. اما الجانب الثاني فيتناول الامد القصير. فإذا قررنا ان نبدأ بمناقشة جانب الطلب وهو المتعلق بالامد القصير خاصة وان هناك اهتماماً كبيراً سواء لدى القطاع الخاص او الحكومة بتبديل الحالة الاقصتادية الراهنة وايجاد حالة من الانتعاش في اواسط رجال الاعمال في مجالات التجارة والخدمات والصناعة. ولكن ما هي العناصر المكونة لجانب الطلب والتي من خلال التأثير عليها يمكن ايجاد التأثير المطلوب على الاقتصاد الوطني ككل؟ في الواقع يشتمل جانب الطلب على العناصر الاساسية التالية: الانفاق الحكومي بشقيه الاستهلاكي والاستثماري, انفاق القطاع الخاص بشقيه الاستهلاكي والاستثماري ايضا. وبدوره يمكن تقسيم الانفاق الاستثماري إلى اقسام عدة تشمل الانفاق على المباني والادوات والمكائن ووسائل النقل. ويبقى العنصر الاخير وهو ما يتعلق بالتجارة الخارجية سواء اكانت تلك سلع صناعية او منتجات خدمية كالسياحة او ما شابه ذلك. ولكن يبقى السؤال المهم وهو: كيف يمكن تفعيل جانب الطلب من الاقتصاد الوطني؟ فكما هو معروف فإن ذلك التفعيل مرتبط بقرارات الافراد او المؤسسات تجاه الانفاق والادخار ـ ويمكن ان نضيف هنا كذلك الافراد المستثمرين الاجانب ـ والتي يعتمد بعضها على البعض بسبب ان انفاق طرف ما يعني دخلاً بالنسبة لطرف آخر والعكس صحيح. وعليه, فإن الخروج من حالة الركود او التباطؤ الاقتصادي يرتبط عادة بمدى السيطرة على عرض النقود. ولكن كيف يمكن ان يتم ذلك؟ الحل يكمن بالطبع في تفعيل اسواق المال. فالمؤسسات والافراد الذين في حاجة إلى اموال يمكنهم الاقتراض من الآخرين الذين لديهم وفرة في الاموال وذلك عبر اسواق المال. وعليه فإن تحقيق التوازن في ذلك يتم عادة من خلال عدة ادوات اقتصادية من اهمها معدلات الفائدة, ويمكن الاضافة إلى ذلك ايضا تسهيل الاجراءات المرتبطة بخدمات الاقتراض ودعم المؤسسات الاستثمارية المتخصصة الموجودة والتفكير في ايجاد مؤسسات استثمارية محلية او اقليمية جديدة. اما الامر الآخر والمهم ايضا في تفعيل عناصر الطلب فهو الاسعار. فالمؤسسات التجارية التي تعاني من صعوبات في بيع منتجاتها او خدماتها لديها الحرية لتخفيض اسعارها وبالتالي زيادة مبيعاتها. وفي الواقع فإن المؤسسات التجارية تكون عادة اكثر تردداً في تخفيض الاسعار. كما وبالمثل يمكن القول بأن العاملين, عادة يكونون اكثر ترددا ايضا في قبول حسومات في اجور خدماتهم. لكن لابد من القول بان استمرار حالة التباطؤ الاقتصادية مدة طويلة سيؤدي بالضرورة إلى تخفيض الاسعار وسيتم ذلك بشكل تدريجي مع كل ما يصاحبه من معاناة. والجدير بالذكر بأن المؤسسات التجارية تاريخياً هي اقل تردداً في رفع الاسعار في حالة الازدهار الاقتصادي. وعليه فالمطلوب هنا ايجاد المناخ التجاري المناسب الذي يعمل على اعادة التوازن باقل التكاليف والتضحيات وما يتصل بذلك من ازالة المعوقات الادارية والقانونية التي تحد من تحرير السوق وبالتالي زيادة المنافسة وتعزيزها في الاقتصاد الوطني. حسين محمد