طالب خبراء اقتصاديون بضرورة البدء في تقنين استخدام عملة نقدية خليجية موحدة واقامة سوق مشتركة لدول مجلس التعاون الخليجي لمواجهة التحديات الاقتصادية التي فرضتها السياسات الاقتصادية العالمية في القرن الـ 21. وأكدوا في ندوة التكامل الاقتصادي الخليجي الآفاق والتحديات التي نظمها مركز الخليج للدراسات الخليجية بالقاهرة مؤخرا على أهمية سعي دول مجلس التعاون الخليجي نحو تفعيل سبل التكامل الاقتصادي بين دول المجلس وشددوا على ضرورة استعادة رؤوس الاموال الخليجية المهاجرة والتي جاوزت 800 مليار دولار. وقال د. جمال مظلوم مستشار مركز الدراسات الاستراتيجية ان المشكلات التي تواجه دول الخليج تتطلب مزيدا من العمل المشترك, مشيرا الى ان اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي تتميز بعدد من السمات الخاصة تتبلور في اعتمادها على النفط كمصدر رئيسي للدخل حيث تعتبر الايرادات النفطية القوة الرئيسية الدافعة لكافة جوانب الحياة في دول مجلس التعاون. وقال ان الصادرات النفطية تمثل 90% من اجمالي صادرات دول مجلس التعاون باستثناء البحرين (6.68%) وقطر 82%, مشيرا الى ان العائدات النفطية تمثل ما بين 70 و80% من الدخل القومي لدول المجلس وما بين 31 و36% من اجمالي الناتج المحلي لهذه الدول, الأمر الذي يجعل من النفط المحرك الرئيسي لاقتصادات تلك الدول التي تتأثر سلبا وايجابا بالتغيرات التي تطرأ على أسعار النفط العالمية, فضلا عن تأثرها بضعف مساهمة القطاعات الانتاجية الاخرى في الناتج المحلي الاجمالي. ورغم ما تشهده من تطورات ايجابية حيث لم تتجاوز نسبة مساهمة قطاع الصناعات التحويلية 1.10% كما لم تزد نسبة مساهمة قطاع الزراعة على 9.4%, كما تتسم البلدان الخليجية بضيق نطاق السوق المحلي وضعف الطاقة الاستيعابية لأسواق مجلس التعاون ومن ثم تدني معدل الاستهلاك الكلي. وأشار د. مظلوم مستشار مركز الدراسات الاستراتيجية في هذا الصدد الى ندرة الموارد البشرية في دول المجلس على الرغم من المعدلات المرتفعة للنمو السكاني والتي تصل الى 5.5% الامر الذي أدى الى اعتماد برامج التنمية البشرية الخليجية بشكل أساسي على العمالة الوافدة والتي بلغ عددها 48.5 ملايين فرد حسب آخر التقديرات مما أحدث خللا كبيرا في هيكل التركيبة السكانية لدول المجلس بسبب توجه دول المجلس نحو الرفاهية. وأشار د. محمود عبدالفضيل استاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة الى ان هناك عدة عوامل تدفع دول مجلس التعاون الخليجي الى التكامل الاقتصادي فيما بينها وبين سائر الاقطار العربية تحسبا للاختراقات الاقتصادية التي قد تأتي في ظل تداعيات العولمة, موضحا ان هذا التكامل الاقتصادي من شأنه ان يحقق الرخاء والتقدم لدول الخليج. كما سيرفع قدرتها الذاتية في زيادة الانتاج وتنويع المنتجات كما ونوعا مبينا ان اتجاه التنمية يجب ان يتجه أولا نحو دفع عملية الانتاج لتغطية سوق الواردات وبالتالي الاستغناء عن السلع الاستهلاكية ثم الانتاج بفرص التصدير والمنافسة العالمية. وقال د. عبدالفضيل ان مقدمات التكامل الاقتصادي الخليجي موجودة بوفرة في كل الاقطار الخليجية, مشيرا الى ان أهم هذه المقومات يتمثل في ارتباط دول مجلس التعاون الخليجي بوحدة جغرافية واقتصادية واجتماعية وبشرية وتاريخية ودينية وتراثية ومصيرية, مؤكدا ان الساحة الخليجية تشهد في الفترة الحالية مقدمات ايجابية ودعا الى ضرورة استثمارها في اطار السعي لاقامة السوق الخليجية المشتركة. وأشار د. عبدالفضيل في هذا الصدد الى ان التكامل الاقتصادي الخليجي على الرغم من العوامل الدافعة لبلورته مازال في حاجة ماسة الى تفعيل سياسي لترجمة الاطروحات والأماني الى خطط استراتيجية وآليات اقتصادية تنفيذية لتفعيله. وقال ان تحقيق هذا التكامل الاقتصادي بالوصول لمرحلة السوق الخليجية المشتركة يتطلب الكثير من السياسات والتي من أهمها اتباع أساليب اقتصادية علمية لاقامة المشروعات المشتركة بين دول المجلس وجعل الاسواق الخليجية مفتوحة أمام بعضها البعض والاعتماد على العمالة الوطنية وتنمية وصقل المهارات في كافة المجالات حتى يمكن تلبية كافة الحاجات الوطنية من هذه العمالة وتقليل الاعتماد على العمالة الوافدة وصولا الى امكانية الاستغناء النهائي عنها في المستقبل. وأكد د. عبدالفضيل استاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة على تفعيل ما تم اتخاذه من خطوات خليجية في سبيل اقامة السوق الخليجية المشتركة خلال الاعوام الماضية ووصفها بأنها مازالت قليلة اذا ما قورنت بحجم النتائج التي الت اليها التجربة الأوروبية في الوقت الحالي. ودعا في هذا الصدد الى تنفذ قرارات الاتفاقية الاقتصادية الموحدة معتبرا ان تنفيذها هو بوابة لتكتل اقتصادي خليجي قوي في القرن الـ21 وأكد في الوقت نفسه على اهمية تفعيل دور القطاع الخاص في الانشطة الاقتصادية مشيرا الى اهمية الاستفادة من كافة الطاقات والامكانيات الطبيعية والمادية والبشرية اللازمة لكافة القطاعات الانتاجية مؤكدا كذلك على بذل المزيد من الجهود لمواكبة تداعيات الثورة التكنولوجية والاقتصادية المعلوماتية لتقليص الفجوة بين دول مجلس التعاون والعالم المتقدم والعمل على الانتهاءمن عملية التكامل النقدي. وشدد د. عبدالفضيل على ضرورة امتلاك دول الخليج لمنظومة اقتصادية تأخذ في اعتبارها اهمية الوصول لحوار مشترك مع التكتلات الاقتصادية العالمية لتجنيب تداعيات الهوة التي قد تنشأ في حالة التقوقع الاقتصادي والانغلاق الدائري. وقال ان التكامل والتعاون الاقتصادي الخليجي لا يغني بالضرورة عن التعاون مع الكيانات الاقتصادية العالمية غير انه في الوقت نفسه اشار الى ضرورة ان يكون هذا التعاون من خلال خطة تكاملية خليجية تراعي مصالح وأهداف دول مجلس التعاون الخليجي بشكل جماعي. واعتبرت د. سوزان ابورية استاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة ان المتغيرات الاقتصادية العالمية التي فرضتها تداعيات نظام العولمة وما استحدثه من نظم في كافة المجالات يستلزم وجود اتجاه خليجي لمواكبة هذه التطورات العالمية عن طريق التنمية والتأمل وبلورة اسس اقتصادية راسخة تكون قادرة على مجاراة هذه التطورات. وقالت د. ابورية ان هذه التطورات الاقتصادية العالمية ابرزت تحديات داخلية اقتصادية لابديل عن اخذها في اعتبار الخطط التنموية الخليجية يأتي في صدارتها عدم استقرار سعر السلعة الاستراتيجية الاساسية وهي النفط اذ ان سوق النفط العالمية تشهد تغيرا وتذبذبا كبيرا في الاسعار وفي مستوى العرض والطلب بشكل اصبح يمثل عائقا كبيرا امام التخطيط الاقتصادي طويل الامد. واضافت د. سوزان ابورية ان هناك عدة تحديات اخرى يتمثل اولها في تنامي اعداد العمالة الاجنبية لدول مجلس التعاون والتي وصلت في بعض دوله الى اكثر من نصف عدد السكان وثانيها في تراكم عجز الموازنات العامة لدول المجلس بسبب تذبذب اسعار النفط. ومن هذه التحديات يتبلور في ضوءما تشهده الساحة الاقتصادية الدولية منذ بداية التسعينات من تحولات جذرية في بنيه الاقتصاد العالمي والتي من ابرزها ما جاءت به اتفاقية الجات الخاصة بتحرير التجارة الدولية وازدياد الاندماجات بين الشركات العالمية الكبرى وتنامي سيطرة الشركات متعددة الجنسية على مقاليد الامور بالاسواق الدولية حيث تستأثر الشركات بما يعادل 40% من التجارة العالمية. واشارت د. سوزان ابورية استاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة الى احتلال هياكل العلاقات التجارية بين دول مجلس التعاون وكل من الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة الامريكية احد هذه التحديات حيث يميل هيكل الميزان التجاري بين دول المجلس والاتحاد الأوروبي لصالح الاتحاد بما يجاوز 19 مليار دولار. كما بلغ حجم العجز في الميزان التجاري مع الولايات المتحدة 2.3 مليار دولار في الوقت الذي تحقق بين دول المجلس فائضا مع اليابان بلغ 18 مليار دولار.