يسير الاقتصاد العالمي في اتجاه اعلى معدل نمو له خلال العام الجاري, منذ عام ,1998 حيث من المتوقع ان يسجل معدل نمو 4%. وترتفع اسعار السلع, الا انها لا تزال اقل من ارتفاعات قياسية سابقة. ارتفع معدل التضخم في بعض الدول وغالبيتها من معدلات كانت منخفضة, وليس سبب ذلك هو ارتفاع سعر البترول وحده. ارتفعت اسعار الفائدة خارج اليابان بشكل اكبر خلال النصف الاول من العام الجاري, لكنها لم تصل إلى ذروتها بعد. وهناك اشارات غير مريحة على نمو اقتصادي محموم في الولايات المتحدة. ولا يزال السؤال المهم في الاقتصاد العالمي يتمحور حول قدرة المسئولين في الولايات المتحدة على تحقيق هدوء في النمو الاقتصادي بأمان في الاقتصاد الامريكي. الاقتصاديات الأمريكية ارتفع اجمالي الناتج المحلي الامريكي بنسبة 4.5% خلال الربع الاول من العام الجاري, مقابل 3.7% في الربع الاخير من العام الماضي. لكن الهدوء في النمو الاقتصادي قد يكون خادعاً لأنه يعتمد على معدل تضخم اقل. واذا استبعدنا التغير في المخزون السلعي, نجد ان معدل النمو ارتفع من 6% إلى 9.6%. وتزايدت سرعة نمو الطلب المحلي منذ بداية العام الماضي لتصل إلى 9.7% خلال الربع الاول من العام الجاري ويستثنى من هذا الطلب قطاع المخزون والصادرات. وارتفع الانفاق الاستهلاكي الحقيقي بنسبة 3.7% اي بمعدل اعلى من نمو الدخل بعد دفع الضرائب, وقفز الاستثمار الاجنبي بنسبة 25% اي بنسبة عشرة اضعاف مقارنة بمعدله خلال الربع الاخير من العام الماضي. ونعترف ان هناك عوامل خاصة توافرت خلال الربع الاول من العام. فقد ادى ارتفاع الحرارة والمناخ غير العادي إلى حفز الانفاق الاستهلاكي ونشاط البناء, وقد تكون المخاوف التي صحبت علة القرن مع بداية العام شوهت نمط الانفاق الاستثماري. ولا يزال رغم ذلك معدل نمو الطلب عالياً مقارنة بقدرة الاقتصاد على العرض. ونتيجة ذلك ان حجم الواردات الصافي استمر في الارتفاع بشكل كبير خلال الربع الاول من العام. ومن المؤكد ان ارتفاع حجم التجارة اضافة إلى ارتفاع اسعار البترول قد زادت من العجز التجاري الامريكي. والسبب الثاني للنمو الامريكي الكبير هو الارتفاع في معدل التضخم. ومن الواضح ان معدل التضخم مرتفعاً ويزيد بمعدلات اسرع في قطاعات الخدمات. ويحتمل ان يكون السبب في ذلك انه لا يمكن استيراد الخدمات بنفس سهولة استيراد السلع. بصفة عامة عوض ارتفاع الواردات الفجوة المتزايدة بين الطلب والعرض وبالتالي حد من ارتفاع معدل التضخم. واوضحت الاحصاءات ارتفاعاً في تضخم الاجور قياساً على الاجر بالساعة ومؤشر تكلفة العمالة. ليس هذا الارتفاع مثيراً للدهشة. فقد بلغ معدل البطالة مستوى قياسي انخفاضاً إلى 4% لم يحدث منذ عام 1965. والتضخم في ارتفاع وهناك شكوى من غالبية اصحاب الاعمال بوجود نقص في العمالة. في الوقت نفسه يبدو ان معدل نمو الانتاجية قد هدأ في الربع الاول من العام ليصل إلى معدل اقل من تغير مؤشر تكلفة العمالة. ويعتبر استمرار معدل نمو الانتاجية واستقراره من العوامل الحيوية التي تحدد معدل النمو المستمر في اجمالي العرض, ويسمى احياناً اجمالي الناتج المحلي المتوقع. الحقيقة ان معدل نمو اجمالي الناتج المحلي المتوقع هو مجموع معدل نمو الانتاجية ومعدل نمو التوظيف. وسوف يحدد معدل نمو اجمالي الناتج المحلي المتوقع اضافة إلى الموقف الاقتصادي الحالي الفجوة في الانتاج. والفجوة في الانتاج هي الانحراف النسبي لمستوى اجمالي الناتج المحلي الحقيقي عن مستوى اجمالي الناتج المحلي المتوقع. ويميل معدل التضخم للارتفاع عندما تكون فجوة الانتاج ايجابية )يكون الناتج المحلي الحقيقي اعلى من الناتج المحلي المتوقع( ويميل للانخفاض عندما تكون الفجوة سلبية. كما ان الانتاجية عامل حيوي في تحديد مدى تأثير معدل نمو الاجور الحقيقي على الارباح كنسبة من الدخل القومي وبالتالي معدل نمو الارباح, وهي عنصر هام في التقييم الاساسي لاسهم الشركات. وقد كتب الكثير مؤخراً عن الاقتصاد الجديد في امريكا ويقصد به ايجاد وتطبيق التكنولوجيا الجديدة خاصة في معالجة ونقل المعلومات عن طريق الانترنت وغيرها. ويبدو ان هذا قد ساهم في رفع معدل النمو في انتاجية العمالة, رغم ان نسبة الارتفاع وتوزيعها على مختلف القطاعات لا يزال يحير خبراء الاقتصاد. وقد ارتفع معدل الانتاجية بنسبة 4.3% خلال الربع الاول من العام مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي. لكن التغيرات في الانتاجية تتنوع ايضا في اطار دورة الاعمال. وقد يكون من الصعب الفصل بين عنصر خاص بهذه الدورة وعنصر مستديم, غير ان هذه التغيرات هي التي تحدد النمو المستقر في اجمالي الناتج المحلي. ارتفعت الانتاجية بنسبة 2% في الفترة من بداية العقد حتى العام الماضي, مقارنة بالارتفاع القياسي في العقد السابق له حيث كان بنسبة 9.1%. لكن الاتجاه منذ عام 1995 يوضح معدل نمو سنوي يبلغ 5.2% في المتوسط, وقد يتوازي ذلك مع معدل نمو الانتاجية المتوسط منذ عام 1920. والاتجاه الرئيسي في نمو الانتاجية بمعدل متوسطه 2 ـ 5.2% اضافة إلى نمو قوة العمل المستقبلي بنسبة 5.0ـ 1% سنوياً يجعل معدل نمو اجمالي الناتج المحلي المتوقع 5.2 ـ 3%, وهو يختلف كثيراً عن معدل 5 ـ 6% الذي تحقق في الاقتصاد في الفترة الاخيرة. وترى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ان فجوة الانتاج في الولايات المتحدة بلغت نحو 2% العام الماضي وتقترب من 3% خلال النصف الاول من العام الجاري واستغلت معدل النمو المتوقع بنسبة 5.3% لحساب ذلك. ورغم بطء النمو في الربع الثاني من العام مع اختفاء العوامل الخاصة التي سادت في الربع الاول من العام, فإن المؤشرات الرئيسية تشير إلى ان اتجاه النمو لا يزال اعلى من معدل النمو المتوقع. وقد يظل عنصر الثروة الذي رفع النمو الاقتصادي دون تغيير هذه المرة. وقد انخفضت المكاسب التي حققتها مؤشرات الاسهم بشكل كبير منذ منتصف العام الماضي, لكن هذه المؤشرات لا تزال تعبر عن اتجاه تصاعدي برغم ارتفاع معدل التغيير. وتواجه السلطات الامريكية عنصري تحدي, أولهما جعل معدل نمو الناتج المحلي مستقرا بين 5.2 و5.3%, وثانيهما وأصعبهما خفض فجوة الانتاج لتصل الى نحو الصفر, بما يعني ان يستمر الاقتصاد لفترة ما في النمو بمعدل أقل من معدل النمو المتوقع حتى يتم السيطرة على معدل التضخم عند مستويات منخفضة. هذه الصعوبات تعتبر ذات شقين من الناحية العملية, الشق الأول هو السياسة النقدية وهي أداة لا تظهر آثارها إلا بعد عام أو عامين, والشق الثاني هو التوجيه الدقيق جدا. وهناك عدة ملامح في الاقتصاديات الكلية الامريكية حاليا لم تحدث منذ الحرب العالمية الثانية. من هذه الملامح ان الادخار الشخصي عند أقل مستوياته منذ الثلاثينيات, ولاتزال قيم الاسهم مشجعة بمعايير فترة ما بعد الحرب العالمية. سجل العجز في الحساب الجاري ارتفاعا قياسيا منذ الحرب العالمية )نسبة الى اجمالي الناتج المحلي(. هناك طفرة طويلة في الاستثمارات ومعدل ارتفاعها ويبدو ان حسابات الشركات في القطاع غير المالي تحقق توسعا. وارتفع معدل الاقتراض للشركات من الاسواق الائتمانية بشكل كبير في السنوات الاخيرة لأسباب منها تمويل شراء الاسهم حيث بلغت القروض لهذا القرض 270 مليار دولار العام الماضي. نتيجة ذلك ان نسبة الدين الى الأسهم في قطاع الشركات ارتفعت بشكل كبير من حيث القيمة الدفترية, لكن ليس من حيث القيمة السوقية. هذا الخلل يزيد من تعرض الاقتصاد لكل من التغيرات السياسية والصدمات الخارجية وبذلك يرتفع خطر العودة المفاجئة للنمو الى معدلاته الطبيعية مما يهدد بالكساد. منطقة اليورو يستمر النشاط الاقتصادي في الارتفاع في منطقة اليورو ويبلغ معدل النمو حسب تقديرات النمو ربع السنوي 3 ـ 5.3% في اجمالي الناتج المحلي بحلول نهاية العام الجاري. ولاتزال البيانات بصفة عامة عن منطقة اليورو غير كاملة ويختلف الوضع من بلد الى آخر, لكن البيانات التي ظهرت حتى الآن عن منطقة اليورو تشير الى نمو قوي في الطلب في مواجهة الصناعة والمخزون, اللذين يقتربان من دورة الانخفاض, وهناك ارتفاع في مؤشرات الثقة باستثناء الموشر الألماني. وقد أدى النمو الاقتصادي الكبير في الولايات المتحدة, اضافة الى جنوب شرق آسيا, مع انخفاض سعر اليورو الى زيادة الصادرات من منطقة اليورو. غير ان منطقة اليورو بصفة عامة تمثل فيها الصادرات جزءا صغيرا من الاقتصاد مقارنة بأية دولة منفردة )لأن أكبر الشركاء التجاريين للدول في منطقة اليورو يقع ايضا في المنطقة نفسها( بما يشير الى ان الطلب المحلي في بعض الدول ايضا مرتفع, ورغم تشديد السياسة النقدية مؤخرا, الا انها توسعت في العامين الماضيين وحدث انفراج في السياسة المالية في عدد من الدول الواقعة داخل المنطقة عقب الانخفاض الطبيعي في عجز الميزانيات. وفي الوقت نفسه فإن عددا من دول منطقة اليورو ومنها اسبانيا وهولندا وايطاليا وفرنسا )التي تشترك في تحديد ساعات العمل الاسبوعية بـ 35 ساعة( قد خففت من لوائح سوق العمل. وقد ساعد ذلك في رفع معدل التوظيف نسبيا, وبالنسبة الى اجمالي النواتج المحلية, مما حفز الطلب الاستهلاكي, لكن الاستثناء هنا هو ألمانيا حيث تباطأ معدل التوظيف ولايزال الطلب الاستهلاكي منخفضا ربما لأسباب منها عدم الوضوح في تفاصيل الاصلاح الضريبي. حتى مع هذا الوضع يحتمل ان يظل معدل نمو الطلب الاجمالي في منطقة اليورو مرتفعا بشرط ان يتجنب الاقتصاد الامريكي العودة المفاجئة الى معدلات النمو الطبيعية. والمتوقع ان يسجل معدل نمو اجمالي النواتج المحلية في منطقة اليورو نموا بنسبة تتراوح حول 5.3% خلال العام الجاري و3% العام المقبل. لكن القضية في منطقة اليورو تتعلق بجانب العرض فسوف يصل معدل التوظيف في أواخر العام المقبل, ان لم يكن قبل ذلك الى دورة الانخفاض الطبيعي, وتشير الشركات بالفعل الى انخفاض مستوى الطاقة الانتاجية المتوفرة. ويسجل اجمالي الاستثمار في منطقة اليورو معدل نمو ابطأ منه في الولايات المتحدة أو بريطانيا, رغم انه يحتمل ان يتزايد وحتى اذا حدث ذلك يظل معدل البطالة في منطقة اليورو أعلى من المعدلات المسجلة في فترة السبعينيات. ومن المحتمل ان يقلل تزايد مرونة سوق العمل مع النمو المدفوع بنشاط قطاع الخدمات من معدل البطالة الطبيعي. وتثير تسويات الاجور الأقل من المتوقعة التي جرت هذا العام في ألمانيا وبعض تفاؤل مشوب بالحذر في هذا الصدد, لكن الوقت لايزال مبكرا للشعور بالثقة الكاملة. اليابان والشرق الأقصى يبعث الاقتصاد الياباني اشارات متضاربة ومتداخلة, لكن الجانب الايجابي منها يشمل المؤشر العام لعودة النمو لفترة ما وطلبات توريد الآلات من القطاع الخاص )وهو مؤشر هام على الاستثمار( تسجل ارتفاعا, كما أوضح مؤشر تانكان عند الربع الأول من العام للصناعة مزيدا من التحسن, ويبدو ان أرباح الشركات غير المالية في تحسن, ومعدل نمو الصادرات قوي نتيجة للانتعاش الاقتصادي في شرق آسيا, وهناك ايضا ارتفاع في الانتاج الصناعي. أما الجانب السلبي فيتمثل في ان كل مؤشرات الانفاق الاستهلاكي ضعيفة ولاتزال اسعار المستهلك في انخفاض على أساس معدل سنوي, ويستمر معدل التضخم في الارتفاع رغم ان المعروض من الوظائف في انتعاش نسبي, ولاتزال قروض البنوك في انخفاض, ويرتفع سعر الين الياباني بنسبة 20% مقارنة بالعام الماضي, وانخفضت اسعار الأسهم بشكل كبير منذ ابريل من العام الجاري. وقد كانت بيانات الدخل القومي الياباني ربع السنوية مختلفة بشكل كبير في الفترة الأخيرة. أولا معدل النمو في اجمالي الناتج المحلي خلال الربع الأول كانت مرتفعة )إلا اذا كانت كذلك لأنها معدلة بالنسبة ليوم العمل الاضافي بسبب العام الكبيس( ويأتي ذلك بعد بيانات ربعين سنويين كانت فيهما هذه الارقام منخفضة جدا. وتشير متوسطات النمو الى معدل نمو سنوي بنسبة 1% خلال العام الجاري وبنسبة 9.1% خلال العام المقبل, لكن التفاوت الكبير في الارقام يعني ان هناك نسبة خطأ كبيرة في التوقعات. ولابد ان يكون هناك ارتفاع في الانفاق الاستهلاكي الياباني حتى يصبح معدل النمو مستمرا. وتنعقد الآمال حاليا على مدفوعات رفع الدخول ذات العلاقة بمكافآت الارباح وبالتالي ارتفاع الانفاق الاستهلاكي, لكن الصعوبة تكمن في اعادة الهيكلة التي أصبحت أمرا ضروريا بعد انفجار فقاعة أسعار الاصول في الفترة من 1985 حتى 1990. وكانت اعادة الهيكلة قد تأجلت خلال السنوات القليلة منذ انفجار الفقاعة لكنها جارية حاليا. وقد خفض ذلك من نسبة ضمان توفير الوظائف وبالتالي القيمة الحالية للدخل المستقبلي مما يجعل المستهلكين أكثر حذرا في الانفاق. ومن المعتاد في هذا الحذر ان تتزايد نسبة المدخرات التي بلغت تاريخ الاستحقاق وقد ارتفعت هذه المدخرات بالفعل بحلول ابريل العام الجاري, برغم العائدات المنخفضة التي تدرها هذه الودائع الآن. وقد أجريت انتخابات في اليابان خلال العام الجاري ومن غير المعروف أي الساسات سوف تتبعها الحكومة. بقية آسيا النمو الاقتصادي التدريجي مستمر بقوة في بقية اجزاء آسيا, حيث سجل معدل نمو اجمالي الناتج المحلي في كوريا الجنوبية مثلا نسبة 13% على أساس معدل سنوي خلال الربع الأول من العام الجاري. ولا غرو ان التجارة تنمو وتتوسع في المنطقة وبقوة, غير ان أسواق الأسهم عانت موجات من الانخفاض مؤخرا لأسباب منها تغير اسعار اسهم الشركات التكنولوجية بفعل التغيرات التي وقعت في الولايات المتحدة. وتعتمد المنطقة الى حد ما على نمو الاقتصاد الامريكي خاصة نمو الصناعات التي تستخدم اشباه الموصلات. كتب المحرر الاقتصادي