لقد لجأت دول مجلس التعاون الخليجي الى استخدام الاحتياطي بعد تراجع أسعار النفط. ومن المنظور الاقتصادي فإن استخدام الاحتياطي من العملات الناجمة عن تصدير النفط يعد بمثابة الاسراع في استنزاف الثروة النفطية. فلو استمر تراجع النفط لفترة أطول بعض الشيء من تلك التي تعودنا عليها, ربما لعدة سنوات, فإننا سوف نستنزف الاحتياطي ومن ثم ستأتي المصاعب الكبيرة. لهذا فنحن بحاجة لسياسات هيكلية تسهم في تطوير العلاقة بين الموازنة العامة والاقتصاديات الخليجية بحيث تضعف من تأثير تقلبات أسعار النفط على أداء هذه الاقتصاديات. ومن المهم ان توضع هذه السياسات ضمن اطار عام ونعني بذلك بتحديد هدف أو أهداف اقتصادية استراتيجية نهدف الى تحقيقها على المدى البعيد. إن كثيرا من المؤشرات الاقتصادية الراهنة لا تبشر بمستقبل زاهر وثابت لأسعار النفط في المستقبل البعيد حيث من المتوقع ان تستمر ضغوط الدول المستهلكة في سن ضرائب مباشرة على النفط لسد العجوزات في ميزانيات الانفاق لدى الدول الصناعية والنامية, ناهيك عن تأثيرات بروتوكول كيوتو في الحد من استهلاك النفط بحلول عام 2010 والذي يقدره احمد زكي يماني رئيس مركز الدراسات العالمية للطاقة بمعدل 5.4 ملايين برميل يوميا. ونتيجة لهذا البروتوكول يتوقع ان يخسر النفط موقعه التنافسي بما لا يقل عن 5.2 دولار للبرميل في عام 2005 وحوالي 6 دولارات للبرميل بحلول 2010 وذلك عن طريق سن ضرائب من قبل الدول الصناعية المستهلكة على المنتجات النفطية لتقليل الآثار البينية الضارة الناتجة عن احتراق هذا الوقود. ولكي ندرك بصورة أوضح أهمية النفط في حياتنا الاقتصادية والاجتماعية راهنا ومستقبلا, يمكننا ان نلاحظ بداية ان هناك علاقة مباشرة بين تحقيق الدخل الريعي من النفط ودرجة الاستقرار الاجتماعي. في نظم الاقتصاد الريعي لا تحتاج الدولة الى الافراد حيث تقوم الدولة بتحمل الحد الادنى من الانفاق على مواطنيها دون الحاجة الى مشاركتهم المباشرة في تحمل الاعباء الضريبية. وفق هذه المعادلة امكن للدول المنتجة تحقيق نوع من الاستقرار الاجتماعي والسياسي بين مواطنيها, الا ان ذلك لا يعني في الحقيقة تحقيق اقتصاد وطني معتمد على نفسه. الدكتور مارفن زونيس استاذ الاقتصاد السياسي الدولي من جامعة شيكاغو أشار في دراسة الى ان انخفاض اسعار النفط سيؤدي الى الاخلال في عملية المساومة الاجتماعية (في الدول المنتجة للنفط. الأمر الذي قد يهدد عملية الاستقرار السياسي الذي تمتعت به هذه المنطقة منذ مطلع السبعينيات من هذا القرن. ويستطرد مارفن زونيس في سياق الكلام بأن الدول المنتجة للنفط لم تتمكن حتى الآن من تحقيق مجتمعات اقتصادية قادرة على الاستمرار أو حتى طبقة متوسطة فاعلة تساهم في تطوير مجتمعاتها بالقدر الذي تمكنت فيه من خلق عدد غير قليل من الاثرياء. تجدر الاشارة الى ان مجموع الموجودات البنكية في العالم العربي تقل عن موجودات بنك تشيس منهاتن على سبيل المثال. فدول الخليج العربية المنتجة للنفط بلغ عدد سكانها بحلول عام 1998 ما يقارب الـ 25 مليون نسمة ويقدر ناتجها الإجمالي بحوالي 235 مليار دولار. للملاحظة: هذا الدخل يقل عن سويسرا والتي يصل عدد سكانها الى 6 ملايين نسمة ولا تنتج نفطا البتة. ان اعتماد استراتيجيات التنمية سوف يبقي على الموارد البشرية والطبيعية المتوفرة بدول المجلس وكذلك الموقع الجغرافي المتميز. ولكن في ظل المنافسة الشديدة من قبل الدول المختلفة اقليميا ودوليا, هل يمكن اعتبار هذه العوامل كميزة نسبية تتمتع بها دول المجلس مع الدول المنافسة؟ خاصة وان هذه الدول تتمتع بموارد طبيعية هائلة وبنفقات عالية على التعليم والتدريب. لذلك لابد من مواصلة تطوير مناهج التعليم والادارة, حيث ان نظام التعليم هو ان يصنع ويخلق جهاز الادارة, وجهاز الادارة في الوقت نفسه هو الذي يطور جهاز التعليم. كذلك ضرورة الانفتاح على التقدم العلمي والتكنولوجي وتأهيل المؤسسات الانتاجية الوطنية تأهيلا كاملا من حيث الانتاج والترويج والتمويل والاستثمارات وتأهيل القطاع الخاص ليكون قادرا على تطوير الأداء الاقتصادي وتبني الأساليب الحديثة ومواصلة نهج التكامل الاقتصادي بين الدول الخليجية والعربية. حسين محمد