على الرغم من ان هناك اتفاقا بأن الزيادة الكبيرة الحالية في أسعار النفط سوف تؤدي الى تحسن الاوضاع الاقتصادية بدول مجلس التعاون الخليجي, فإنه يبدو ان هناك فرقا بين دورة ارتفاع أسعار النفط الحالية والدورات السابقة, ففي هذه الدورة لم يؤد الارتفاع الكبير في ايرادات النفط الى زيادة موازية في الانفاق العام, إذ انه بالرغم من الايرادات الفعلية تخطت الايرادات المتوقعة في موازنات عام 1999 الا ان معظم دول مجلس التعاون الخليجي التزمت بالانفاق المستهدف في موازناتها. وتقول دراسة صدرت حديثا ان دول المجلس كانت تنظر في السابق الى مشكلة تراجع الايرادات النفطية على انها مشكلة تدفق نقدي عابرة لذلك تعاملت معها من خلال الغاء أو تأجيل تنفيذ بعض مشاريع البنية الأساسية والسحب من الاحتياطيات الخارجية أو ما تبقى منها, وتأخير تسديد المستحقات للمقاولين والاقتراض من الاسواق الداخلية لتمويل العجز. وقد أدى هذا الى ارتفاع العجز في ميزانيات هذه الدول, إذ بلغ العجز المجمع لموازنات دول مجلس التعاون الست 8.19 مليار دولار في عام 1993 انخفض بعدها الى 9.3 مليارات دولار في عام ,1997 ثم ارتفع ثانية الى 9.15 مليار دولار في عام 1998 و2.16 مليار دولار. وباستثناء عامي 1996 و1997 فإن مجموع عجوزات موازنات الدول الخليجية من اجمالي الناتج المحلي لهذه الدول جاءت في حدود 6% سنويا خلال الفترة من 1995 ـ 2000 ورافق عجز الموازنة هذا عجز في الحسابات الجارية لمعظم دول المجلس. إن اجراءات خفض الانفاق العام خلال السنوات القليلة الماضية رغم أهميتها للحد من تراكم العجز في الموازنات العامة وارتفاع الدين الخارجي والداخلي لبعض دول المنطقة, الا انها ركزت بصفة أساسية على تخفيض الانفاق الرأسمالي على المشاريع بدلا من تقليص مخصصات التسلح والمصروفات الجارية التي تشمل الرواتب والاجور وفاتورة خدمة الدين, ولقد انخفضت مخصصات النفقات الرأسمالية كنسبة من الناتج المحلي الاجمالي من متوسط قدره 23% في الفترة من 1981 الى 1985 الى 15% خلال الفترة من 1986 ـ 1990 ثم الى 8% للفترة من 1991 ـ 1998. لقد أثبتت التوجهات سلامتها في السابق, وبات واضحا ان دول المجلس عليها المضي قدما في الاصلاحات الاقتصادية بغض النظر عن حالة اسواق النفط, بل ان الارتفاع الحالي في الأسعار يجب ان يكون حافزا للتسريع في تنفيذ هذه الاصلاحات كونها ستمكن من تنفيذها بصيغ أكبر مرونة. لقد أدى الارتفاع الهائل في الايرادات النفطية الى اضطلاع الحكومة بدور أكبر ومسئوليات أوسع مما هو عليه الحال في البلدان النامية, وشكلت السياسات الحكومية المختلفة والمالية منها على وجه الخصوص حجر الزاوية في توزيع واستخدام الموارد على مختلف النشاطات الاقتصادية والاجتماعية. كما شهدت العقود الثلاثة الماضية انتقال جزء كبير من العوائد النفطية الى القطاع الخاص, وذلك خلال الأساليب التي انتهجتها الحكومات لاعادة توزيع الثروة سواء أخذت هذه شكل توزيع الأراضي أو التوسع في التسهيلات المصرفية بفوائد منخفضة والتوظيف الحكومي... الخ, وازدادت بالتالي مشاركة القطاع الخاص وإن كانت بصورة محدودة في النشاطات الاقتصادية. وبسبب هذا الدور الكبير للدولة في الاقتصاد الوطني والتي أصر البعض بتسميته بدولة الرفاهية التي تكونت خلال العقود القليلة الماضية أدت الى انتهاج المجتمع الى نمط استهلاكي غير منتج. فعلى سبيل المثال كانت ولاتزال السلع الكمالية والترفيهية تمثل نسبة كبيرة من اجمالي الواردات. اضافة الى ذلك دور الدولة ساهم في تحفيز المجتمع لاستخدام الآخرين لأداء مختلف الأعمال والخدمات, الأمر الذي أدى الى استقدام العمالة الوافدة وخاصة الخدم من الخارج, وقد ساعد ذلك في انخفاض الانتاجية العامة. اضافة الى ان الادخار كان شبه منعدم حيث كان من الامكان تحويل الفائض الى استثمارات ضخمة. واستدل على ذلك بأن مؤشر ربط الانفاق العام بالناتج القومي لا يتجاوز في المتوسط 20 الى 30% من الحجم الكلي في الدول المتقدمة بينما في الخليج قد يصل الى معدل من 50 الى 60% خلال الفترة من 1974 الى ,1996 وهذه نسبة خطيرة جدا, وستؤثر بمرور الزمن في أداء الانتاج المحلي للاقتصاد الوطني. وبسبب اعتماد المجتمع الخليجي على الدولة أصبحت الدولة عاجزة عن تقليص بند الرواتب والاجور دون ان يتسبب ذلك في انعكاسات اقتصادية وسياسية كبيرة. ونجد ان جميع الابواب الاخرى في الميزانية قابلة للتقليص ولكن هذا البند يتراكم وليس هناك قدرة على ايقاف تراكمه السنوي بشكل حاسم. وقد أدى هذا الى البطالة المقنعة التي تصل في بعض دول الخليج الى أكثر من 80 الف موظف. وكل هذا يمثل عبئا على الدولة. حسين محمد