برغم الازمة الاقتصادية المالية التي شهدتها اسيا في عام 1997, فإن افضل ما في هذه المنطقة طوال 25 عاما, هو الانتعاش الاقتصادي. اي شيء افضل, هل هي الاموال أم السلطة أم تحقيق السلام؟ خلال الربع قرن الماضي تحققت كل من هذه الأمور في اسيا, فاثرت الحياة وانهت النزاعات واعطت سكان المنطقة الشعور بالامان والانجاز والشعور بالتحكم في مصيرهم وهويتهم. تأثر الملايين من سكان آسيا بهذه التطورات من الرجل العادي الذي ينقله المترو الى عمله الى المدير الذي يستخدم البريد الالكتروني على هاتفه المتحرك الى الدبلوماسي الذي تخلص من هموم الوساطة بين دول طال العداء بينها الى نشط يستولي على الحكم الى العلاقات بين البشر وبعضها. وبرغم عنف الازمة المالية الاقتصادية والنزاعات العرقية التي اجتاحت المنطقة فقد قطعت آسيا شوطا طويلا الى الأمام. الأزمة المالية بعد ان قضت الازمة المالية والاقتصادية على الروح الجماعية في اسيا كان عليها ان تتذكر ان لديها كثيرا من الموارد الطبيعية من ارض شاسعة وتاريخ طويل وحضارات قديمة وكثيرة من العصور الزاهية ولحظات السعادة وحتى نسبة عالية من الذكاء. كان لابد ان يسود اعتقاد بأن هناك قدرا من هذه الاشياء لايزال باقيا. لكن الامر يتجاوز مجرد منطقة اصابها وهن اقتصادي ولابد ان تتعافى منه. لابد أن تحصل آسيا على الدفعة والالهام والتعاليم لتحقيق مزيد من النجاح. فتح دنج شياو بنج الصين على العالم وأمام قوى السوق والتجارة العالمية بعد نحو ثلاثة عقود من اشتراكية ماوتس دونج. فلماذا فعل ذلك؟ لأنه لاحظ كيف ان المشروعات والتجارة ساعدت اليابان والنمور الآسيوية على انتاج منتجات تنافس العالم وتحقيق اعلى مستويات المعيشة في المنطقة. فإذا كانوا هم يستطيعون تحقيق ذلك, فإن الصين تستطيع ذلك ايضا. وانتشرت الفكرة في انحاء اسيا بفضل هذه القضية المزدوجة, السعي من اجل الانجاز الذي لا يجب ان يغفل اي مجال من مجالات الحياة, وملاحظة الحكومات لانه ينبغي الاعتراف بالانجازات التي حققها الآخرون ومن انجزها سواء كانوا داخل الحكومة او خارجها. فالفئات التجارية تشمل مديرين تنفيذيين ومديرين يدافعون عن حقوق المساهمين. وتقدر الثقافة الشعبية افضل العروض التليفزيونية واي فيلم قصير فاز بإحدى الجوائز في مهرجان كان مثلا, لكنه لم يحقق ارباحا عند عرضه في دور العرض. لكن افضل الامور هو الالهام الانساني والشجاعة والاقدام على التنفيذ. وهذا يوجد وينتشر في كل آسيا, وقد يعتقد البعض ان افضل ما وقع هي احداث او اتجاه سبب اكبر خير للاشخاص أو العائلات او الدول لكن فلاح بسيط في كمبوديا لن يفكر في المعجزة الاقتصادية الآسيوية. لانها لم تحدث ابدا في حدود اهتمامه. لكنه يشعر بالامتنان والشكر لانتهاء الحروب الايدولوجية وعمليات التطهير التي عانى منها الصينيون والاندونيسيون والكوريون منذ الخمسينات. لكنه قد يشعر ايضا بانتشار حقوق الفرد والحريات برغم استمرار انتهاكات هذه الحقوق في كمبوديا ودول اخرى في جنوب شرق آسيا. ويشعر ان هذا يؤمن له حياة اكثر امانا مقارنة بالذي يعيش في ظل دكتاتورية. الانفتاح الصيني لكن الانتقال من ريف كمبوديا الى المدينة في هونج كونج يجعل الإنسان يغير فكره بدرجة عكسية. فكيف ستكون الحياة في المنطقة الادارية الخاصة (اسم هونج كونج بعد عودتها للصين) بدون النمو القائم على ارتفاع الصادرات وانتشار المحطات الفضائية والانترنت, ناهيك عن سياسة الانفتاح في الصين؟ لقد ادى تراجع الصين عن الخلاف حول الثورة الثقافية الى الاستقرار خلال العقود الثلاثة الماضية. ومنذ استلام الصين لهونج كونج من ثلاث سنوات وهي تتمتع بمزيد من الحقوق الديمقراطية لكن اهم العوامل بالنسبة لمستقبل سكان هونج كونج هو آسيا خاصة استمرار الانتعاش الاقتصادي في الصين وتفاعلها مع العالم, الذي يزداد يوما بعد يوم بفضل عضويتها في منظمة التجارة العالمية وانتشار الانترنت والتجارة الالكترونية فيها. إن المعجزة ا لاقتصادية الاسيوية وانتهاء الحرب العالمية الثانية والثورة التكنولوجية وانفتاح الصين وانتشار الديمقراطية هي العوامل الرئيسية التي افادت الاقتصاد الآسيوي. عندما توفى ماوتس تونج عام 1976 انتهى جنون الثورة الثقافية الصينية وبعد عامين من هذا التاريخ اطلق دنج شياو بنج الاصلاحات الاقتصادية وانتهج سياسة الانفتاح. ثم زار الولايات المتحدة عام 1979 وتم تطبيع العلاقات بين البلدين. واثبتت الحرب بين فيتنام وجاراتها الاشتراكيين كيف ان الايديولوجية هي القوة الدافعة المحركة للنزاعات في المنطقة. وبعد عقد من الزمان, عمل ميخائيل جورباتشوف الزعيم السوفيتي على انهاء الحرب الباردة وتخليص اسيا من شرورها وعرض اقامة السلام مع المنطقة في أحد خطاباته. وفي عام 1989 انسحبت القوات السوفييتية من افغانستان وانسحب الفيتناميون من كمبوديا, بعد عشر سنوات من الاحتلال. ثم انضمت كل دول جنوب شرق آسيا الاشتراكية والرأسمالية الى رابطة الاسيان بحلول عام 1999. ورحبت الرابطة في ذاك العام بانضمام كوريا الشمالية الى منتداها الامني, عقب عقد اول قمة بين كوريا الجنوبية والشمالية. وقد لعبت الاصلاحات الصينية دورا مهما في القضاء على الحرب الباردة, فقد اخرجت هذه الاصلاحات الصين من قبضة الماركسية, فضلا عن انهاء تأييد الصين للتقلبات والانقلابات الشيوعية في المنطقة من اجل اصلاح ذات البين لانعاش التجارة الاقليمية. لكن أكبر فوائد التحرير الصيني اقتصاديا وتجاريا عادت على الشعب الصيني ذاته. فقد خرج 200 مليون مزارع صيني من تحت خط الفقر, وهو ما لم يحدث في تاريخ البشرية ان يخرج هذا العدد الهائل من تحت خط الفقر دفعة واحدة, وذلك بفضل اطلاق المشروعات الخاصة في المزارع. الصادرات والاستثمار الأجنبي كما ان ما صاحب ذلك من ارتفاع في الصادرات وجذب للاستثمارات الاجنبية أدى الى تحسين وتحديث المدن وساعدت في جعل الاقتصاد الصيني ثالث اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة واليابان. وارتفع نصيب الفرد في الصين من اجمالي الناتج المحلي الى أكثر من ثلاثة أضعاف فبلغ 783 دولارا أمريكيا سنويا حاليا. كما ساهمت التغيرات التي جرت في بر الصين الرئيسي في استعادة هونج كونج ومكاو في أواخر التسعينيات دون ان يحدث هروب جماعي من المنطقتين الرأسماليتين. وتزايد الثروة وارتفاع مستوى التعليم ساعد في رفع وعي الشعب الصيني بحقوقه, كما ان تزايد مستوى الانفتاح في مجال التجارة العالمية والإعلام, بما في ذلك دخول الانترنت يؤدي الى مزيد من التغيرات في الصين. واذا كان ذلك يؤدي الى انطلاق الديمقراطية فإن اعادة ضم تايوان يمكن ان يصبح أكثر من مجرد أمل يراود الشعب والقيادة الصينية. انتشار الديمقراطية الديمقراطية كانت بالفعل تتقدم بمعدلات أسرع في اماكن اخرى, على الأقل منذ منتصف الثمانينيات. في الفترة من 1975 الى 1985 كانت الحريات بصفة عامة تتراجع في آسيا, ولم تعد الهند في بداية العقد أكبر الديمقراطيات عندما أعلنت انديرا غاندي الاحكام العرفية بعد اكتشاف التلاعب في الانتخابات. وقام انقلاب في تايلاند بعد ذلك بعام, وجرت محاولات انقلاب اخرى حتى عام ,1991 كما تولى الجيش السلطة في كل من باكستان وكوريا الجنوبية. وفي عام 1981 رفع فردناند ماركوس الاحكام العرفية عن الفلبين, لكنه واصل الحكم بالقرارات الرئاسية وموافقة المجلس التشريعي على قراراته. وبدأت الامور تنفرج في منتصف الثمانينيات. وأدت وفاة تشيانج كاي شيك الى تولي ابنه تشيانج تشنج كو السلطة في تايوان. وفي عام 1984 بدأ الوريث للسلطة في نشر الديمقراطية في البلاد. واستطاعت سلطة الشعب ان تطرد فردناند ماركوس وأسرته وأعوانه من الفلبين, وتخلى زعماء أقوياء آخرون عن السلطة بسرعة كبيرة في أماكن اخرى من آسيا منهم تشون دو هوان في كوريا الجنوبية عام 1988 ومحمد ارشاد في بنجلاديش عام 1990 وقتل في حادث طائرة وضياء الحق في باكستان عام ,1988 لكنه كانت هناك نكسات للديمقراطية ايضا. الا ان ني ون تنحى عن السلطة في عام ,1988 وظل الجيش يتولى السلطة في بورما مما أفقد فوز حزب أونج سان كي الساحق في انتخابات 1990 معناه وشرعيته, لكن أكبر ضربة للديمقراطية في آسيا كانت عام 1989 عندما دمرت سلطات بكين مظاهرات الطلاب المطالبة بالديمقراطية في ميدان تيان آن مين وفي مدن اخرى في الصين. لكن الحريات واصلت طريقها في التسعينيات, فقد تدخل الملك التايلاندي في عام 1992 عقب اشتباكات دموية بين القوات والطلبة وبدأ باصلاحات سياسية جديدة. وأجرت تايوان أول انتخابات رئاسية مباشرة في النصف الثاني من التسعينيات, وهو أول رئيس صيني منتخب منذ خمسة آلاف عام. وتراجع الحكام الاقوياء في اندونيسيا وماليزيا أمام الاحتجاجات والتظاهرات التي تسببت فيها الأزمة المالية الآسيوية, فقد سقط حكم سوهارتو في جاكرتا عام 1998. الانترنت وتقدم الاقتصاد وساهم كل من التكنولوجيا والتقدم الاقتصادي في انتشار الحرية في آسيا وجعل مواطنيها أكثر دراية وتأكدا من الحقوق التي يجب ان يتمتعوا بها. ولابد ان التقدم الاقتصادي والتكنولوجي كانا مجدافين يدفعان القارب الآسيوي, وحولت المعدات الحديثة والعمليات المتقدمة الشعب الآسيوي الى شعب منتج وارتفعت الانتاجية والقدرة التنافسية وبالتالي مستوى المعيشة. وساعد مستوى ارتفاع الثروة في نمو القدرة الشرائية فراجت تجارة اجهزة الفيديو والحاسب الآلي والهواتف المتحركة. والآن تخترق الانترنت المنطقة وتنتشر فيها عقب دخول القنوات الفضائية والمحطات التلفزيونية بالاشتراك مما جعل من الصعب على الحكومات ان تفرض تعتيما اعلاميا على الشعوب. وبما ان النمو الاقتصادي مرتبط الآن بمدى التفاعل مع العالم الخارجي, فلا يمكن ان تظل الانظمة مغلقة على أنفسها, مما يأتي بنا الى أكبر قوة دافعة لتحرير آسيا وانتعاشها وهي مسيرة الانتعاش. لايزال مليارات من الآسيويين يعيشون تحت حد الفقر, ولذلك فإن السفر من اجل حياة مادية أفضل لا يمكن ان يكون الا في الأولوية الأولى من قائمة الاهتمام الآسيوي. غير انه منذ الازمة الآسيوية اصبح من الصعب تحقيق النمو المستمر القوي المتوازن دون الشفافية وقوة المؤسسات الشعبية والشركات والمشروعات الخاصة. وأصبح الانتعاش الاقتصادي الآسيوي قوة دفع نحو زيادة وعي الشعوب وثقتها بنفسها ومستوى اعتمادية المجتمع, ناهيك عن التجانس والوئام الذي ينتشر بين الدول الحريصة على انعاش التجارة فيما بينها. ولابد ان تكون المعجزة الاقتصادية هي افضل ما حدث في آسيا على مدى ربع القرن الماضي باعتبارها مفتاح الخيرات الأخرى التي تتمتع بها المنطقة الآسيوية. كتب المحرر الاقتصادي