لا شك ان التنمية البشرية تمثل التحدي الأبرز الذي يواجه دول مجلس التعاون الخليجي في السنوات المقبلة, فاداء التطورات المستجدة الاقليمية والعالمية لم يعد بالامكان الحديث عن اعداد الكوادر البشرية التي تلبي احتياجات ، التنمية وأسواق العمل بالطرق التقليدية التي كنا نتحدث عنها قبل عشر سنوات. وللأسف فإننا لم نواكب بعد هذا الجانب ـ أي جانب توفير الكوادر البشرية التي يحتاجها اقتصاد ما قبل عصر الانفتاح والعولمة ـ فكيف لنا الحديث عن توفير متطلبات التنمية البشرية مع بداية هذا العصر وما بعده. فمن الواضح اذن ان التحديات التي تواجهنا بهذا الصدد هي تحديات مضاعفة ومعقدة وبحاجة الى جهود غير اعتيادية وأساليب غير تقليدية, إذ هل نحن قد تمكنا من تحديد هوية اقتصادياتنا لعصر العولمة وأي القطاعات التي سوف نعتمد عليها بشكل أكبر وكيف ستكون تأثيرات الانفتاح الاقتصادي على اعادة تكييف دور وحجم كل قطاع من القطاعات وهل هناك استراتيجيات تنموية بديلة وهل وضعت الخطط والبرامج وهل تم التخطيط لهوية التنمية البشرية وبرامجها واستراتيجيات التنمية وما هو الدور المتوقع الذي سوف تظل تلعبه العمالة الاجنبية في استراتيجيات التنمية الجديدة؟.. انها جميعا تساؤلات افتراضية يتطلب منّا الاجابة عليها بصورة أو بأخرى حتى نتمكن من الارتقاء الى مستوى التحدي الذي تواجهه التنمية البشرية في بلادنا. ان العمالة الاجنبية تستنزف في الوقت الحاضر ما يقارب 29 مليار دولار سنويا من أموال المنطقة سنويا على هيئة رواتب فقط. وسوف يرتفع هذا الرقم الى نحو 58 مليار دولار اذا ما تم الأخذ بالاعتبار مصاريف وخدمات الاعاشة من مدارس ومستشفيات ومساكن. إلا اننا نعتقد ان هذا الرقم على الرغم من أهميته, فإنه يعتبر رقما متواضعا جدا ولا يمثل حقيقة الأرقام المستنزفة من أموال دول المنطقة, فنحن نعرف اليوم تماما ان عشرات بل مئات الآلاف من العمالة الاجنبية تشتغل في المهن الحرة والتجارة والأعمال اليدوية الاخرى سواء تحت غطاء (الفري فيزا) أو بمشاركة ومعاونة الوكيل نفسه. وقبل أيام قرأنا مقالة تلقي بعض الضوء على كيفية ادارة الأعمال الحرة التي تتولاها العمالة الاجنبية على طريقة عصابات المافيا العالمية حيث يتم وصول تمويلات من الخارج لمساعدتها على التوسع والانتشار السريع ثم تهريب الاموال بالسرعة الممكنة وتبقى هذه الأعمال معتمدة على التسهيلات الائتمانية والشراء بالأجل دون الالتزام بأي شيء ازاء السوق المحلي. واذا ما أخذنا هذا الجانب بالاعتبار علاوة على المصاريف الكثيرة الأخرى غير المباشرة مثل النفقات الخاصة بتدريب وتأهيل العمالة الاجنبية ـ وحول هذا الموضوع يقول وزير العمل البحريني ان دول المنطقة باتت من أكبر المناطق العالمية تأهيلا وتدريبا للعمالة الوافدة ـ فلنا ان نتخيل كما سيتضاعف حجم تلك الاموال المستنزفة بحيث لن تقل بأي حال من الأحوال عن 100 مليار دولار سنويا. وفيما يتعلق بالتنمية البشرية ايضا, فلقد بات من المطلوب بشكل ملح اعادة النظر في مستوى الرواتب والاجور للشرائح الأوسع في العديد من المجتمعات الخليجية التي ظلت تمتهن الوظائف الحكومية أو الانشطة التجارية والصناعية والتقاوليةوربما نستثني العديد من الوظائف المصرفية وخاصة الاوفشورية. اننا واثقون ان أي رصد تاريخي مقارن لمعدلات نمو الدخل الحقيقي لهذه الشرائح مع معدلات نمو النفقات مع الأخذ بالاعتبار تطور مظاهر الحياة الاجتماعية سوف تكون نتيجته واضحة. وكمثل بسيط هو ما أعلن عنه الجهاز المركزي للاحصاء في البحرين حول تفوق مصروفات المواطن البحريني على دخله السنوي. وأخيرا لعله من المفيد ان نكرر ان تشغيل المزيد من العمالة الوطنية ضمن عجلة الاقتصاد الوطني يعني تعظيم القيمة المضافة للاقتصاد الوطني بشكل أكبر لأن الرواتب والاجور والنفقات الأخرى سوف يعاد انفاقها أو استثمارها محليا. كذلك فإن تشغيل المميزين من العمالة الخليجية والعربية يعني تعظيم القيمة المضافة للاقتصادات الخليجية والعربية وتعزيز آفاق التكامل الاقتصادي الخليجي العربي, وهذه أهداف استراتيجية يجب أخذها بعين الاعتبار لدى التخطيط للتنمية البشرية بدول المجلس. حسين محمد