مع قيام الدول الصناعية السبع باصدار لائحة باسماء 15 دولة من بينها دولة عربية واحدة متهمة بتحول اراضيها الى ملاذ لغسيل الأموال, عادت هذه الدول لتسلط عليها الاضواء مجددا, خصوصا انها هددت باتخاذ اجراءات صارمة ضد عمليات غسيل الأموال على النطاق العالمي، او على الجانب المظلم من رأس المال الدولي كما قال وزير الخزانة الأمريكي. وتتضمن هذه الاجراءات امكانية فرض شروط او الحد من المعاملات المالية مع الدول او المناطق التي ترفض الانضمام دون قيود الى المعركة الدولية لمكافحة تبييض الاموال والحد من الدعم الذي تتلقاه هذه الدول من المؤسسات المالية الدولية. ويعرف غسيل الأموال بانه تحويل اموال تم الحصول عليها بطريقة غير قانونة من (الجرائم والسرقات وترويج المخدرات وتجارة الاسلحة والدعارة والتهرب الضريبي وغيرها) من خلال طرف ثالث لاخفاء مصدرها. وعلى الرغم من ان اكثر المؤسسات والهيئات المحلية والدولية منهمكة بشكل نشيط في الحرب ضد غسيل الأموال فان المشكلة لا تزال خطيرة وذات ابعاد كبيرة حيث تقدر قيمة الاموال المغسولة في العالم بما يعادل 31 تريليون دولار اي ما يعادل 25 في المئة من الناتج الاقتصادي العالمي. وتتنوع الاليات المستخدمة في غسل الاموال ما بين آليات تقليدية معروفة واساليب جديدة مبتكرة كطرق الدفع الجديدة ومنها النقد الالكتروني والعمليات المصرفية المباشرة بالحاسوب وشراء السلع والذهب واستخدام المناطق الحرة وتعتبر مكاتب الصرافة ومراكز تحويل النقود والكازينوهات من اهم الآليات. ولا تزال تحويلات النقد الالكترونية هي الاسلوب المفضل في غسل الاموال غير المشروعة حيث يتم تهريب هذه الاموال الى خارج الدولة وايداعها في النظام المالي لدولة اخرى ثم يعاد تحويلها الكترونيا الى الدولة المصدرة لهذه الاموال. ولاشك ان عولمة الاقتصاد ساعدت بشكل كبير ومؤثر المنظمات الاجرامية التي لا تعترف بالحدود بين الدول حيث أنه كلما زادت الاسواق الموحدة زاد اقبال المجرمين على استثمار اموالهم القذرة في مشروعات اقتصادية عالمية فالاقتصاد الاجرامي مثل الاقتصاد المشروع قد بلغ مستوى مرتفعا حسب مقياس العولمة. والمشكلة الاكثر خطورة ان المليارات الناتجة عن عمليات غسل الاموال قادرة على هز الاسواق المالية بعنف وتعريض الاستقرار الاقتصادي والسياسي في العديد من دول العالم للخطر. ولما كان غسل الاموال ينقل الطلب على النقود من دولة الى اخرى فان ذلك يؤدي الى عدم استقرار سعر الفائدة واسعار الصرف حيث يتعذر التكهن بمتابعة كميات النقود. كما تؤثر عملية غسل الاموال ايضا على توزيع الدخل حيث ان الانشطة غير المشروعة تعيد توزيع الدخل من فئات الادخار العالي الى فئات الادخار المنخفض او من الاستثمارات الجيدة الى الاستثمارات الخطرة وغير المجدية وهذا يعني ان النمو الاقتصادي للدولة سيتأثر سلبا. وتشير الدلائل المستنبطة من دراسة اجريت على 18 دولة صناعية الى ان انخفاضا جوهريا في معدل نمو الناتج المحلي تصاحب مع زيادة في عمليات غسل العوائد الاجرامية. وتقف الدول النامية في هذا الصدد عند حافة الهاوية بسبب هشاشة اقتصادياتها وعدم قدرتها على تحمل الضغوط السياسية والاقتصادية التي تمارسها الجماعات الاجرامية ذات الاستثمارات الضخمة. لذلك, فان هناك اموراً بالغة الاهمية يجب أخذها بعين الاعتبار عند وضع سياسات تتصدى لعمليات غسل الاموال منها تحقيق توازن شديد الحساسية بين منع غسل الاموال والمحافظة على حرية حركة رأس المال. وهذا الامر يتطلب صياغة وتطبيق اجراءات حذرة للسيطرة على عمليات تحويل العملات وسياسة رشيدة لمراقبة الاسواق المالية, وتهدف هذه الاجراءات الى حماية اقتصاديات الدول من الاثار السلبية لغسل الاموال دون عرقلة حرية حركة رؤوس الاموال وسهولة تحويل العملة. حسين محمد