يسبب انخفاض سعر اليورو ضغوطا كبيرة على البنك المركزي الاوروبي حتى يرفع أسعار الفائدة, وقد يكون هذا الارتفاع اعتبارا من الاسبوع المقبل. غير ان تحسن الاقتصاد في الدول الاوروبية الاعضاء في منطقة اليورو يدفع البنك الى عدم رفع أسعار الفائدة, أي الاتجاه العكسي. وتشير كل الاشارات الصادرة من البنك الى احتمالات رفع أسعار الفائدة سواء في نهاية الشهر الجاري أو الشهر المقبل. لكن احتمالات ان يؤدي ذلك الى الحد من انطلاق النمو الاقتصادي الاوروبي تدفع البنك الى كف يده عن أسعار الفائدة. فقد يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة الذي يهدف الى الحد من ارتفاع معدلات التضخم بسبب انخفاض سعر اليورو الى عرقلة الانتعاش الاقتصادي في بعض دول منطقة اليورو الكبيرة, خاصة ألمانيا وايطاليا. يعاني اليورو من موجة انخفاض اخرى, فقد انخفض اليورو الى 10.89 سنتا )8910.0 دولار امريكي( في الاسواق الاوروبية أواخر الاسبوع الماضي, أي بارتفاع نصف سنت فقط على أقل معدل له بلغه في مايو حيث وصل الى 8845.0 دولار أمريكي قبل ان يتعافى ويرتفع الى 8980.0 دولار بعد ذلك في اوروبا. هل تهديد التضخم حقيقي؟ يقلل القادة السياسيون من اخطار ارتفاع معدل التضخم وتصرخ المؤسسات الصناعية الكبرى بالفعل من ارتفاع أسعار الفائدة وتشكو منه. يقول هانز ايتشل وزير المالية الالمانية انه لم يشاهد أخطاراً تضخمية في ألمانيا وطالب بالهدوء والتروي بشأن الانخفاض الأخير في سعر اليورو. وقال الوزير في برلين ان معدل التضخم في انخفاض, فإذا انخفض سعر البترول, لن يكون هناك ما يهدد استقرار الأسعار في ألمانيا, فقد انخفضت معدلات ارتفاع الاسعار في ثلاث مجموعات سلعية في ألمانيا خلال الشهر الجاري بنسبة 1.0% مقارنة بالشهر الماضي, وقد يؤدي هدوء معدلات الارتفاع السنوي الى انخفاض طفيف في التضخم السنوي مقارنة بنسبة 9.1% التي سجلت في يوليو. ويقول رئيس اتحاد تجار الجملة المصدرين الألماني مايكل فوكس ان الاقتصاد الالماني قد لا يستطيع تحمل ارتفاع أسعار الفائدة. ويضيف ان البطء في نمو الاقتصاد الأمريكي قد يخفض الطلب على السلع الاوروبية. وتستورد الولايات المتحدة 4.13% من الصادرات الاوروبية, أي تحتل المركز الثاني عالميا من حيث سوق الصادرات الاوروبية عقب بريطانيا. مؤشر الثقة الألماني والحقيقة ان مؤشر الثقة في الأعمال التجارية الذي نشرته مؤسسة انفو الالمانية الاسبوع الماضي أثبت ان قطاع الأعمال الألماني متشائم منذ نوفمبر الماضي. لكن البنك الاوروبي لايزال يتوخى الحيطة والحذر, وقال ان أوتمار ايسنج عضو مجلس ادارة البنك وكبير خبراء الاقتصاد فيه ان العوامل التي يعتبرها البعض أدلة على بطء النمو الاقتصادي هي في الواقع علامات على انحسار في النمو وتراجع التوسع. والبنك الاوروبي يشعر بالقلق بشأن ارتفاع معدلات التضخم بسبب ارتفاع أسعار البترول وانخفاض سعر اليورو. ويضيف ان تطورات توقعات مستقبل الأسعار على المدى القصير )بالنسبة للبترول( قد تدهورت. انخفاض اليورو انخفض سعر اليورو بنسبة 23% أمام الدولار الأمريكي منذ بداية التعامل به العام الماضي. وقد سبب انخفاض اليورو اضافة الى ارتفاع أسعار البترول ارتفاعا بنسبة 20% في تكلفة الواردات. ويرى البنك الاوروبي ان هذا الارتفاع في سعر الواردات قد يسبب ارتفاعا في الأسعار الاستهلاكية بنسبة 1% على مدى العامين أو الثلاثة المقبلة. ويصل معدل التضخم في منطقة اليورو الى 4.2% حاليا, أي أعلى من نسبة 2% التي حددها البنك الاوروبي على انها أقصى ارتفاع في معدل التضخم يمكن السماح به. رفع أسعار الفائدة رفع البنك المركزي الاوروبي أسعار الفائدة منذ نوفمبر الماضي بنسبة 75.1% لتصل الى 25.4% من أجل كبح جماح معدل التضخم الذي يرتفع بسبب انخفاض سعر اليورو وارتفاع أسعار البترول والعمل على تعزيز وتقوية الاقتصاد. ويعتقد غالبية خبراء الاقتصاد ان البنك الاوروبي ينوي رفع أسعار الفائدة هذه المرة بنسبة 25.0 أو 50.0%. آثار اطلاق اليورو منذ أطلقت الدول الاحدى عشرة الأوروبية العملة الأوروبية الموحدة العام الماضي, في اطار الاتحاد النقدي الأوروبي اصبحت كل دولة عضو أقل عرضة من التقلبات اليومية لسعر العملة نتيجة للتجارة البينية داخل دول المجموعة. إلا انه مقارنة بالولايات المتحدة واليابان, فإن منطقة اليورو لاتزال اقتصادا مفتوحا نسبيا. وتمثل صادرات السلع والخدمات 17% من اجمالي الناتج المحلي في منطقة اليورو, مقابل 11% للولايات المتحدة و9% في اليابان. وانخفاض سعر اليورو يعطي الصادرات الأوروبية دفعة في وقت ما, في وقت يتوقعون فيه ان يسجل الاقتصاد معدل نمو بنسبة 5.3% العام الجاري, مقابل 4.2% العام الماضي. انخفاض منطقي ويعتبر انخفاض سعر اليورو امرا منطقيا وبغض النظر عن مدى تحسن الاقتصاد الأوروبي, فإن الاقتصاد الامريكي هائل وضخم ومستمر في مفاجأة الجميع. ويعترف السنج بأن اليورو يقع تحت ضغوط بسبب الانباء الطيبة عن نمو الاقتصاد الأمريكي. لذلك من المنطقي ان تكون الولايات المتحدة عنصر جذب للاستثمارات مقارنة بمنطقة اليورو. واثبتت المحافظ الاستثمارية تدفقات نقدية بلغت 1.5 مليارات يورو في مايو خروجا من أوروبا نتيجة للاستثمارات الكبيرة للمستثمرين من منطقة اليورو, في السوق الأمريكية خاصة الاسهم والسندات. كيف يتم رفع سعر اليورو قد يكون الارتياح بشأن ارتفاع سعر اليورو هو نفس سبب انخفاضه الآن. ألمانيا تتحول الآن من اعلى الدول الأوروبية ضريبيا الى اقلها, وسوف يؤدي الاصلاح الضريبي الألماني الذي وافق عليه البرلمان الشهر الماضي الى اثر بالغ على سعر اليورو قريبا لعدة اسباب. أولا: خفض المعدلات الضريبية. سوف ينخفض الحد الاقصي لضريبة الدخل الى 42% مقابل 51% بحلول عام 2005 وسوف ينخفض الحد الادنى للضريبة الى 15% مقابل 23%. ثانيا: ضريبة الشركات التي انخفضت الى 25% مقابل 40% مع انخفاض الضريبة على رأس المال الى 40% وعلى العائدات الى 30%. ثالثا: الشركات التي تملك اسهما في شركات اخرى سوف يكون بمقدورها بيع هذه الاسهم دون ضرائب وبالتالي تيسير وتسهيل العلاقة بين الشركات والبنوك. هذه العلاقات المتداخلة تسبب قيودا على رأس المال وغالبا ما تحد من مستويات الابتكار. وسوف يمكن الاصلاح الضريبي الألمان من البدء في عملية إعادة هيكلة الشركات وهو تطور صحي ومهم جداً. بفضل هذه الاصلاحات من المتوقع ان يرتفع معدل النمو الاقتصادي بنسبة ربع في المئة سنويا, وهو ارتفاع كبير بالنسبة لاقتصاد ناضج ومتقدم. الأهم من ذلك ان اعادة الهيكلة الصناعية )التي شجعتها الاصلاحات الضريبية( سوف تجذب مزيدا من الاستثمارات الى المانيا مما سيكون له اثر جيد على اليورو. وسوف تدعم هذه الاصلاحات الاقتصاد الألماني واليورو معا وكلما زاد الاقتصاد الالماني قوة زاد اليورو قوة والعكس بالعكس ايضا. واذا جاءت هذه الاستثمارات من دول منطقة اليورو لن يكون لها أثر على سعر اليورو. غير ان هناك ما يدعو للاعتقاد بأنه يحتمل ان تأتي غالبية الاستثمارات الأجنبية المباشرة الى المانيا من خارج منطقة اليورو. البحث عن استثمارات من خارج منطقة اليورو سوف تكون غالبية الاستثمارات في شكل اندماجات وشراء شركات كما كان الحال خلال السنوات القليلة الماضية. والشركات الالمانية الكبرى هائلة الحجم بالفعل وبالتالي لا تستطيع شركات اخرى في الدول المجاورة الاصغر ان تستوعب هذه الشركات الكبيرة. في الوقت نفسه تتضاءل فرص الاستثمار في الولايات المتحدة لان الاقتصاد الامريكي المتنامي استوعب الكثير من عمليات الاندماج وشراء الشركات. لذلك فإن الشركات الامريكية سوف تظل تبحث عن استثمارات في الخارج. وقوة الدولار النسبية مقابل اليورو سوف تشجع الشركات الأمريكية على البحث عن كثب عن شركات مرشحة للبيع لتشتريها كليا او جزئيا في المانيا واصول في منطقة اليورو بصفة عامة, حيث اصبحت هذه الاصول اقل تكلفة بالنسبة للمستثمرين الامريكيين من حيث القيمة الحقيقية لأن الصادرات الأمريكية اصبحت اكثر تكلفة. كما ان استثمارات المخاطرة الامريكية اصبحت اعلى انتاجية بسبب الضعف النسبي لليورو. لماذا لا يستثمرون في بريطانيا؟ اذن لماذا لا يتجه المستثمرون الامريكيون إلى بريطانيا للاستثمار المباشر وهو المكان المفضل لهم؟ بما ان الجنيه الاسترليني ارتفع ايضا مقابل اليورو, فإن الشراء داخل بريطانيا لم يعد جذاباً بالنسبة للمستثمرين الامريكيين. لكنهم يستطيعون تحمل تكلفة الشركات الالمانية, بفضل خفض الضرائب وسيبدأ ذلك قريباً وبسرعة. لذلك ينبغي ان تزداد التدفقات المالية على اوروبا, وسوف يفيد ذلك سعر اليورو على المدى البعيد. وسوف تصل العائدات الالمانية إلى مستويات الارباح الامريكية مع اصلاح ضريبة الشركات الالمانية. وقد بلغت نسبة الارباح الصافية من المبيعات في جميع الصناعات في الولايات المتحدة في الفترة من 1994 حتى 1998 إلى 2.5%, مقابل 3.2% في المانيا. لكن اصلاح ضريبة الشركات والضرائب عموماً في المانيا سوف يرفع الارباح إلى هذه النسبة. والمتوقع ايضا من آثار الاصلاح الضريبي ان المستثمرين الالمان لن يتقيدوا بالاسهم الالمانية لاسباب ضريبية. فلن يخصم دافعو الضرائب الالمان مدفوعات ضرائب الشركات الالمانية من التزاماتهم تجاه ضريبة الدخل الشخصي. وقد رفع المكسب العائد من الاعفاءات الضريبية معدل نمو العائد الداخلي بنسبة 3.3% بالنسبة للمستثمر الالماني بشكل غير حقيقي؟ وهذا جعل المستثمرين الالمان ينحازوا لاسهم الشركات الالمانية ويمكن تجنب هذا الانحياز احياناً بإنشاء شركات قابضة معقدة في الخارج. ومع زوال هذا الانحياز بفعل الاصلاحات الضريبية من المتوقع ارتفاع التدفقات النقدية من المانيا, مما قد يحد من نمو اسعار الاسهم الالمانية حتى يحدث هذا الاثر, اضافة إلى الاسراع بآثار اعادة الهيكلة, وهنا يتوقع المستثمرون الالمان عائدات مرتفعة من الاستثمارات الخارجية. لكن غالبية التدفقات الاستثمارية يحتمل ان تظل داخل حدود منطقة اليورو, فلا تتأثر اسعاره بشكل كبير. والافتراض الآن هو ان نمو اجمالي الناتج المحلي وارتفاع الارباح في اوروبا سوف يشجع المستثمرين الالمان على الانفاق داخل منطقة اليورو في المقام الاول وداخل دول اوروبا الشرقية التي ترتبط عملاتها باليورو. الانخفاض الحالي انطلاقاً من هذه النظرية لابد ان يكون اثر الاصلاح الضريبي في المانيا هو ارتفاع سعر اليورو. وسوف يرحب البنك الاوروبي بذلك, حيث يخشى البنك المركزي ان يؤدي الانخفاض الحالي في سعر اليورو إلى رفع معدلات التضخم اعلى من السقف الذي حدده بنسبة 2%. عندئذ سوف يرفع البنك الاوروبي اسعار الفائدة مما قد يعوق النمو الاقتصادي. كما ان الارتفاع المتوقع في سعر اليورو قد يحد من معدلات النمو الاقتصادي. ثم يرتفع سعر الفائدة الحقيقي مدفوعاً بالطلب على القروض من الشركات التي تتوسع. وفي وقت قريب لن تتمتع الولايات المتحدة بفارق كبير في سعر الفائدة بينها وبين الجانب الآخر من المحيط الاطلسي )اوروبا(. وسوف يصبح اليورو اقوى واكثر استقراراً مقارنة بالدولار. لا يزال الاصلاح الضريبي في المانيا خطوة محمودة لكنها غير كافية. فلابد من زيادة تحرير شركات الاتصالات, او قطاع الاتصالات من اجل تحقيق الاستفادة الكاملة من الانترنت التي تمثل عنصراً تتزايد اهميته في القدرة التنافسية الامريكية في مواجهة اوروبا. والخصخصة الكاملة لقطاع الاتصالات في كل من فرنسا والمانيا خطوة هامة جداً على هذا الطريق ولابد ان تتخلى الحكومات الاسبانية والايطالية عن اسهمها في شركات الاتصالات الكبرى. لماذا اصلاح قطاع الاتصالات؟ لماذا يعتبر اصلاح قطاع الاتصالات ذا اهمية كبيرة بالنسبة لسعر اليورو؟ سوف تستمر خدمات البنوك وشركات التأمين في الانتقال إلى الشبكة الالكترونية. فإذا كانت قوة العملة مرتبطة بكفاءة قطاع الخدمات المالية لابد ان تتسارع خطى دخول الدول الاوروبية في ايجاد سوق تجارية الكترونية متكاملة للخدمات المالية والا سيعاني اليورو ضغوطاً. هذا يعني ان اصلاح قطاع الاتصالات في الدول الاوروبية سوف يعني مزيداً من قوة العملة الاوروبية الموحدة, شأنه شأن اثر الاصلاح الضريبي في المانيا, اكبر الاقتصاديات الاوروبية. كتب المحرر الاقتصادي