كشف مرجع في مصرف لبنان )البنك المركزي( ان كتلة غير محددة من أموال الاستثمارات الخارجية امتنعت عن الدخول الى السوق اللبناني, واخرى فيه هربت بسبب استمرار وضع لبنان على اللائحة السوداء للدول غير المتعاونة، في مجال مكافحة تبييض الاموال نتيجة رفضه التخلي عن قانون (السرية المصرفية) التي تشكل احدى دعائم خصوصية النظام اللبناني ودوره داخليا واقليميا وخارجيا. موقف دولي صارم ويقول المرجع ان السلطات اللبنانية المعنية تواجه مأزقا ازاء الموقف الدولي الصارم المصر على ادراجه في تلك اللائحة, وقد تلقت قبل أيام رسالة توضيحية من الأمين العام التنفيذي لمجموعة العمل الدولية لمكافحة تبييض الاموال )جي.اهي.اف.اي( باتريك موليت يؤكد فيها ألا نية مبيتة لدينا ضد لبنان في كل ما يتعلق بالسرية المصرفية, فهذه السرية شرعية, لكن ما نطلبه هو تكييفها, لكي لا تكون متعارضة مع العمل لمحاربة تبييض الاموال, مشددا على (ان الكرة هي في ملعب الدول الـ 15 المدرجة على اللائحة السوداء, ولن نقبل بتصريحات عامة واعلان نيات, بل ما نريده هو تكييف قوانينها) . ويضيف موليت: (ان نهجنا في مجموعة العمل لا يقوم على الغاء تلك السرية بجرة قلم, فهذا غير منطقي, والسرية المصرفية شرعية والجميع موافقون على ضرورة الحفاظ عليها, وما من أحد طالب برفعها كليا, ولكن ما نتمناه هو ألا تكون هذه السرية مبالغ فيها وصارمة, بحيث تحول مثلا دون قيام أي تحقيق داخلي أو خارجي. ما نطلبه هو تكييف السرية المصرفية حتى لا تكون متعارضة مع كل مسعى لمحاربة تبييض الاموال. ثم يؤكد في رسالته: (اننا نطالب بذلك, فإننا لا نهدف بالطبع الى ضرب القواعد الاقتصادية للبنان, فهناك دول كيفت سريتها المصرفية, فيما حافظ قطاع المصارف فيها على ازدهاره وحيويته, لذلك فلا نية مبيتة لدينا ضد لبنان في هذا الصدد, ولابد من العودة الى الاقتراحات الاربعين التي نعرضها وتطبقها الدول الاعضاء في المجموعة حيث اننا نقول بوضوح ان القوانين المتعلقة بالسرية المالية للمصارف والمؤسسات يجب ان توضع بطريقة لا تؤدي الى اعاقة الاجراءات في ميدان مكافحة تبييض الاموال, إذن فإن ثمة شرعية للسرية شرط ألا تكون هذه السرية مطلقة, هذا هو مطلبنا, وهذه هي النقطة الاساسية. وترد الرسالة بصورة غير مباشرة على المقصود بالرفع الجزئي للسرية المصرفية, فيشير موليت فيها: (الى مستويين محلي ودولي, فمن الضروري اطلاع السلطات المحلية المكلفة وذلك على حساب الزبائن حين ترغب في التدقيق في مصادر تحويلات تحوم حولها شبهات تبييض للأموال, وعليه لابد من وجود تشريعات تبيح ذلك في كل دولة. اما بالنسبة الى المستويين الدولي, فالمسألة أكثر تعقيدا, إذ يجب ان تتوافر امام دولة اجنبية أو مؤسسات مثل الانتربول أو غيرها, امكانيات اجراء تحقيق في بعض المعلومات, ولابد في هذا الصدد من تعاون السلطات المحلية) . الجدير ذكره ان مجموعة العمل الدولية المشار اليها لم ترسل فريق عمل الى لبنان للتحقق من عدم تعاونه في مكافحة تبييض الاموال قبل ادراج اسمه على اللائحة السوداء وهذا ما أشار اليه موليت بصراحة حيث قال ان قرار الادراج هذا جاء نتيجة (اكتفائنا بدرس القوانين, وقد قام بذلك فريق العمل المختص ومركزه في ايطاليا, ولذلك وضعنا 25 مقياسا, ويكفي احصاء عدد المقاييس وهي 15 على 25 فيما يتعلق بلبنان, للاستدلال على ان الأمر خطير, فعلى سبيل المثال لا تتضمن القوانين اللبنانية تعريفا لتبييض الاموال ولا تحدده كجرم, ففي غياب ذلك كيف يمكن مكافحة هذه الآفة, خاصة وانه يضاف عدم وجود تصريح عن تحويلات مستثنية فيها, واعتماد سرية مصرفية صارمة تحول دون التدقيق في هوية المصدرين. الموقف اللبناني ادرك لبنان المخاطر المالية ـ الاستثمارية التي نجمت عن وضعه على لائحة الدول غير المتعاونة تلك فخلال الشهرين الماضي والجاري سجلت حركة تراجع واضحة في الاقبال الاستثماري على عكس ما كان متوقعاً. ويفيد احد المراقبين الاساسيين في السوق المالي المحلي انه: (بسبب ذلك يجد بعض المستثمرين الذين جاءوا باموالهم لشراء عقارات واقامة الفنادق في بيروت مؤخراً انهم موضع شبهات في كل تحرك لهم. وان عيون الناس والمصارف ترقبهم في كل ما يفعلون. بينما يحاولون هم جاهدين ان يتجنبوا الناس والاعلام تفادياً للحرج وتهرباً من سؤال: من اين لكم هذا؟ فإنهم بدأوا يتذمرون من ملاحقة (الاشباح لهم, ومن ابقائهم تحت مجهر الظن) . وبعد اجتماع لوزير المال الدكتور جورج قرم مع رئيس الجمهورية اميل لحود لمعالجة الامر اعلن قرم ان المبادرة العربية التي اطلقها من اجل مكافحة تبييض الاموال: (لاقت استحساناً وقبولاً لدى الكثير من مسئولي المصارف العربية, خاصة بعد ان كانوا قد اجتمعوا قبل حوالي الشهر في فندق (رويال مونصو) في باريس بدعوة من اتحاد المصارف العربية مؤكداً: (ان لبنان طالب مجموعة العمل الدولية باعادة النظر في تقريرها وقرار وضعه على اللائحة السوداء, والمجيء إلى بيروت لدرس الموضوع ميدانياً) . وعن اسس المبادرة العربية التي اقترحها يقول د. قرم (انها تقوم بالدرجة الاولى على مضاعفة التشاور حول موضوع تبييض الاموال اضافة إلى تشكيل آلية اقليمية شبيه بتلك الموجودة في امريكا اللاتينية والشمالية وشرق آسيا بهدف تنسيق المكافحة الجماعية لتبييض الاموال. وثمة سابقة في المصارف العربية عندما اتخذت مواقف جماعية في قضية استحداث نسبة لملاءة رأس المال للمصارف, فطالبت بمهل تفسح لها المجال للتقيد بالمعايير) . ويتحدث قرم عن ضغوط خارجية حول ذلك فيقول: اعتقد انه في حال تم التوصل إلى موقف جماعي على صعيد المصارف العربية, واجرينا اتصالات مع اللجنة الدولية اي مجموعة العمل لمكافحة تبييض الاموال, يمكن لكل دولة عربية ان تحسن وضعيتها في مواجهة الضغوط الخارجية. ويتابع في الاطار نفسه قائلاً: (ينتاب اي عربي شعور بان اسواقه مستهدفة, بينما هناك اسواق مصرفية ومالية اخرى لا تتعرض للضغوط ذاتها رغم انها تشهد عمليات تبييض للاموال, وهذه لم تدرج على لائحة الدول غير المتعاونة. لذلك فإنه من المستغرب ان تغيب دول معروفة بتبييض الاموال عن اللائحة السوداء, فيما ادرج اسم لبنان رغم قيامه بجهود كبيرة في السنوات الاخيرة. فالسوق اللبنانية والاسواق العربية لا تستقطب رؤوس اموال المخدرات أو الجريمة المنظمة نظراً إلى الحجم المتواضع لهذه الاسواق. كما ان لبنان لا يتمتع بميزات المركز المصرفي الذي يستقطب اموالاً غربية ضخمة. لذلك نقول ان هناك ضغوطاً خارجية بشأن ذلك علينا) . من جانبه ينقل النائب والوزير السابق شوفي فاخوري بعد اجتماعه برئيس مجلس الوزراء سليم الحص: (استغراب الحكومة للحكم على لبنان دون اجراء التحقيق المطلوب والاطلاع على ما اتخذناه من اجراءات رادعة لمكافحة التبييض المشكو منه. خاصة وانه لا يوجد في لبنان اي اثر او دليل على هذا التبييض. وقد اكد هذا مراراً حاكم مصرف لبنان, وجمعية المصارف ولاسيما ان ماهية الودائع اللبنانية وحجمها ووسائل التعامل المصرفي واتفاق الحذر والحيطة الذي وقعته المصارف, تحول عملياً دون تسهيل مرور الاموال القذرة. اننا نرى ان السبيل الافضل للحفاظ على السرية والتعاون مع المجموعة الدولية هو في ايجاد آلية قانونية لمكافحة مثل تلك الاموال دون المس بالسرية المصرفية. خطوة عملية وفي هذا الاطار خطا لبنان خطوات عملية في اتجاه ذلك (السبيل الافضل) حسب فاخوري وهو ما طالب به اساس رئيس المجموعة الدولية باتريك موليت في رسالته المشار اليها. فقد اعلن الوزير قرم على هذا الصعيد: (اننا ندرس نوع التشريعات التي تطالب بها مجموعة العمل لمعرفة ما يمكن الاخذ به وما لا يمكن, لذلك شكلنا فريقاً يضم كلاً من وزير المال, حاكم البنك المركزي, النائب الثالث للحاكم, رئيس لجنة الرقابة على المصارف, رئيس جمعية المصارف, الامين العام للجمعية ورئيس لجنة الرقابة المنبثقة من اتفاق )الحيطة والحذر(. بهدف النظر إلى الموضوع من مختلف جوانبه وفحص طلبات مجموعة العمل لمكافحة تبييض الاموال وما هو مقبول في ضوء التشريعات اللبنانية والعقلية في السوق اللبنانية. واعتقد انه من الممكن الوصول إلى نتائج مرضية, وخصوصاً اذا كان امامنا الوقت الكافي للتحضير لتغييرات تشريعية قد تطال القانون الجزائي او الطلبات القضائية التي تأتينا من الخارج) . بيروت ـ وليد زهر الدين