حتى تكتمل الصورة العامة للاقتصاد العالمي, والتي تشير إلى التحسن والنمو المستمر لهذا الاقتصاد, لابد من علاج شاف لمشكلات الدول الفقيرة. ولا يأتي هورست كولر بجديد عندما يقرر أن الحل يبدأ من داخل الدول الفقيرة, لكن ربما يكون الجديد هو تركيزه على إسقاط ديون هذه الدول ـ أو تخفيفها ـ عند تحديده لمكونات وصفة العلاج, والتي تشمل أيضا تحرير الدول النامية لاقتصاداتها ووصولها إلى الأسواق العالمية. بينما تبرز أهمية عمل صندوق النقد الدولي في (ضبطه) لمقادير وكميات هذه الوصفة, واستشعاره المبكر لأي خلل فيها قد يقود الى حالة الأزمة. الصورة العامة للاقتصاد العالمي الآن هي الأفضل طوال السنوات العشر الماضية, فتوقعات صندوق النقد الدولي تشير إلى أن الاقتصاد العالمي سيسجل نموا هذا العام يزيد عن 75.4%. ولاشك أن أحد المحركات الأساسية وراء هذه الزيادة هو النمو غير المسبوق في الاقتصاد الأميركي, والذي يخلو من أي تضخم. وهذا الأداء العالي للاقتصاد الأمريكي هو دليل تاريخي على أن الابتكار والتغيير الهيكلي والمرونة, كلها عوامل حيوية ولا يمكن الاستغناء عنها حتى يحدث الرخاء المطلوب, ولتوفير مستقبل أفضل للشعوب. وفي أوروبا أيضا تمضي عملية الإصلاح والنمو قدما, علاوة على أن معظم الدول ذات الاقتصادات الناشئة, بعد مرور سنتين أو ثلاثة على ما عانته من أزمة سياسية طاحنة, تمر الآن بمرحلة انتعاشة تصاحبها معدلات نمو صاعدة. لكن رغم ذلك لا يجب أن يكون هناك شعور بالرضا والاكتفاء بما يحدث, فهناك الكثير من المشكلات التي تنتظر حلولا. فأحد المخاطر التي يمكن أن تنجم عن هذا الموقف الاقتصادي العام الجيد نسبيا, هو أن يؤدي الوضع الحالي إلى إضعاف العزم على استمرار عمليات الإصلاح والتغيير الهيكلي. وعلى جانب آخر نجد أن العديد من التوقعات التي كانت تسودها روح التشاؤم فيما يتعلق بوضع الاقتصاد العالمي لم تتحقق, فالانتعاشة السريعة التي حدثت في الدول الآسيوية في أعقاب ما ألم بها من أزمة مالية كبيرة أثبتت أن إرشادات صندوق النقد الدولي المتعلقة بمعالجة الأزمات, لا يمكن أن تكون غير صائبة. وفي هذا الصدد يتضح بعد مرور عشرة أعوام على نهاية الحرب الباردة, أن هناك فرصا عديدة الآن, وأكثر من أي وقت مضى, لتحسين مستوى معيشة الشعوب في هذا العالم. والأمر الذي لا يمكن إنكاره في هذا الخصوص هو أن العولمة قد أفرزت فرصا عديدة للنمو والاستثمار وانتقال التكنولوجيا, فقد تسببت العولمة في إحداث توسع اقتصادي غير مسبوق ورفاهية داخل أروقة الاقتصاد العالمي. إلا أنه في الوقت نفسه يتضح أن الهوة الضخمة في الدخول بين شعوب العالم يمكن أن تشكل مصدرا مزعجا للقلاقل السياسية وعدم الاستقرار في العالم. والحل هنا ليس في إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء, وإنما الحل هو أن نجعل العولمة تعمل لفائدة الجميع, فلن يكون هناك مستقبل مشرق للأثرياء من دون أن يكون هناك فرص لتحسين مستقبل الفقراء. ومثل هذا الأمر لن يحدث من تلقاء نفسه, حيث يلزمه قدر كبير من العمل والجهد. ويأتي صندوق النقد الدولي في هذا الصدد كقوة دافعة إيجابية نحو خلق مناخ من الرفاهية يشارك فيه الجميع داخل كوكبنا الأرضي. ومن أجل تحقيق هذا الهدف, يجب على الصندوق القيام بدورين على غاية من الأهمية, الأول هو منع الأزمات من خلال عمليات الرقابة وتقديم النصيحة اللازمة, والثاني يتعلق بكيفية إدارة الأزمات. ومن بين الدروس الأساسية المستفادة من الأزمات الأخيرة التي ألمت بالعالم, التركيز بصورة أكبر من أي وقت مضى على منع الأزمات. لذا فإن الموقف الآن لا يتطلب أن يقوم الصندوق بتقديم برامج نصائح واستشارات لدول العالم, ولكن العمل بالأحرى على تحديد المشكلات مبكرا عن طريق قدر أفضل من شفافية المعلومات, والعمل على منع المشكلات من خلال تطوير اعتماد معايير متعارف عليها دوليا في مجال السياسة المالية والنقدية. فعمليات المراقبة التي يقوم بها الصندوق يجب أن تعطي اهتماما أكبر إلى القطاعات المالية في الدول الأعضاء, حتى يتسنى التعرف على نقاط الضعف وإسداء المشورة اللازمة لتحسين مستوى الأداء داخل هذه القطاعات. وفي هذا الصدد يجب أن يكون الصندوق في محور المناقشات المتعلقة بتقوية ودعم الهيكل المالي العالمي. وهذا لا يعني أن يأخذ الصندوق دور أو شكل قوة عظمى تتدخل في شئون دول العالم, ولكن الغرض هو أن يكون للصندوق دور يتم التنسيق بشأنه مع مختلف الوكالات والمنتديات العالمية الأخرى, مثل البنوك المركزية, ومنتدى الاستقرار المالي, والسلطات والهيئات الاستشارية الأخرى. ولا يمكن بهذا الخصوص إغفال أهمية أن يكون هناك تبادل مباشر للمعلومات بين الصندوق والقطاعات المالية الخاصة بصفتها عنصرا مهما في عملية منع الأزمات. وعلى هذا فإن أهم نقطة في عمل الصندوق تتمثل في أن فاعليته تعتمد على مبدأ عام, هذا المبدأ هو أن استخدام موارد الصندوق يجب أن يكون على نحو مؤقت, وأن هذه الموارد أو الأموال يتم منحها على أساس أن الجهات المقترضة تتعهد بأن تقوم بعمل التغييرات والتعديلات الضرورية في وقتها, كي يتم حل المشكلات المالية التي تعاني منها. وهذا الأمر يعني أن مبدأ الشرطية هو أمر لا غنى عنه في أية عملية إقراض يقوم بها البنك. وليس هناك من شك في أن دور الصندوق في معالجة قضايا الفقر يعتبر أهم القضايا التي يتناولها الصندوق, ولذا يجب أن يكون الصندوق على صلة مباشرة بقضايا هذه الدول وألا ينفصل عنها, حيث إن هذا الانفصال قد يؤدي إلى تعميق الفجوة بين دول العالم, علاوة على النتائج النفسية والسياسية التي قد تحدث. إن الانفراج الحقيقي الذي يمكن تحقيقه في عملية مكافحة الفقر يأتي فقط إذا قامت الدول الفقيرة نفسها بتوفير أساسيات النمو, وعملت على إيجاد مخرج لها نحو الأسواق العالمية والاستثمارات الدولية. وبالطبع فإن تحقيق مثل هذا الأمر يتطلب جهدا كبيرا وعملا شاقا, إلا أن واقع الأمور يشير إلى أنه ليس هناك بديل عن هذا. فكل يوم يمر دون عمل في هذا الاتجاه هو يوم ضائع في الحرب التي يخوضها المجتمع الدولي والدول الفقيرة ضد الفقر. وقد أوضحت التجارب بما لا يدع مجالا للشك أن التجارة والعمل الاستثماري والانفتاح على الأسواق العالمية, كلها أمور أفضل بكثير من تقديم المساعدات والبرامج الاستشارية وغيرها من أنماط المساعدة. فإذا اتحد وتوافق استعداد الدول النامية لمساعدة نفسها مع الجهود الدولية الرامية إلى تخفيف الديون عن دول العالم, ومع المبادرة الجريئة التي أطلقتها الدول الصناعية وتعهدها بفتح أسواقها أمام الدول النامية, سيكون تحقيق هدف الأمم المتحدة المتمثل في أن نصف عدد هؤلاء الذين يعانون الفقر ستنتهي مشكلاتهم بحلول العام ,2015 أمرا ملموسا على أرض الواقع. هورست كولر ـ مدير صندوق النقد الدولي