مرة أخرى يسلط د. نقولا سركيس الضوء على قضية إنسانية لها بعدها الاقتصادي المتصل بصناعة النفط العالمية, هي قضية استمرار العقوبات ضد العراق. حيث يرى د. نقولا, ومن خلال الشواهد المتساندة, أن كلا من الحصار المضروب على العراق وبرنامج النفط مقابل الغذاء, سبب لنتيجة واحدة أكيدة خلاصتها استمرار معاناة الشعب العراقي لأكثر من عشر سنوات الآن. ومع اقتراب موعد انتخابات الرئاسة الأمريكية يتبادر إلى الأذهان سؤال منطقي: هل تفعلها الإدارة الأمريكية الجديدة وترفع العقوبات عن العراق؟ أغلب الظن أن هذا لن يحدث قريبا! يفترض أنه لو كانت لدى الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي فكرة حقيقية عن العواقب الاقتصادية والإنسانية الوخيمة التي خلفتها العقوبات التي فرضت على العراق منذ عشر سنوات بالضبط, فإنه كان من غير المحتمل أن تقوم أي من هذه الدول بالموافقة على تمرير هذه العقوبات. فبمرور السنين أصبح من الواضح أن كلا من الحصار المفروض على العراق وبرنامج النفط مقابل الغذاء, والذي تم التوصل إليه بنهاية العام ,1996 أديا كلاهما إلى عواقب إنسانية واقتصادية وخيمة. أما على مستوى صناعة النفط, فقد تبين أن ما يطلق عليه برنامج النفط مقابل الغذاء, والذي كان هدفه الأساسي تخفيف معاناة الشعب العراقي لم يؤد ـ في الحقيقة ـ إلا لما يعادل ما لا يزيد عن 85.7 دولارات لكل عراقي شهريا, وهو المبلغ الذي يمثل نصيب كل مواطن من إيرادات النفط التي للعراق الحق في الاستفادة منها لاستيراد احتياجاته الأساسية من المواد الغذائية والطبية والمعدات الخاصة بصناعة النفط والغاز. ويصل الإنتاج الحالي للعراق من النفط إلى نحو 76.2 مليون برميل يوميا, وهو ما يعادل المستوى نفسه الذي كان عليه الإنتاج العام ,1989 والذي كان بالضبط 78.2 مليون برميل يوميا. وطوال الاثني عشر شهرا الماضية, صدرت العراق نفطا وصلت قيمته إلى 68.15 مليار دولار, في حين لم تزد قيمة ما صدرته العام ,1989 قبل اندلاع أزمة الخليج بعام, عن 87.11 مليار دولار, وهي السنة التي وصل فيها دخل الفرد من النفط إلى 20.58 دولارا شهريا, وهو ما يعادل 4.7 مرات ما يحصل عليه الفرد العراقي الآن! وبالأسعار الحالية, ومع الأخذ في الاعتبار الزيادة في عدد السكان في العراق, كان على نصيب الفرد من دخل النفط أن يزيد إلى 80.76 دولارا أمريكيا بالأسعار الحالية للدولار, وهو ما يعادل 10 أضعاف ما عليه دخل المواطن العراقي من النفط اليوم فعليا. إن هذا الانخفاض الهائل في إيرادات النفط يرجع إلى حقيقة أن نحو 60% من القيمة الحالية من صادرات النفط العراقية إما مجمدة في البنوك الأجنبية, أو تم تخصيصها لأغراض ليست لها علاقة بالأهداف الإنسانية التي أقيم المشروع من أجلها, والتي ليست الحكومة العراقية, إلا أحد المنتفعين منها. ولم يتحسن الموقف بمجرد أن قام قسم المراجعات التابع لأمانة الأمم المتحدة بتعديل بعض بنود وشروط القرار ,986 فقد تبين أن الأموال التي يدفعها العراق إلى مختلف وكالات ومنظمات الأمم المتحدة, مثل ما كان يسمى باليونسكوم ومكتب الارتباط التابع للأمم المتحدة في العراق وصندوق التعويضات الخاص بضحايا الحرب, يزيد سنويا بمئات الملايين من الدولارت, وكل هذه الأموال تؤخذ تحت غطاء برنامج تم عمله نظريا لأغراض إنسانية! وإحدى النقاط غير المنطقية الأخرى المتعلقة بتنفيذ هذا البرنامج تتجلى في تعليق وإجهاض أعداد كبيرة من العقود الخاصة باستيراد العراق لمعدات مطلوبة لوقف التدهور الذي تعاني منه منشآته النفطية. ويبدو هذا الأمر غير منطقي لسبب بسيط, هو أن العالم يوما بعد يوم تزداد احتياجاته للنفط العراقي, حتى يتسنى له مقابلة الزيادة المطردة في الطلب والعمل على كبح جماح ارتفاع الأسعار. إلا أنه ورغم ذلك كله فإن كميات النفط التي يستطيع ـ أو لا يستطيع ـ العراق أن يصدرها تبدو قضية ذات أهمية محدودة, إذا ما قورنت بالعواقب الإنسانية الوخيمة والمتزايدة التي نتجت عن فرض العقوبات. وقد تمت إدانة هذه العقوبات بشدة, وعلى نحو متواصل, من قبل منظمات دولية عديدة مثل اليونيسيف ومنظمة الصحة العالمية واللجنة الدولية للصليب الأحمر, والكثير من الوكالات الإنسانية في العالم, والعديد من قادة العالم والشخصيات البارزة, مثل المدعي العام الأمريكي السابق رامسي كلارك, والرئيس السابق للجنة اليونسكوم سكوت ريتر, والمديرين السابقين لبرنامج النفط مقابل الغذاء مثل هانز فون شبونيك ودينيس هاليداي وجوليا بورجارت. وهؤلاء الثلاثة الذين وردت أسماؤهم في نهاية القائمة قد استقالوا من مناصبهم, احتجاجا على ممارسات البرنامج ونقاط الضعف به وعيوبه وعدم قدرته على تنفيذ ما وضع من أجله. وفي كتاب أصدره سكوت ريتر مؤخرا, وصف هذا الرئيس السابق للجنة اليونسكوم ـ بإسهاب شديد ـ كيف تم التخلص من الأسلحة العراقية. وأضاف الرجل مؤكدا أن العراق لم يعد يمثل تهديدا لأي من جيرانه في المنطقة, وأن برنامج المساعدات الإنسانية الذي تم إقراره العام 1996 لمساعدة العراق لم يكن كافيا. أما دينيس هاليداي, فقد وصف آثار العقوبات التي فرضت على العراق بأنها (إبادة جماعية) ينتج عنها موت ما يقرب من 5000 طفل تحت الخامسة شهريا, و2000 شخص من أعمار أخرى متفاوتة. وتعمل حاليا ـ ومنذ أشهر قليلة ـ المنظمات الإنسانية الأمريكية على إرسال مواطنين أمريكيين بانتظام إلى العراق لقضاء أيام قليلة مع العائلات العراقية, كي يشاركوهم معاناتهم. وفي فبراير الماضي قام 70 عضوا من الكونجرس الأمريكي بإرسال خطاب إلى الرئيس الأمريكي بيل كلينتون, للفت انتباهه إلى ما وصفوه بالطبيعة (غير الإنسانية) للعقوبات المفروضة على العراق. وحقيقة الأمر هي أن الرئيس الأمريكي وموظفين آخرين كبارا في الإدارة الأمريكية قد سمحوا لأنفسهم أن يتورطوا في لعبة انتخابية أساسها تحدي صدام حسين, واشتراط خلع النظام العراقي لرفع العقوبات. وهذا شرط لا يظهر في أي قرار من قرارات الأمم المتحدة, والذي بدوره يخالف ميثاق الأمم المتحدة نصا وروحا. وتوضح مجريات الأمور توضح أنه من غير المحتمل أن يقوم رئيس الولايات المتحدة, سواء كان جمهوريا أو ديمقراطيا, بتغيير سياسة الولايات المتحدة تجاه العراق في المستقبل المنظور. ففي معظم الاحتمالات ستستمر العقوبات المفروضة على العراق ريثما تستسلم الإدارة الأمريكية للضغوطات التي تمارس عليها, وتوافق على وضع نهاية لتلك المأساة الإنسانية. د. نقولا سركيس ـ رئيس المركز العربي للدراسات البترولية بباريس