تعد إدارة الدين العام الحكومي, بشقيه الداخلي والخارجي, أولى مهام السياسة المالية للدول المدينة. ولعل هذا ما دفع د. مدحت حسانين وزير المالية المصري إلى تأكيد أن أمر الدين العام, في مصر وغيرها من الدول النامية, بات يتطلب السيطرة عليه من خلال خطة توازن بين توفير التمويل اللازم من المدخرات الحقيقية لتمويل الاستثمارات واحتياجات التنمية من ناحية, وبين مقتضيات تخفيض هذا الدين وتقليل أعباء خدمته إلى حدها الأدنى من ناحية أخرى. تلجأ الدولة عادة إلى الدين العام لمواجهة متطلباتها في الإنفاق العام على المناحي المختلفة المسؤولة عنها, وذلك بقدر ما تعجز الموارد الذاتية للدولة عن تغطية هذا الإنفاق. فالدين العام إذن هو دالة لمتغيرين رئيسين: الانفاق العام, والموارد العامة. وأي تغير في هذين العنصرين يستتبعه بالضرورة تغير في حجم الدين, مع مراعاة مقدرة الدولة على خدمة هذا الدين وسداد التزاماته وفوائده. وعند الحديث عن الدين العام تنبغي التفرقة بين ما تلتزم به الحكومة, أو ما يسمى بالتزام الخزانة العامة, وبين التزام باقي جهات الدولة بما في ذلك الهيئات الاقتصادية وشركات القطاع العام وقطاع الأعمال العام والمؤسسات الأخرى والقطاع الخاص على صفة العموم. فالدين العام الحكومي هو ما تكون الخزانة العامة مسؤولة عن سداده, ويمكن أن تندرج تحت ذلك القروض التي تعقدها الهيئات الاقتصادية في حالة ضمان الخزانة العامة لتلك القروض, وإن كانت هذه مسؤولية عرضية تتحول إلى مديونية في حالة إخلال الهيئات الاقتصادية التي ضمنتها خزانة الدولة في الوفاء بالتزاماتها. وينقسم الدين العام الحكومي إلى دين محلي ودين خارجي. وقد بلغ حجم الدين العام المحلي على الحكومة المصرية في نهاية يونية 1999 نحو 1.147 مليار جنيه بنسبة 2.48% من الناتج المحلي الإجمالي, وذلك مقابل 7.136 مليار جنيه في نهاية يونية ,1998 بنسبة 1.49% من الناتج المحلي الإجمالي. وعند الحديث عن الدين العام تتعين الإشارة إلى بعض الجوانب الرئيسة التي ينبغي النظر إليها بعين الاعتبار, وذلك تحديدا للمفاهيم الاقتصادية والاجتماعية لهذا الدين بوصفه أداة من أدوات تعبئة المدخرات, أو أداة لتكوين أصول رأسمالية بهدف إحداث التنمية الاقتصادية والاجتماعية. أول هذه الجوانب أن الدين العام تقابله أصول في الثروة القومية للمجتمع. فإذا كان الدين العام المحلي قد بلغ 1.147 مليار جنيه, والدين الخارجي قد بلغ 36 مليار جنيه, أي ما جملته 1.183 مليار جنيه تلتزم بها الخزانة العامة. فإن هذا الدين تقابله استثمارات عينية محققة بالجهات الحكومية بلغت خلال الفترة من 80/ 81 حتى 30/6/1999 نحو 5.134 مليار جنيه, إضافة إلى استثمارات مالية في الهيئات الاقتصادية وشركات القطاع العام وقطاع الأعمال العام بلغت نحو 8.58 مليار جنيه, يضاف إليها حصة الحكومة في الهيئات والمؤسسات الدولية بنحو 5.5 مليارات جنيه, فضلا عن وجود مستحقات للحكومة على بعض الهيئات الاقتصادية بنحو 4.21 مليار جنيه. وهكذا فإن الدين العام الحكومي البالغ 1.183 مليار جنيه تقابله استثمارات عينية ومالية تبلغ نحو 2.220 مليار جنيه, وبزيادة عن الدين العام قدرها 1.37 مليار جنيه تم توفيرها بالتمويل الذاتي. وثاني هذه الجوانب أن الدين العام المحلي ليس عبئا على الاقتصاد القومي, حيث يقتصر دوره على تحويل جزء من الدخل القومي من يد المقرضين إلى الدولة, وبذلك لا يزيد من أعباء الذمة المالية القومية. والجانب الثالث أن الدين العام المحلي إنما يمثل استخداما لمدخرات وطنية حقيقية, ومن ثم فليست له آثار تضخمية, بل على العكس يساعد على امتصاص فائض السيولة بالمجتمع (إن وجدت) وتوجيهها لمشروعات التنمية القومية. وأما رابع هذه الجوانب فهو أن الدين العام المحلي يعكس اتجاها لتعميق وزيادة المدخرات المحلية في خدمة التنمية, بدلا من اللجوء إلى الاقتراض الخارجي الذي ينبغي خفضه إلى أقصى الحدود الممكنة, وقصره على الضروري والحتمي من المشروعات التي تحتاج إلى مكونات أجنبية. وقد بات الأمر يقتضي وضع سياسة محكمة لإدارة الدين العام, والعمل على تخفيضه وتخفيف أعباء خدمته, والتي بلغت 7.25 مليار جنيه. ومن ثم فإن السؤال المطروح هو: كيف ندير الدين العام من خلال أسلوب علمي واقتصادي؟ إن الزيادة السنوية في حجم الدين العام تؤدي إلى زيادة في أعباء خدمة هذا الدين من فوائد وأقساط, وهي الأعباء التي وصلت في موازنة السنة المالية 99/2000 إلى نحو 7.25 مليار جنيه, أي ما يستوعب 25% من إجمالي استخدامات الموازنة. وتبعا لذلك فإن إدارة الدين العام في مرحلته الجديدة لابد وأن تعتمد على: آجال الدين ما بين القصير والطويل, وسعر الفائدة على الدين, والاستعانة بتجارب الدول التي لديها إدارة متخصصة في هذا المجال, ومراعاة أن كل تخفيض بواقع 1% من الدين العام يعني خفضا في أعباء الموازنة العامة للدولة بنحو 2 مليار جنيه في السنة, وأن يكون الاقتراض بالنسبة للدين الخارجي في حدود ما يسدد من هذا الدين, وهو ما يسهم في تخفيض تكلفة إدارة الدين (اقتصادات إدارة الدين). ولابد أن تستهدف السياسة المالية المقترحة تخفيض حجم الدين العام أو على الأقل عدم زيادته, ومن ثم تخفيض أعباء خدمته من خلال مجموعة من المحاور الرئيسة, منها: أهمية الالتزام بالمقدر في الموازنة العامة للدولة للاعتمادات الاستثمارية, وعدم السماح بتجاوزها إلا للمشروعات التي تمول ذاتيا, أو تلك التي يكون لها مردود اقتصادي إيجابي وتوفر فرص عمل إضافية ويسمح بسداد أعباء تمويلها. ومنها أيضا التزام الجهات المختلفة والممولين بأداء المستحقات الضريبية المتأخرة عليهم والمستحقة للخزانة العامة للدولة, والتي تبلغ نحو 6.17 مليار جنيه. وتعميق الاعتماد على الذات وتنمية مواردنا الذاتية, وتنشيط متحصلات الدولة حتى تسهم هذه الموارد الذاتية بدور أكثر فاعلية في توفير التمويل اللازم لموازنة الدولة. ومنها كذلك إعادة هيكلة الدين العام الحكومي واستبدال الديون عالية التكلفة بأخرى أقل تكلفة, والاعتماد في ذلك على السندات طويلة الأجل التي يمكن أن تسهم في تمويل مشروعاتنا التنموية بأقل تكلفة ممكنة, كما تسهم في تنشيط سوق الأوراق المالية, والمعاونة على تنفيذ سياسة السوق المفتوحة. وأيضا استخدام جانب من حصيلة الخصخصة في إهلاك قدر من الدين العام وتخفيف أعباء خدمته, بما يوفر مزيدا من الموارد لمواجهة الإنفاق على متطلبات البعد الاجتماعي. ومن هذه المحاور المسارعة بسداد الدين العام الخارجي ذي التكلفة المرتفعة سدادا معجلا, وقصر ما تحصل عليه الدولة من اقتراض خارجي على تلك القروض الميسرة التي تسهم في توفير مشروعات لشباب الخريجين بأقل أعباء ممكنة عليهم. واستخدام أساليب غير تقليدية لتحجيم تزايد الدين العام, ومن ذلك استخدام أساليب منح الامتياز مع حق الانتفاع لإقامة المشروعات وإدارتها لآجال محددة, ثم انتقال ملكيتها للدولة في نهاية هذه الآجال مثل نظام BOT وBooT, مع إمكانية اشتراط مشاركة الدولة في عوائد هذه المشروعات إذا ما زاد معدل عائدها المحقق عن معدل العائد المقبول على الأموال المستثمرة.