لاشك أن ما يجري حاليا في دول مجلس التعاون الخليجي بشأن الإجراءات المتلاحقة لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية, فضلا عن كونه قرارا في وقته الصحيح فهو خطوة ضرورية على طريق تنشيط الاقتصادات الخليجية وتوسيع دائرة عملها، وتنويع مصادر دعمها, كما أنه تفاعل منطقي مع متغيرات الاقتصاد العالمي يكسب هذه الاقتصادات المرونة المطلوبة. وبالقدر نفسه تطرح الخطوات الخليجية نحو اجتذاب الاستثمارات الأجنبية, تساؤلات حول الفائدة التي تعود على الاقتصاد الخليجي من وراء هذه الخطوات, ومدى السرعة المطلوبة للتحرك في هذا الاتجاه. تناقلت وكالات الأنباء العالمية والمحلية مؤخرا أخبارا مهمة من عدد من الدول الخليجية, وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية حول اعتزامها السماح للأجانب بالاستثمار في أسهم الشركات المحلية, وتملك العقارات. يحدث هذا في السعودية, والكويت, وقبل ذلك في البحرين وسلطنة عمان, كما سمحت دبي عن طريق شركة إعمار العقارية ولأول مرة للأجانب بتملك 20% من أسهمها. والحقيقة أن دول مجلس التعاون, ومنها الإمارات, تسعى إلى جذب الاستثمارات الأجنبية إلى مختلف القطاعات الاقتصادية, بما في ذلك القطاع النفطي الذي بقي في العديد من هذه البلدان حكرا على الاستثمارات الحكومية منذ منتصف السبعينات عندما تم شراء حصص الشركات الأجنبية العاملة في قطاع النفط. وفي سبيل تسريع عملية الاستقطاب للاستثمارات الأجنبية اتخذت دول مجلس التعاون في الآونة الأخيرة العديد من الإجراءات والتسهيلات الرامية التي تشجع الاستثمارات الأجنبية على المجيء إلى دول المجلس. ففي السعودية اتخذت الحكومة مؤخرا عدة إجراءات تتعلق بالسماح للأجانب بامتلاك العقارات وشراء أسهم الشركات المحلية, وحددت الحكومة الحد الأدني للمبلغ الذي ينبغي للشركات الأجنبية استثماره في المملكة وفقا لقانون جديد يهدف إلى اجتذاب رأس المال الذي تحتاجه بصورة ملحة. وحسب وثيقة الهيئة العامة للاستثمار السعودية, فإنه يجب ألا يقل حجم المال المستثمر عن 25 مليون ريال سعودي, أي ما يعادل 67.6 ملايين دولار للمنشأة الصناعية ومليوني ريال سعودي للمنشآت الأخرى. وتأسست الهيئة في أبريل الماضي لتوفير آلية لتطبيق قانون الاستثمار الجديد, الذي يهدف أيضا إلى تبديد مخاوف بعض المستثمرين الأجانب الذين لم يكن يسمح لهم من قبل بالاستثمار سوى في مشروعات مشتركة مع سعوديين فقط. وحددت الحكومة السعودية القطاعات التي يمكن للمستثمرين الأجانب امتلاك مشروعات فيها بالكامل, كما حددت القطاعات التي لن يسمح للأجانب بملكيتها بالكامل. وحسب القانون فإن منشآت الاستثمار الأجنبي في السعودية ستتمتع بالمزايا والحوافز والضمانات التي تتمتع بها المنشآت الوطنية, ومنها حرية تدفق الأمواه من المملكة وإليها, كما يحق للمستثمر الأجنبي الحصول على أكثر من ترخيص في قطاعات مختلفة. وفي البحرين أدخلت في السنوات القليلة الماضية تعديلات جوهرية على قانون الشركات, بحيث يسمح لرؤوس الأموال الأجنبية بامتلاك ما نسبته 100% من ملكية هذه الشركات. وفي سلطنة عمان يسمح للأجانب بالاستثمار في الأسهم المحلية, كما تقرر مؤخرا خفض رسوم الضرائب على الشركات الأجنبية من 50 إلى 30%. كما وافق مجلس الوزراء الكويتي الأسبوع الماضي على اللوائح الخاصة بملكية الأجانب للأسهم في الشركات الكويتية المسجلة بالبورصة, ويسمح للأجانب بملكية كل أسهم الشركات ونسبة 49% منها فيما يتعلق بالبنوك. وحسب تقرير لمصرف الإمارات الصناعي حول الاستثمارات في دول مجلس التعاون الخليجي, فإنه في الوقت الذي تعمل فيه دول المجلس جاهدة إلى جذب الاستثمارات الأجنبية, فإن إجراءاتها الرامية إلى الاستفادة من استثمارات القطاع الخاص المحلي وتحويلات العاملين في دول المجلس لاتزال محدودة. وتبلغ الاستثمارات الخارجية للقطاع الخاص الخليجي 800 مليار دولار, كما تبلغ تحويلات العاملين الأجانب في دول المجلس 18 مليار دولار. أما إجمالي الاستثمارات الأجنبية في دول المجلس فإنها لا تتجاوز 15 مليار دولار, أي ما نسبته 8.1% من إجمالي الاستثمارات الخارجية لدول المجلس وتحويلات العاملين مجتمعة. وبالتأكيد كما يقول التقرير فإن طبيعة الاستثمارات الأجنبية والخارجية وتحويلات العاملين تختلف كل منها عن الأخرى, حيث تشكل الاستثمارات الخارجية وتحويلات العاملين سيولة نقدية واستثمارات في الأسهم والسندات والعقارات بصورة أساسية, في حين أن الاستثمارات الأجنبية تعني في ما تعنيه نقل التكنولوجيا والخبرات الأجنبية في المجالات المختلفة. وللاستفادة من الإمكانيات الاستثمارية المحلية والخارجية في دول مجلس التعاون, فإنه لابد من القيام بعملية مزج لهذه الإمكانيات, وذلك ضمن سياسات استثمارية على المديين القريب والبعيد, وفي هذا الصدد فإنه باستثناء بعض التوجهات في نظام الاستثمار الأجنبي في السعودية والتسهيلات المقدمة في البحرين والمناطق الحرة في دولة الإمارات, فإن محاولات جذب الاستثمار الأجنبي في دول مجلس التعاون لم يتم من خلالها تحديد الخطوط العريضة لعمل هذه الاستثمارات, والتي يمكن تلخيصها في الآتي: ـ فرز القطاعات التي يسمح لرؤوس الأموال الأجنبية بالاستثمار فيها, وذلك انطلاقا من أهمية هذه القطاعات لخدمة السياسات الاقتصادية لدول المجلس, وبالأخص تلك السياسات الرامية إلى تنويع مصادر الدخل الوطني. ـ منح الأولويات للاستثمارات التي تتمتع باستخدام التكنولوجيا المتقدمة, بحيث يتم توطين هذه التكنولوجيا في دول مجلس التعاون الخليجي مما يتناسب والتركيبة الاقتصادية والاجتماعية والسكانية لدول المجلس. ـ جذب رؤوس الأموال التي تملك خبرات معرفية في المجالات التي تتناسب والنمو الاقتصادي في دول مجلس التعاون. ـ ربط التسهيلات المقدمة للاستثمار الأجنبي بإمكانيات تدريب الأيدي العاملة الخليجية لفتح المجال أمام تشغيل الأيدي العاملة المواطنة, وتدريبها على المشاركة في إدارة المؤسسات التي تسهم فيها رؤوس الأموال الأجنبية. ـ تشجيع الاستثمارات الأجنبية على إعادة استثمار جزء من أرباحها في الأسواق الخليجية, وبما يسهم في تنمية اقتصادات هذه البلدان. ـ الاستفادة من الخبرات الكبيرة التي تملكها الشركات الأجنبية في مجال التسويق العالمي, وذلك من خلال إعطاء الأولوية لاستثمارات الشركات العريقة في مجالات التسويق. ويضيف أنه ضمن عملية المزج هذه, فإنه لابد من توفير الفرص المناسبة لعودة جزء من الأموال الخليجية المستثمرة في الخارج, بهدف تنويع هذه الاستثمارات من جهة والإسهام في التنمية الاقتصادية والاجتماعية بدول مجلس التعاون من جهة أخرى. وفي إطار هذا التوجه يمكن إعادة النظر في الأنظمة والقوانين المعمول بها حاليا, والتي تقيد استثمارات العاملين الأجانب في دول المجلس, مما يؤدي إلى ضخ مدخراتهم لخارج دول المجلس, فالقنوات المسموح بها للمقيمين للاستثمار في دول المجلس محدودة للغاية. ويستطرد التقرير قائلا إنه إذا استثنينا بعض القطاعات التقليدية والخدمية التي يفضل رأس المال المحلي الاستثمار فيها, فإن هناك قطاعات حديثة مهمة يمكن فتحها أمام استثمارات الوافدين في دول المجلس, وبالأخص في القطاع الصناعي وخدمات تقنية المعلومات, وذلك ضمن توجهات اقتصادية تهدف إلى استغلال كافة الموارد المالية والبشرية والطبيعية الفنية في دول مجلس التعاون الخليجي. وفي نفس الوقت فإن هذا التوجه يتلاءم والتغيرات المهمة والسريعة في العلاقات الاقتصادية العالمية, ويفتح المجال أمام دول المجلس للاستفادة من الإمكانيات المتاحة والتأقلم مع هذه التغيرات والمستجدات في العلاقات الدولية, ويكسب اقتصاداتها المرونة اللازمة للتعامل مع الأنظمة والقوانين المعمول بها في نطاق منظمة التجارة العالمية. والملاحظ أن دول الخليج أدركت جيدا ـ مؤخرا ـ أهمية اجتذاب الاستثمارات الأجنبية, وفتح أسواقها أمامها من منطلق التفاعل مع قوانين ومتطلبات منظمة التجارة العالمية, التي تقضي عضويتها بقيام الدول الأعضاء بمنح المساواة التامة للاستثمارات الأجنبية على الاستثمارات الوطنية. وحسب توقعات الاقتصاديين فإن من المأمول أن تؤدي الخطط الخليجية إزاء جذب الاستثمارات الأجنبية, إلى استقطاب المزيد من رؤوس الأموال الأجنبية وعودة الاستثمارات الخليجية المهاجرة.