في الانتخابات الحالية المحافظ الحقيقي هو آل جور وهو محافظ بالمعني التقليدي للكلمة لدرجة انه من خلال الحكم على كلامه على الأقل, لن يغير الامور كثيراً. ربما يكون ـ في عمله هذا ـ يحاول تجنب الظل الشخصي لبيل كلينتون, ولكن سياساتهما متطابقة تقريباً وعلى النقيض من ذلك فإن جورج بوش سيعيد دراسة الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية للحد من النفقات الهائلة طويلة الاجل لبرامج التقاعد الحكومية. وسيحاول بوش ايضاً الحد من الزيادات الاخرى في الانفاق الفيدرالي )بعيداً, ربما, عن الانفاق العسكري( بتخفيض كبير في الضرائب. وتعتبر الحملة الرئاسية مسابقة حقيقية للافكار والنوايا, حيث يبدو المتسابقون, على نحو مثير للاهتمام, متفقون على شروط المعركة. جور يراهن على ان الامريكيين سيتقبلون الوضع الراهن بينما يعتقد بوش ان بمقدوره الترويج لمفهومه للتغيير. وتبرز التناقضات بوضوح من خلال مشروعات الموازنة الخاصة بكل من المرشحين. وهناك بالطبع قضايا اخرى كالتعليم والرقابة على انتشار الاسلحة والمحكمة العليا. لكن نفوذ الرئيس على هذه القضايا يعد متواضعاً. فليس بمقدور اي رئيس ان يحسن بسهولة من مستوى التعليم الذي يعتمد بشكل اساسي على الاباء والمدرسين ومجالس المدارس المحلية. نعم يمكننا ان نضبط انتشار الاسلحة بصورة او باخرى لكن العنف )الامر الذي يريد الناس توقفه( من الصعب السيطرة عليه. اما فيما يتعلق بالمحكمة, فإن تأثير رئيس الولايات المتحدة عليها يعتبر خاضعاً للحظ, فهو يزيد مع تزايد عدد الشواغر وينخفض مع ميل القضاة الجدد إلى مفاجأة الرؤساء الذين يعينونهم. تعتبر الميزانية التي تستحوذ على خمس الدخل القومي مختلفة لدى المرشحين. ويمكن للطريقة التي يبين فيها المرشح الرئاسي أولويته ان تحدد الاجندة واسلوب النقاش الوطني. ووفق السياسات الحالية, فان فائض الميزانية سيبلغ بالاجمالي حوالي 5.4 تريليونات دولار من عام 2001 وحتى عام ,2010 حسب توقعات مكتب الموازنة التابع للكونجرس. وفيمايلي كيفية تصور كل من المرشحين لاستخدام فائض الميزانية )جميع الارقام المتعلقة بالميزانية هي للعقد الذي ينتهي في عام 2010(: سيخصص جور حوالي 8.2 تريليون دولار من الفائض لتسديد الدين الاتحادي المقترض من المؤسسات العامة والذي بلغ في عام 1999 6.3 تريليونات دولار. وسيقلص الضرائب بمقدار 500 مليار دولار ويزيد من الانفاق بمقدار حوالي 00D مليار دولار. وفيما يلي نعرض ابرز الزيادات في الانفاق: 100 مليار دولار لزيادة اعانة الضمان الاجتماعي للأرامل, واعانة رعاية طبية للأدوية التي تصرف بوصفة طبية تكلف 338 مليار دولار بحسب مكتب الموازنة التابعة للكونجرس و140 مليار دولار اخرى للرعاية الصحية, والهدف منها بالأساس توسع نظام التأمين ليشمل غير المؤمنين و115 مليار دولار للتعليم و120 مليار دولار للبيئة و50 مليار دولار للدفاع و50 مليار دولار لمجموعة من البرامج المأموذة كيفما اتفق. اما اقتراحه الاكبر بالنسبة للضرائب, فسيوفر اعتمادات ضرائبية من اجل المساهمات في حسابات التوفير الخاصة بالتقاعد. اما بوش, فان تخفيضه المقترح لضريبة الدخل سيكلف 3.1 تريليون دولار. كما ان حسابات التقاعد الشخصية تحت مظلة الضمان الاجتماعي, وهي فكرة تبناها بوش من حيث المبدأ, قد تكلف 700 مليار دولار في العقد الأول. وتحصل وزارة الدفاع على 45 مليار دولار للرواتب والبحوث, ولكن هذا الرقم قد يكون ببساطة عبارة عن دفعة اولية حالما يجري بوش (مراجعة استراتيجية) . وهنالك 97 مليار دولار مخصصة للرعاية الصحية, وخاصة لغير المؤمنين و26 مليار دولار للتعليم وتحصل البرامج الاخرى )البيئة والجريمة( على حوالي 54 مليار دولار. ويبلغ اجمالي الانفاق الجديد حوالي 222 مليار دولار. غير ان بوش يفترض ان بامكانه توفير قرابة 200 مليار دولار من خلال القضاء على مظاهر عدم الفعالية والكفاءة. واذا ما تم له ذلك, فسيتبقى لديه حوالي 2 تريليون دولار لتخفيض الدين. وسيواجه كل من بوش وجور نفقات فائدة اعلى من النفقات بموجب توقع (الخط القاعدي) لمكتب الموازنة التابع للكونجرس. وقد تبلغ تلك النفقات حوالي 300 مليار دولار بالنسبة لاقتراح جور و500 مليار دولار بالنسبة لاقتراح بوش. دعونا نلاحظ ما هو واضح تمام الوضوح وهو ان جميع التوقعات بشأن الفائض مشكوك فيها وان ارقام كل حملة تعتبر على الأرجح مؤدية لخدمة ذاتية. وعلى الرغم من هذه الشكوك, الا ان أرقام الميزانية لاتزال توحي ببعض الحقائق. ووفقا لوجهة نظري فإن لكل برنامج حسناته وسيئاته ويتمثل الجانب القوي لدى جور في تركيزه على تخفيض الدين الفيدرالي, فدفعات الفائدة تمثل 13% من الانفاق الفيدرالي. وكلما انخفضت تلك الدفعات كلما كان اسهل ان تحمل تقاعد من ولدوا خلال طفرة المواليد, ويلفت برنامج الاقتطاع الضريبي الخاص ببوش نظري باعتباره كبيرا جدا ومبكراً جدا. قد يكون التخفيض الضريبي ضرورياً في يوم من الايام )اذا كان هناك ركود اقتصادي( أو مبرر )اذا زاد الفائض(. ولكن الوقت غير مناسب له الآن. أما الجانب الايجابي لدى بوش فيتمثل في انه قد يتمكن من كسر حالة الجمود بشأن برامج التقاعد ولا يكفي تخفيض الدين الفيدرالي. فعندما يتقاعد مواليد فترة طفرة المواليد, فإن نفقات الضمان الاجتماعي ونظام الرعاية الطبية (ميديكير) ستزداد بشكل كبير. وهذا سيفرض عبئا كبيرا على المستخدمين الذين ستدفع ضرائبهم نفقات اعانات التقاعد. وكان كلينتون قد تجنب هذه القضايا, كما ان اقتراحاته لزيادة اعانات التقاعد من شأنها ان تجعل الضغوط طويلة الأجل أكثر سوءا. وجور يقوم بالشيء نفسه, أما بوش فلا يكتفي فقط بتبني حسابات التقاعد الشخصية, فهو سيدعو ايضا الى انعقاد لجنة من الحزبين حول الضمان الاجتماعي ونظام ميديكير. وهو يقول انه ـ بخلاف كلينتون الذي كانت لديه لجان عديدة سيصغى الى النتائج. ويمكن لأفضل المزايا في كل برنامج, اذا جمعت معاً ان تشكل أرضية رائعة للحكم. لكن الانتخابات لا تقدم ذلك الخيار. وكان بوش قد صرح قائلا: (انهم لم يقودوا, نحن سنفعل ذلك) وهنا يكمن جوهر الحملة الانتخابية. جور يعبر عن افكار تحظى بالشعبية, لكن الهدف الرئيسي هو القلق من ان (قيادة) بوش ـ التي تطرح خططا محفوفة بالمخاطر ـ ستفسد الازدهار والمزاج الطيب في امريكا. وتتمثل استجابة جور في الظهور بمظهر المحافظ المناسب الذي يحمي الوضع الراهن ويأمل بالمستقبل,, وذلك ما يريده الناخبون.