في زحمة العمل والانشغال بإدارة المؤسسات والوقوف على كل صغيرة وكبيرة قد ينسى المديرون انفسهم, ولكن لانهم بشر, فلابد لهم من استقطاع قسط من الوقت لممارسة حياتهم العادية, بعيدا عن زحمة العمل وتذمر وشكاوى الموظفين التي تكاد لا تنقطع. ويواجه المديرون في حياتهم اليومية ثلاثة تحديات تشكل الهاجس الرئيسي لأي منهم. وهذه التحديات هي: الفعالية التي تعني السعى لتحديد اثر معين داخل المؤسسة, والكفاءة التي تعني الانتاج باقل قدر من الجهد, وعدم الاجهاد أي انجاز الانتاج باقل قدر ممكن من الجهد وبشكل طبيعي وسهل. ان ادارة الوقت الخاص الذي يستقطعه المدير لنفسه ذات صلة وثيقة بهذه العوامل او التحديات الثلاثة, وبالطريقة التي تمكنهم من تطبيقها على حياتهم الخاصة وحياتهم العملية. ولكن ما هو مفهوم ادارة الوقت الخاص؟ يتعلق هذا المفهوم بالسيطرة على الموارد الثمينة وحسن توظيفها, وهي بكل اسف موارد لا يعطيها المديرون حقها الكامل. ولنفكر الآن في هذين السؤالين: ماذا سيحدث اذا اهدرت كمدير اموال المؤسسة بالطريقة نفسها التي تهدر بها الوقت المخصص للمؤسسة؟ ومتى كانت آخر مرة قمت فيها بمراجعة الوقت الذي تخصصه لنفسك؟ ويظهر غياب ادارة الوقت الخاص في اللهثات للحاق بمواعيد انجاز المشروعات, وفي الاجتماعات المتكررة التي لا تحقق شيئا, وفي الايام التي تنسل من الروزنامة وتمضي دون انتاج, والازمات التي تنشأ فجأة وكأنها تأتي من اللامكان. ومثل هذه المواقف لا تؤدي إلى تراجع الاداء والاجهاد الذهني والبدني. ولهذا يجب عدم الوقوع فيها. ان عدم القدرة على ادارة الوقت ما هو الا احد اعراض الثقة المفرطة. وهو يعني في جوهره اعادة استخدام آليات العمل التي كانت تستخدم في انجاز المشروعات الصغيرة في انجاز المشروعات العملاقة. ولكن النواقص والسلبيات وعدم الكفاءة الشائعة والمقبولة في الادوار الصغيرة, تعتبر مستهجنة بل وسخيفة عند تسلم المسئوليات الجسيمة. فالانسان لا يقود دراجة هوائية كما يقود دراجة بخارية او سيارة, كما انه لا يقوم بإدارة متجر صغير مثلما يقوم بادارة مركز تجاري ضخم. فالمتطلبات والمشكلات والنتائج والمزايا تتزايد وتتنامي بتزايد المسئوليات والواجبات. ولهذا على المدير ان يتعلم تطبيق الآليات الصحيحة, او يقبل بتقدم الآخرين عليه ونجاحهم فيما فشل هو فيه. وربما كانت احد اسباب عدم اتقان ادارة الوقت هو عدم اتخاذها كمعيار لاداء الموظفين. وقد فشل مديرون كثيرون في اكتشاف علاقة ادارة الوقت بعناصر ومكونات تقويم الاداء الاخرى. ولادارة الوقت الخاص جوانب عدة الا ان المديرين لا يدركون الا اليسير منها, وقلة فقط هي التي تدركها كلها. وهناك المبدأ البسيط الذي يتمثل في الاحتفاظ بمفكرة يومية للاحداث وفكرة تخطيط النشاطات ذات الصلة بها. ولكن وان تجاوزنا هذا, فإن ادارة الوقت تعني تسلسل فرض النفوذ على الاحداث والتأثير فيها, وهي تتجاوز في قيمتها بعض المهارات الادارية الاخرى مثل الفعالية في التخطيط للمشروعات. وادارة الوقت الخاص ما هي الا عبارة عن مجموعة ادوات تساعد المدير في المجالات التالية: ـ عدم ضياع الوقت هدرا. ـ الاستعداد والتحضير للاجتماعات. ـ رفض قبول حجم كبير من الواجبات. ـ تخصيص الموارد )الوقت( بحسب اهمية الواجبات. ـ التأكد من عدم تجاهل المشروعات طويلة الأجل. ـ التخطيط لكل يوم عمل بكفاءة. ـ انجاز كل ذلك ببساطة وبقليل من الانضباط الذاتي. ـ مادامت ادارة الوقت مثل اية عملية ادارية اخرى. فلابد من ان يخطط لها وان تخضع لرقابة ومراجعة منتظمة. وهناك مبادىء واساسيات لادارة الوقت سنعرض لها. ونظراً لأن الفهم الصحيح للاشياء يعتمد على التجربة, فسوف تكون مطالباً بالمشاركة في هذه العملية من خلال عملك كمدير. وان لم يتوفر لك الوقت الآن. فاسأل نفسك: (لماذا لا يتوفر لدي الوقت) . واعلم انك غارق في العمل حتى اذنيك. ونظرا لأننا نسعى إلى تطوير مستوى سيطرة المديرين على واحد من اكبر الموارد اهمية, وهو الوقت, إلى قلت نبدأ بالحديث عن المستقبل, بل سنبدأ بالحديث عن الحاضر لأنه الاساس الذي نبني عليه. ويفترض هذا التوجه الاحتفاظ بمفكرة نسجل عليها الكيفية التي ننفق بها الوقت لفترة مناسبة من الزمن, على مدى اسبوع واحد مثلا. وهذه عملية بسيطة للغاية لا تتعدى الاحتفاظ بنصف دستة من الاوراق الصغيرة, نحملها معنا حيثما نسير وندون عليها بشكل متسلسل النشاط الذي نتحول اليه بعد ان نكون قد اكملنا اداء نشاط في مجال آخر. وبعد اسبوع. وبالتحديد ستة ايام. نقوم بمراجعة الوقت الذي استغرقناه في انجاز مختلف النشاطات. الا انه يجب القيام بهذه العملية وكأنها سترافقنا طوال حياتنا. الخطوة الثانية هي التخلص من النفايات )أي تلك الدقائق والساعات التي نقضيها وايادينا متشابكة دون ان ننجز اي عمل(, ونحن اذ نقول ذلك لا نهدف إلى اختراع مجموعات جديدة من الاعمال لتطوير الكفاءة, ولكننا نحاول الالتفاف على الممارسات غير المجدية التي يمارسها المديرون حاليا. اذن الخطوة الاولى هي اجراء تقويم شامل حول الكيفية التي ينفق بها المديرون وقتهم. ودراسة بعض الممارسات والعادات, اضافة إلى تحديد الاوقات التي كان يمكن استثمارها بطريقة افضل. وهناك مصادر كثيرة لهذه النفايات, لعل من اهمها الالتزامات الاجتماعية والمحادثات الهاتفية وزيارات الاصدقاء وتناول القهوة مع الزملاء داخل الكافتيريا! وبطبيعة الحال قد يكون من الغباء الغاء كل النشاطات التي ليست لها علاقة بالعمل. فالانسان بحاجة لفترة يستريح خلالها, ولكن ان كان على المدير ان يختار بين قضاء الظهيرة في دردشة مع احد الاصدقاء او انجاز عمل ازف موعد انجازه, فإن المفكرة اليومية هي الجهة الوحيدة التي يمكن ان تحدد ان كانت هناك مشكلة او تعارض بين الخيارين., وبطبيعة الحال فإن انجاز العمل سيكون هو الخيار والا حدثت مشكلة. ويتعين النظر بين الحين والآخر لكل مهمة على حدة واتخاذ قرار بالوقت الذي تستحقه ان يستثمر في انجازها, ومقارنة ذلك الوقت مع الفترة التي تنجز فيها بالفعل. وفي مجال الاعمال التجارية والادارية فإن كل دقيقة يستغرقها المدير في تقليب الاوراق او التلاعب بالدبابيس او الخربشة بالقلم تعتبر زمنا مهدرا من دون اية فائدة. ويمكن التقليل من هذه النشاطات من خلال ادارة الوقت. مادام لا يتم عادة تخصيص اوقات لمثل هذه الافعال الهامشية. وان كانت امام المدير مهمة معينة فيتعين عليه ان يحدد الوقت الذي تستغرقه اولا قبل ان يعكف على انجازها. وبعد ان يكمل انجاز المهمة ينتقل لاداء اخرى. وهكذا. واحد المصادر الاخرى هو المماثلة وتأجيل الاعمال التي من العجيب ان يدعى المديرون انهم لا يحبونها, وذلك بايجاد الاعداد والمبررات التي لا طائل من ورائها. ولهذا يجب البحث في المفكرة اليومية عن الاعمال التي تم تأجيلها لا لسبب الا لأنها مملة او صعبة. وعلاوة على ذلك يهدر قسطاً كبيراً من الوقت في الانتقال من نشاط إلى نشاط إلى آخر, ولهذا السبب يفضل دائما تجميع المهام المتشابهة تفادياً لتأجيل اداء اية واحدة منها. وبعد ان نظرنا إلى النفايات ومصادرها, نتحول الآن إلى الممارسات والمفاهيم غير الصحيحة التي يمارسها المديرون والتي تعتبر مضيعة للوقت. ويعتقد المديرون ان افضل وسيلة لانجاز المهام هي انجازها بانفسهم. فهم يعتقدون على سبيل المثال ان لصق الطوابع البريدية على المظاريف يضمن وصول الرسائل, كما ان كتابة موجز للتقارير التي يعدها صغار الموظفين افضل من اعادة التقارير اليهم. وهذا كله غير صحيح, اذ يمكن الحصول على فوائد جمة من خلال تكليف السكرتيرة بادارة شئون مكتب المدير, وتكليف صغار الموظفين باداء بعض المهام ذات الطبيعة الادارية مثل لصق الطوابع واعداد الخطابات وتلخيص التقارير. ومن المصادر الاخرى للنفايات اداء المهام نيابة عن زملاء العمل. وعلى الرغم من اهمية سيادة روح الفريق الواحد والتعاون والانسجام ومساعدة الآخرين, الا ان كل ذلك يعتمد على تلك المفكرة اليومية الصغيرة التي توضح حجم الوقت المطلوب لانجاز الاعمال الخاصة, والوقت الذي يمكن ان يستخدم في مساعدة الآخرين, فعلى سبيل المثال اذاقضى المدير وقتاً طويلاً في مراجعة الجوانب اللغوية في تقرير حول احد المشروعات. فهذه مضيعة للوقت فهناك من هم متخصصون في اللغة وتلك هي المهمة التي يجيدونها. والمصدر الأخير هو الرؤساء وكبار المديرين يكلفون مرؤوسيهم بأداء واجبات مكررة, او سبق وان رفضوها او تجاهلوها او اعادوا صياغتها في وقت متأخر. إن رفع كفاءة الرؤساء المباشرين يعتبر اكثر المهام صعوبة, ولكن ما دام الامر يتعلق بالعمل والاداء فلا مناص من الامساك بالثور من قرنيه ومواجهة الامر الواقع! والخطوة التالية في ادارة الوقت هي البدء في السيطرة على الوقت. والمشكلة الاولى هنا هي تحديد المواعيد, وحل هذه المشكلة هو الاستعانة بالمفكرة اليومية الصغيرة التي يجب ان تتضمن تسجيلا للمواعيد بما في ذلك مواعيد الأحداث الروتينية. والمواعيد هي اداة التفاعل مع الآخرين, وهي المقابلات الشخصية التي يتفق عليها بين الآخرين والمؤسسة, وتحددها الالتزامات والارتباطات الخارجية. وتمتلىء المفكرة حتى تكاد تفيض بهذه المواعيد, ولهذا يجب التخلص من تلك غير الضرورية. فقد تكون هناك اجتماعات يمكن تكليف احد الموظفين بحضورها, وقد تكون هناك دعوات تتطلب تلبيتها استثمار قسط كبير من الوقت في مناقشات غير مفيدة, وغيرها مما يمكن كشطه من قائمة المواعيد. وبطبيعة الحال فإن ادارة المديرين لوقتهم تؤثر على الآخرين, خاصة المرؤوسين. وتخطيط المشروعات لا يعني فقط تخصيص وقت المدير, لكنه يعني توزيع المهام ايضا الذي يجب ان يتم في اطار البرنامج الزمني لانجاز المشروع. ولهذا يجب تحديد اطار زمني واضح ودقيق لانجاز المهام التي يفوض المدير آخرين لانجازها. وكمدير فأنت مسئول عن التأكد من ان الموظفين قد قاموا بانجاز المهام بنجاح. هذا اضافة الى التأكد من وجود اثبات )مذكرة مكتوبة( يؤكد انجاز المهمة, ومقارنة تاريخ الانجاز مع ما هو مدون في المفكرة اليومية. فعلى سبيل المثال, إذا تم تحديد يوم الثلاثاء, كآخر موعد لانجاز المشروع, فيتعين على المدير ان يسجل في مفكرته اليومية ليوم الاربعاءان المشروع قد تم انجازه في الوقت المحدد له, اي بالامس. وهذا الاسلوب البسيط والسهل يساعد المديرين على متابعة تقدم سير العمل وابتداء الاجراءات بحسب الضرورة. ولادارة الوقت علاقة وثيقة بالاهداف بعيدة المدى, وهناك العديد من هذه الاهداف التي يتحتم على المدير الناجح ان يحققها, خاصة تلك التي تتعلق بتطوير قدرات الموظفين وحفزهم ودعمهم. ومشكلة الاهداف بعيدة المدى تكمن في انها مهمة وضرورية ولكنها ليست عاجلة, وليس لها اطار زمني محدد فهي بعيدة, ولهذا السبب يسهل تجاهلها لصالح الأهداف الانية والملحة. وهكذا لابد من احداث التوازن المطلوب. والملاحظ انه يمكن احداث هذا التوازن بطريقة موضوعية وفي غياب اي تأثير من الاطر الزمنية الانية, وفرضها من خلال استخدام المفكرة اليومية. ويمكن للمدير ان يحدد وبكل سهولة وبساطة ساعة واحدة من كل اسبوع لاموره الخاصة, وان يلتزم بهذه الكتلة الزمنية. وبطبيعة الحال إذا شب حريق في المؤسسة او تم اعلان الحرب العالمية الثالثة, يجب على المدير ان يحول هذه الساعة الى اسبوع آخر حتى تهدأ الأمور. كما يمكن بالمثل تخصيص وقت محدد يستثمر في تطوير مهارات الموظفين وتدريبهم. واذا رأى المدير ان امسية واحدة في الشهر تكفي لمثل هذا النشاط, يمكنه تحديد يوم معين ـ أمسية الخميس مثلا ـ لهذا النشاط ويفوض الموظفين باختيار المتحدثين. إن الوقت الذي يستثمر في مثل هذا الهدف بعيد المدى قليل للغاية, ولكن وفي غياب التخطيط لمثل هذا النشاط يستحيل تحقيقه. وبعدان تتم السيطرة على الوقت, يمكن للمدير ان يستقطع قدرا يسيرا من وقته لتطوير مهاراته وقدراته, وقد يحدد احدى الامسيات لكي يخطط لأهدافه الخاصة على المدى البعيد, ويحدد الوسائل التي تحقق تلك الاهداف. وكما يحدث عند تحديد اهداف المؤسسة بعيدة المدى, على المدير ان يخصص الكتلة الزمنية الضرورية لمراقبة تطوره الشخصي. وان لم يضع المدير خطة محكمة تقوده الى حيث يرغب ان يصل فإنه لن يتمكن من الوصول مطلقا.