لا تنطلق قرارات تشكيل فرق المفاوضين من مجرد رغبة بعض الاشخاص داخل المؤسسات في المشاركة في المفاوضات بل تستند هذه القرارات الى مجموعة من الاسباب على رأسها درجة اهمية الموضوع ومدى تشعبه وتشابكه وتعقيده، كما تعتمد قوة فرق المفاوضين على مجموعة من الصفات التي يجب ان تتوافر في كل عضو من اعضاء الفريق ولايتم اختيار اعضاء الفرق دون ضوابط بل يخضع كل منهم لمجموعة اختبارات يتعين عليه ان يجتازها وبنجاح قبل ان تتم الموافقة على ضمه للفريق. ومن ناحية اخرى قد يتساءل البعض عن جدوى تشكيل فرق المفاوضات وأهمية العمل التفاوضي الجماعي؟ وقد يعتقد هذا البعض ان مفاوضا واحدا قد ينجح في تحقيق نتائج قد تعجز عن تحقيقها فرق المفاوضين, هنا نقول انه يفضل دائما ان توكل عملية التفاوض لمجموعة من المفاوضين خاصة عندما تتصل المفاوضات بموضوعات مهمة وحساسة تترتب على نتائجها آثار بعيدة المدى. ومع هذا فإن لعمليات التفاوض الجماعي مثلها مثل المفاوضات المنفردة ايجابياتها وسلبياتها التي يجب النظر اليها بعين الاعتبار قبل اصدار قرارات بتشكيل فرق المفاوضين وتوضح النقاط التالية ايجابيات وسلبيات التفاوض الجماعي مقارنة بالتفاوض المنفرد. ـ يمكن للمفاوض الفرد ان يتخذ اي قرارات دون استشارة اشخاص آخرين الا ان هذا المفاوض قد يستغرق وقتا طويلا للتفكير في القرارات التي سيتخذها الامر الذي قد يتسبب في تأخير التوصل لاتفاق ويضيف في بعض الاحيان المزيد من الارهاق والضغوط النفسية. ـ لا يخضع المفاوض الفرد لاية ضغوط او تشويش ذهني بسبب اختلاف الآراء فهناك دئما رأي واحد هو رأيه فقط ولكنه على الجانب الآخر لا يستأنس بنصيحة شخص آخر او يتوفر له الدعم المطلوب او الاراء المختلفة للخبراء والمتخصصين. ـ يتحمل المفاوض الفرد المسئولية الكاملة عن القرارات التي يتخذها مما يضيف المزيد من الاعباء عليه بينما على الجانب الآخر يتحمل كل عضو في فريق المفاوضين جزءا من المسئولية التي تكون تضامنية ومشتركة. ـ يعجل التفاوض الجماعي بتقدم عمليات الاعداد والتحضير للمفاوضات ويجعلها شاملة ومتكاملة وخلاقة بحيث يتمكن اعضاء الفريق من الاطلاع على اكبر قدر من المعلومات ويعمل كل واحد منهم على اثارة اذهان الآخرين. ونظرا لما تتم به عمليات التفاوض الجماعي من تعقيدات وتكتيكات يتعين طرح الاسئلة الثلاثة التالية قبل اتخاذ قرار بتشكيل فرق المفاوضين: ـ ما هي اهمية هذه المفاوضات؟ وهل تبرر حشد طاقات عدد من الاشخاص؟ وعليك بعد الاجابة ان تقرر ما اذا كانت هذه المفاوضات تستحق حقيقة حشد تلك الطاقات أم لا مع دراسة مدى امكان قيام شخص واحد باجراء المفاوضات وتحقيق الأهداف المرجوة منها ويجب ان ندرك هنا ان تعددية وكثرة المفاوضين لا تعني حتمية تحقيق النجاح حتى ولو توفرت الموارد البشرية المطلوبة. ـ ما هو الوقت الذي تستغرقه المفاوضات؟ يجب هنا السماح بهامش من الخطأ تفاديا لأي شكل من اشكال الضغوط الناجمة عن سوء التقدير ومن الطبيعي يمكن في بعض الحالات التوصل لاتفاق سريع وعادة ما يتم هذا عندما يتحقق التعرف على الطرف الآخر واهدافه والتأقلم مع الموقف وينبغي العمل على افتراض ان المفاوضات الجماعية تستغرق عادة وقتا اطول ويضاف الى هذا حقيقة انه كلما كان الفريق كبيرا ويضم العديد من الاعضاء كلما استمرت المفاوضات لوقت طويل. ـ ما هي الاستراتيجية التي ستنتهجها؟ اذ عادة ما تستدعى بعض الاستراتيجيات تشكيل فريق للمفاوضات بينما تأتي استراتيجيات اخرى بنتائج جيدة اذا ما قام مفاوض واحد باجراء المفاوضات لهذا فإن اختيار الاستراتيجية يعتمد بشكل اساسي على الموقف المحدد وملابساته. ونظرا لان التفاوض الجماعي يعني بالضرورة وجود اكثر من شخص واحد في اطار فريق المفاوضين فإنه يلزم اختيار اعضاء الفريق بدقة. فكيف اذن يتم اختيار هؤلاء الاعضاء؟ وما هي المعايير التي يجب ان يخضعوا لها حتى يتأهلوا لعضوية الفريق؟ إن عملية اختيار اعضاء فرق المفاوضين تعتمد على الاسئلة السبعة التالية: ـ هل هذا الشخص مفاوض ماهر؟ على الرغم من ان الشخص الذي يتم ترشيحه لعضوية الفريق قد يتمتع بالعديد من الصفات الحسنة والمؤهلات المناسبة إلا ان هذا ليس كافيا في حد ذاته اذا كان لا يمتلك خبرة كافية في التفاوض وحتى لو كان الشخص مرتبطا بمشروع معين او كان مالك المؤسسة نفسه فإن هذا لا يعني ضرورة اختياره عضوا في الفريق بطريقة تلقائية ويجب في حالة الاستعانة بأحد الخبراء الذين لا يمكن الاستغناء عنهم توصيل رسالة واضحة لذلك الخبير بعدم التحدث إلا في حالات الضرورة القصوى وان يتدخل بالحديث فقط عندما يتطلب الامر التعرف على رأيه ويجب ان يدرك ذلك الخبير انه مجرد مراقب فقط. ـ هل هذا الشخص كفء ويلم بكافة جوانب الموضوع؟ يتعين على اعضاء فريق التفاوض ان يكونوا متيقظين ومنتبهين للمزالق ولما يحدث خلف الستار. ـ هل يرغب هذا الشخص في ان يكون عضوا في الفريق؟ إن اختيار (المفاوضين) ضد رغباتهم امر غير مفيد ويؤدي الى الهزيمة سريعا لهذا يلزم اختيار المرشحين المتحمسين للموضوع والذين لهم دوافع حقيقية لتحقيق افضل النتائج. ـ هل يتوفر للمرشح للعضوية في الفريق الوقت الكاف؟ ويجب عند مناقشة موضوع الوقت مع هذا المرشح احتساب الوقت الذي تستغرقه المفاوضات. ـ هل سيكون الشخص موجودا بصورة فعلية دائما؟ اذ لا يكفي ان يكون المرشح موجودا جسديا فقط بل يتعين ان يكون حاضر الذهن ايضا وذلك نظرا لأن كل عضو (كل عقل) من اعضاء الفريق لابد له ان يلعب دوراً محدداً خلال المفاوضات وقد يتسبب العضو الذي لم يستعد جيدا في الحاق كارثة بالفريق كله. ان التفاوض الفعال ليس مسألة وقت او جهد فقط ولهذا يجب على العضو القيام بدور حيوي وذلك بطرح الحلول المناسبة والعروض الجذابة وباختصار فإن المشاركة الذكية والتفكير المبدع والخلاق يعتبران من اهم مؤهلات المفاوض الناجح بينما الانسان الذي يستهلك طاقاته ويستنزف جهوده عند التصدي لمختلف المشكلات والذي يكون دائما غائب الذهن وشاردا ولا يحصر تفكيره في الموضوعات التي تتركز حولها المفاوضات لا يكون في حالة جاهزة ذهنيا للتعامل مع موضوع المفاوضات. ـ ما هو دور المرشح لعملية التفاوض؟ ولماذا يتم اختيار احد الاشخاص ضمن فريق مفاوضين اذا لم يكن له دور محدد وواضح؟ فكل عضو لابد ان تكون له مهمة معينة تتكامل مع مهام الاعضاء الآخرين وتتوحد معها كذلك يجب ان يتم اختيار الاشخاص الذين لا يمكن الاستغناء عنهم. ـ ما هو الشيء الذي تتوقعه من المرشح؟ بعبارة اخرى هل يبدو المرشح متحمسا للمفاوضات المقبلة؟ فالفريق الذي ينقصه الحماس لايرتفع لمستوى الحدث وعلى الرغم من ضرورة وجود قدر من الواقعية إلا ان الحماس لا يلحق الضرر والاذى بما نسعى لتحقيقه من اهداف ويصعب دائما هزيمة فريق جيد الاعداد ومتماسك وطموح ويمتلك درجة مقبولة من القدرة على المساومة خاصة اذا توفرت له روح الفريق. وبعد ان يتم اتخاذ قرار تشكيل فريق المفاوضين وتكتمل عملية اختيار المرشحين ننتقل الى عدد اعضاء الفريق وكيفية العمل وتماسكه وبعث روح الفريق في اعضائه. إن الفريق محدود العدد الذي يتم تدريبه بشكل جيد يعتبر افضل بكثير من الفريق المترهل الذي يضم عددا كبيرا من الاعضاء غير المعدين بشكل جيد والذين يقاطع كل واحد منهم حديث الآخر ويعترض طريقه. لهذا يجب دائما الحرص على عدم زيادة عدد اعضاء الفريق بل على العكس من هذا لابد من محاولة تخفيض عددهم بقدر الامكان. ان الفرق الصغيرة تعمل بشكل افضل من حيث المبدأ من المجموعات الكبيرة وعلى الرغم من ان تحديد حجم الفرق يعتمد اساس على التجارب السابقة الا انه ومن الناحية النظرية يفضل ان يكون حجم فريق المفاوضات اصغر من حجم فريق الطرف الآخر بعضو واحد على الأقل كما يتعين عدم اعطاء الطرف الآخر اي انطباع بمحاولة السعي لالحاق الهزيمة به بمجرد كثرة عدد اعضاء الفريق فمثل هذه الهزيمة قد لا تحدث مطلقا وذلك نظرا لأن المفاوضات الناجحة تتطلب الذكاء وحضور الذهن والمقدرة على الابداع وليس العضلات المفتولة والقوة وقد اظهرت الدراسات ان فرق المفاوضين كبيرة الحجم تمثل للاعتماد على الكثرة العددية على حساب اليقظة والابداع. والآن وبعد اختيار اعضاء الفريق وتحديد حجمه تجيء مرحلة تحويل المجموعة المختارة الى فريق فاعل وكفء مثله مثل فرق كرة القدم التي تفوز في اية مباراة تلعبها ويعتبر التوحد والتماسك والانسجام من الأمور المهمة لنجاح اي فريق مفاوضين ويحتاج هذا الفريق الى استراتيجية محددة (تماما مثل خطط كرة القدم) تحدد دوراً معينا لكل عضو من الاعضاء ويضاف الى هذا ضرورة ان يعرف كل عضو من الاعضاء القدرات الحقيقية للاعضاء الآخرين وان يدرك نقاط قوتهم وجوانب ضعفهم. ونظرا لاهمية الجانب النفسي في ترابط الفريق يجب ان يسود التعاطف والشعور بالتكاتف والتوحد اعضاء الفريق داخل وخارج قاعة المفاوضات. إن التماسك والتضامن امران لا غنى عنهما لاي فريق مفاوضين فهما يحولان دون اطلاق اي عضو من اعضاء الفريق لأية مبادرة غير متوقعة لم يضعها الاعضاء الآخرون في اعتبارهم الامر الذي قد يؤدي الى الحاق الهزيمة بالفريق كله فالمبادرات الفردية التي تطلق فجأة وبدون تخطيط سابق يمكن ان تقود لنتائج مدمرة. وافضل اسلوب لايجاد فريق متماسك ومتضامن يرتكز الى مشاركة الاعضاء في عملية الاعداد والتحضير للمفاوضات تماما مثل تمرينات الاحماء التي يؤديها اللاعبون قبل المباريات ويمكن هذا الاسلوب اعضاء الفريق من التعرف على بعضهم البعض والتعود على احترام القواعد والأسس التي يستند اليها الفريق وايضا كيفية ادارة المفاوضات ومحاولة ايجاد روح الفريق وايقاعه الداخلي الخاص به. وبعد اعداد الملف الخاص بالمفاوضات وجمع كل المعلومات والاحصاءات وهضمها يلزم اعداد الفريق باتباع الاساليب التالية: ـ عقد جلسة تعريفية حيث يتم تقديم ملف المفاوضات الذي يحتوى على المعلومات الخاصة بالطرف الآخر واستراتيجية الفريق. ـ تحديد فترة زمنية يطلع الاعضاء خلالها كل على حدة على المعلومات لمحاولة استيعابها وهضمها قدر المستطاع. ـ عقد جلسة او عدة جلسات عمل للفريق ككل حيث تتم مناقشة امور مختلفة مثل الاهداف والمواعيد النهائية والحدود للاستنارة بآراء الاعضاء وامكان تعديل الاستراتيجية والتكتيكات بما يتناسب مع الموقف كما يمكن استغلال هذه الجلسات لتحديد دور كل عضو من الاعضاء واثارة اذهانهم وتعزيز روح الفريق الذي لابد له ان يكون مثل الفرقة الموسيقية التي تعزف لحنا واحدا في تناغم تام. وعادة ما يتم توزيع الأدوار الى اربعة ادوار رئيسية على النحو التالي: ـ قائد الفريق الذي يتعين عليه ان يسبر غور جميع الاعضاء فهو الربان الذي يقود السفينة وقائد الفريق هو المفاوض الوحيد في الفريق الذي يجب ان يتلقى الدعم من الاعضاء الآخرين واذا لم يتفهم الاعضاء هذا الدور فسيواجهون خطر اعتراض بعضهم على بعض ويتحول الفريق بالتالي الى جزر معزولة لايربط بينهم رابط والقائد هو أيضا المتحدث الرسمي باسم الفريق اي الشخص الذي يتحدث اكثر من الآخرين ويطرح المقترحات ويقدم الحجج والحجج المضادة ويرفض او يقبل الاتفاقات. ـ المسئول الأول وهو العضو الذي يقوم بالرد على استفسارات معينة ويقدم موجزا للبنود والمقترحات التي تم مناقشتها ويقوم بتقديم المساعدة للقائد حول الأمور التي تستجد خلال تقدم سير المفاوضات ويحل محل القائد اذا تعذر عليه الرد على اي سؤال من الاسئلة الأمر الذي ينفي اية حاجة للقائد لتقديم اقتراح برفع المفاوضات لفترة محدودة حتى يستعين بآراء بعض المختصين مما قد يعرضه للاحراج ويضر بموقفه التفاوضي. ـ المراقب وهو ذلك العضو الذي يجلس هادئا ويقوم بمتابعة المفاوضات ويسجل الملاحظات ثم يقوم بتقديم ايجاز لبقية اعضاء الفريق خلال فترات الراحة بين الجلسات وهذا الدور يتناسب مع المفاوضين الذين لا يملكون خبرات كافية ويعتبر افضل وسيلة للتعرف على الكيفية التي يتصرف بها المفاوضون المتمرسون خلال المواقف المختلفة. ـ الخبير وهو الشخص الذي لا يمكن الاستغناء عنه في مواقف معينة ويفضل دائما اصطحاب الفريق لخبير خاص به بدلا من الاعتماد على الطرف الآخر لاحضار خبير ويتعين دائما الايعاز للخبير بعدم الخوض في اي حديث عن المؤسسة التي يمثلها الفريق بأي شكل من الاشكال سواء كان داخل قاعة المفاوضات ام خارجها وذلك لانه قد يفشي دون ان يدرك بعض المعلومات التي قد يؤثر الكشف عنها على الموقف التفاوضي للفريق.