منذ ان اطلقت منطقة وادي سيلكون على نفسها لقب العاصمة التكنولوجية للعالم في الثمانينات, وهي تنظر بعين الغيرة والحرج إلى عملاقة الكمبيوتر مايكروسوفت التي تتخذ من ردموند بواشنطن مقرا لها. غير ان هذا الوضع انتهى الآن بفضل البورصة الامريكية الضخمة التي وقعت الآن في غرام سيسكو, الشركة المصنعة لانظمة الشبكات, والتي اصبحت اكبر الشركات قيمة في العالم الاسبوع الماضي, اذ بلغ رأسمالها 555 مليار دولار مقارنة مع 541 مليار دولار لمايكروسوفت. واعتبر هذا انجازا لا يصدقه عقل بالنسبة للشركة التي اسست قبل 16 عاما فقط والتي لم تطرح اسهمها للاكتتاب الا منذ عشرة اعوام. كما اعتبر انتصارا كبيرا للرجل الغامض الذي ينظر اليه العديد من خبراء الاعمال كأكثر المستثمرين موهبة من بين بني جيله, وهو جون تشيمرز المدير التنفيذي لشركة سيسكو. ولا يعلم احد حتى من موظفى الشركة انفسهم, الكثير من تشيمبرز وكيف جعل من الشركة امبراطورية اعمال تمكنت من انجاز ما بدا مستحيلا قبل بضعة اشهر الفوز بمكانة كانت حكرا على مايكروسوفت. وقد اجتمعت عدة عوامل لتمكن سيسكو من تحقيق هذا الانجاز. فكما اشار عدد من المحللين خلال تغطيتهم لما حدث من تغيرات على قمة هرم عالم المال والاعمال, فإن صعود سيسكو على سلم هذا الهرم يعد ايذانا بتغير الدور الذي تلعبه التكنولوجيا في العالم الحديث. فعندما احتلت مايكروسوفت مكان جنرال اليكتريك لتصبح كبرى شركات العالم اعتبر ذلك رمزا على ان اقتصاد تكنولوجيا المعلومات في طريقه ليتفوق على الاقتصاد الصناعي. وقد فرضت مايكروسوفت سيطرتها على البرامج المركزية ونظم التشغيل التي تدير معظم اجهزة الكمبيوتر في العالم. ولكن صعود نجم الانترنت جعل الكمبيوتر اقل اهمية من الشبكة العالمية للمعلومات التي يتصل بها, مما جعل مملكة الانترنت اعظم شأنا من القوى العظمى للبرمجيات. ولا يتوافق هذا مع مصالح الشركات الرائدة في مجال اجهزة الكمبيوتر الشخصي مثل مايكروسوفت ودل وابل. فقد اضحت هذه الشركات مهددة بأن تتفوق عليها نجوم الانترنت الصاعدة مثل اوراكل وصن مايكروسيستمز ولوسنت وجي دي إس يونيفاز. وتتخصص سيسكو في تصميم وبناء (الانابيب الصامتة) التي تعد قلب الانترنت والمسئولة عن تحليل مليارات الحزم من المعلومات التي تتدفق بسرعة الضوء عبر خطوط الانابيب في الشبكة فضلا عن تحديد كيفية ارسالها إلى الوجهة الصحيحة. وتسيطر سيسكو على 90 في المئة من هذه السوق, مما يعطي المستثمرين انطباعا بأنها ستستمر في حصد الارباح على مدى سنوات عدة في المستقبل. ولم يكن هذا ما جال في خاطر مؤسسة الشركة ساندي ليرتر وزوجها ليونارد بوساك من جامعة ستانفورد اللذين نفذا مشروعا لربط خمسة آلاف جهاز كمبيوتر في الجامعة بشبكة واحدة. وكان هدف الزوجين اللذين اعتبرهما الكثيرون غريبي الاطوار, عندما اقدما على انشاء الشركة في عام 1948 هو ايجاد وسيلة لترجمة المعايير المختلفة التي تستخدمها اجهزة الكمبيوتر في التخاطب مع بعضها البعض عبر الشبكة. وكانت الفكرة الاساسية وراء مشروعهما هو انه بدلا من اجبار كافة صناع الكمبيوتر على جعل اجهزتهم تتحدث اللغة نفسها فإن الامكانيات التي توفرها الشركة تترجم ما تستخدم تلك الاجهزة من اشارات بسرعة كبيرة. وعندما ترك الزوجان الشركة في عام 1990 كان رأسمالها قد وصل إلى 170 مليون دولار. وجاء تشيمبرز إلى الشركة في نفس التوقيت الذي بدأ فيه سطوع نجم الانترنت. وركز تشيمبرز جهوده على ان يجعل من الشركة مصدرا لكل ما يتعلق بالانترنت بحيث لا يضطر المهتمون بالانترنت للتعامل مع غيرها. كما انه اهتم بتطوير مبدأ فيما يتعلق باخلاقيات العمل يعد الاقوى في وادي السيليكون. فعندما حاول صحفي اجراء مقابلة مع مسئول تنفيذي في سيسكو حول نجاح الشركة, كان الرد الذي تلقاه هو ان كافة المسئولين الكبار في مقابلات مع العملاء. وكانت ثمرة هذا العمل المتواصل مرضية. فقد قدرت صحيفة محلية ان نحو 10 في المئة من اجمالي موظفي الشركة في كافة انحاء العالم )21 الف موظف( اضحوا مليونيرات بفضل تملكهم لاسهم الشركة. غير ان تشيمبرز يعتبر (فقيرا) بالنسبة لغيره من المديرين التنفيذيين اذ لا تزيد قيمة اسهمه في سيسكو عن المليار دولار الا بمقدار ضئيل, وهو ما يقل كثيرا عن اسهم بيل جيتس في مايكروسوفت والتي جعلته اغنى اغنياء العالم حيث تصل قيمتها إلى 85 مليار دولار. غير ان العديد من المحللين يرون ان الاقدار ستبتسم لتشيمبرز في القريب العاجل اذ سيستمر ارتفاع قيمة اسهمه. وتشير الحسابات إلى ان الاسهم التي كانت قيمتها تساوي 10 آلاف دولار في عام 1990 اصبحت اليوم 5.13 مليون دولار. وهذا ما دعا المحلل باتريك هوتون إلى القول (انني اراهن على ان سيسكو ستكون اول شركة تتخطى حاجز التريليون دولار) . بيد ان هناك من يشير إلى ان المتاعب التي تعرضت لها مايكروسوفت مؤخرا واخفاقها في الحفاظ على مكانتها المهيمنة على السوق تعد نذيرا بما يمكن ان يحدث لسيسكو. ويتنبأ بوب ميتكالف الكاتب الصحفي في مجلة صناعية بأن الشركة ستتعرض لانهيار مالي يرجح ان يحدث عندما تنفجر (فقاعة الانترنت) ـ د.ب.أ