تباينت تقديرات المستثمرين خلال فصل الصيف الحالي بشأن الاجراءات التي ينبغي اتخاذها لتهدئة النمو الاقتصادي الامريكي المحموم. لكنه خلال الفترة الاخيرة ومع نشر احصاءات طيبة عن هدوء النمو الاقتصادي الامريكي وانخفاض الضغوط التضخمية يبدو ان كثيراً من المخاوف قد انتهت. ولا يتوقع الا المتشائمون ان يرفع البنك المركزي الامريكي )الاحتياطي الفيدرالي( سعر الفائدة مرة اخرى في اجتماعه المقبل وهناك تفاؤل متزايد بأن البنك لن يرفع سعر الفائدة مرة اخرى خلال العام الجاري. تكهنت الاحاديث في السوق المالي في نهاية الاسبوع الماضي بأن القائمين على السياسات في البنك المركزي الامريكي قد لا يرفعون سعر الفائدة. ان رفع سعر الفائدة ست مرات خلال العام الماضي جعلت سعر الفائدة الامريكي يصل إلى 5.6% وهو سعر قياسي على مدى تسع سنوات. وهناك ايضا آراء متزايدة بأن البنك المركزي قد يوجه رسالة تطمين للاسواق بأنه سيتجه إلى سياسة حيادية وليس تقييد النمو الاقتصادي, وازداد عدد هؤلاء الذين يعتقدون بذلك خلال الاشهر الماضية. ويعتقد كثير من المراقبين انه اذا لم يرفع البنك المركزي اسعار الفائدة هذا الاسبوع مع اقتراب الانتخابات الرئاسية فسوف يكون من الصعب عليه سياسياً ان يفعل ذلك حتى نهاية العام الجاري. وبين هذه التكهنات لم يكن من المثير للدهشة ان تسارع معدل ارتفاع البورصة مقارنة بالركود الذي اصابها في بداية فصل الصيف. ارتفع مؤشر داوجونز إلى اكثر من 11 الف نقطة لاول مرة منذ شهر ابريل. ويقول جيرالد كوهين كبير الاقتصاديين في ميريل لينش بنيويورك ان البنك المركزي سوف يكف يده خلال الفترة القصيرة المقبلة, على المدى القريب مما يعكس وجهة النظر القائمة في وول ستريت. لكن هل هناك ما يبرر هذه الثقة؟ فماذا يجعل الآن جرينسبان رئيس البنك المركزي وفريقه يحققون الآمال السائدة في الاسواق؟ يعتمد تفاؤل المستثمرين على ثلاثة فروض اساسية اولاً ان الاقتصاد الامريكي المحموم مستمر في تهدئة عجلاته السريعة وثانياً ان القائمين على اتخاذ القرار في البنك المركزي يقتنعون بذلك وثالثاً ان معجزة الاقتصاد الجديد لا تزال مستمرة. واصبح خبراء الاقتصاد والمال مقتنعين مرة اخرى بأن العام المقبل سوف يكون مختلفاً. لقد كان النمو الاقتصادي قوياً على غير المتوقع خلال الربع الثاني من العام الجاري وهم يعترفون بذلك, لكن هناك عدة عوامل خلف معدل النمو بنسبة 2.5% اجلت عملية تهدئة النمو الاقتصادي الامريكي. لقد انخفض نمو الطلب الاستهلاكي بشكل كبير خلال الربع الاول من العام وكان هناك ارتفاع كبير في مخزون الشركات لكنه قد يختفي خلال الربع الجاري. وكان هناك ايضاً ارتفاع كبير في بنود الانفاق الحكومي الاستثنائية. الاكثر من ذلك ان ارتفاع معدل التوظيف وهو مؤشر جيد على ظروف الطلب بصفة عامة بديتها دي مع مرور مزيد من الاشهر من العام الجاري. غير ان الدليل على استمرار هدوء وتيرة النمو الاقتصادي لا يزال هشاً. فلا تزال الظروف المساعدة على دفع نمو الطلب الاستهلاكي قائمة مع الارتفاع الكبير في الاجور. ولا يزال سوق الاسكان نشطاً رغم انه شهد بعض الهدوء خلال الاشهر القليلة الماضية وبلغ ادنى معدل نمو له في الفترة القصيرة الماضية منذ نهاية عام 1999. ولا يزال الاستثمار التجاري يتزايد بشكل قوي. ويقول سونج ون صون كبير الاقتصاديين في بنك ويلز فارجو في مينا بوليس ان الاقتصاد قد يكون هدأ من سرعته تقريباً من 90 إلى 80 ميلاً في الساعة مثلاً لكنه لا يزال يسير بسرعة كبيرة. كما ارتفع النشاط في السوق ايضاً بفعل اشارات من البنك المركزي. فقال آلان جرينسبان امام الكونجرس الشهر الماضي ما فسروه بأنه ثقة كبيرة في هدوء سرعة الاقتصاد دون حدوث مشكلات. لكن المسئولين في البنك المركزي لديهم وجهة نظر مختلفة. ويقولون ان جرينسبان لم يتبن وجهة نظر الهدوء الآمن بل كان يقدم تبريرات لهدوء نمو الطلب الاستهلاكي الذي حدث خلال الربع الثاني من العام. لكن اكثر ما ساهم في تزايد التفاؤل بشأن مستقبل اسعار الفائدة هو تجدد الثقة في التحول في اداء الاقتصاد الامريكي. الا ان نمو الطلب القوي يبدو منه ان هناك احتمالات تلوح الافق لارتفاع معدل التضخم, وجاء اقوى دليل في بيانات الاسبوع الماضي على ذلك. فإن الارتفاع في الانتاجية غير الزراعية بنسبة تزيد على 5% سنوياً حتى شهر يونيو الماضي يشير إلى ان العاملين في الولايات المتحدة ـ ينتجون سلعاً وخدمات اكثر وبمعدل متسارع. هذا الاداء السريع يعني ان تكلفة وحدة العمالة ـ وهي عنصر فعال في معدل التضخم ـ قد انخفضت خلال العام الماضي. لكن مرة اخرى الدليل ليس كاملاً. ويشير المسئولون في البنك المركزي إلى ان النمو في الانتاجية غير الزراعية الذي يؤكد على القوة الحقيقية لنمو الانتاج لكل ساعة قد يكون فاق الحد وان الرقم الذي يراه جرينسبان عنصراً يعتمد عليه, وهو نمو انتاجية قطاع الشركات غير المالية, يشير إلى هدوء في النمو إلى نحو 4%. ولا جدال ان التحسن في الانتاجية على مدى السنوات الاربع الماضية لا يزال مستمراً. لكن الغامض هو ما اذا كان التحسن يأتي في اطار دورة او اذا كان هيكلياً. يقول بعض خبراء الاقتصاد, خاصة روبرت جوردون بجامعة نورث وست ان كثيراً من التحسن في الانتاجية لا يعكس الا ارتفاع كبير في معدل نمو الانتاجية خلال السنوات القليلة الماضية. لكن هناك شكوك كبيرة بشأن هذا الغرض حتى داخل البنك المركزي. وقال روبرت باري رئيس فرع البنك المركزي في سان فرانسيسكو انه من الممكن ان يكون النمو الاقتصادي المحتمل على الاقل في العام المقبل بنسبة 5%. ويشترك غالبية خبراء الاقتصاد في وول ستريت مع وجهة نظر البنك المركزي بأن هناك نوعاً من المعجزة الاقتصادية هم غير مستعدين لها لكنهم يشيدون بها. وقد حذر جرينسبان عدة مرات ان هناك عنصري خلل يهددان النمو المستمر رغم انه يؤكد على تحسن الاداء الاقتصادي لكن هذين العنصرين هما العجز الحالي في الحساب الجاري الذي يزداد سوءاً كلما تفوقت الولايات المتحدة في نموها الاقتصادي مقارنة ببقية اجزاء العالم وحالة سوق العمل المشبعة. واشار المسئولون إلى ان الجدل الرئيسي في اجتماع البنك المركزي المقبل قد يكون سوق العمل وبصفة خاصة اذا كان الاقتصاد يستطيع ان يستمر مع وجود معدل بطالة 4%. وظل هذا المعدل ثابتاً نحو عام دون ان يثير ارتفاعاً في معدلات التضخم. ويشير ذلك إلى مجموعة من التغيرات الديموغرافية من وجهة نظر البعض, فهناك تغير في سوق العمل ويعني التحسن في معدل الانتاجية وان يستمر الاقتصاد في النمو. غير ان آخرين مثل لورانس ماير عضو مجلس ادارة البنك المركزي لا يؤمنون بهذه النظرية ويقولون ان معدل البطالة التضخمي غير المتسارع الذي يبدو انه تراوح بين 5.5 و6% خلال ثلاثين عاماً الماضية لابد ان يكون اعلى من معدل البطالة الحالي. غير ان جرينسبان قال انه لا يرى سبباً لأن لا يظل معدل البطالة عند 4% ويبدو انه يرى الجدل حول معدل البطالة التضخمي غير المتسارع لا طائل منه, وهو المعيار الذي سارت عليه السياسة المالية لمدة 20 عاماً او اكثر, لكنه قد يكون فقد اهميته مثل الالتزام الصارم بالمعروض النقدي المستهدف. وتشير كل الدلائل إلى ان البنك المركزي سوف يكون اكثر مرونة وغير راغب في الحد من انطلاق محتمل للاقتصاد الجديد, بل ان يثبت لاسواق المال فقط انه يقظ ويراقب الوضع عن كثب. كتب المحرر الاقتصادي