لو نظرنا بشكل سريع الى التقدم التقني الذي وصلت اليه الدول المتقدمة فسنجد ثورة تكنولوجيا شاملة تلاحظ بكل وضوح في مجال الالكترونيات الدقيقة, وفي التليماتية التي يقصد بها استخدام الحاسبات الالكترونية في شبكات الاتصالات السلكية واللاسلكية بحيث اصبح العالم عبارة عن (قرية كونية صغيرة) تربطها شبكة كمبيوتر واحدة تسمى , كما يظهر ذلك التقدم بكل وضوح في ثورة المعلوماتية التي تشمل النشاطات الخاصة بانتاج وتخزين ونقل ومعالجة ونشر المعلومات, بما في ذلك النشاطات التقليدية كالابحاث والدراسات والمكتبات والطباعة والنشر والتلفزة والاذاعة والصحافة, وكذلك الانشطة الخاصة بالاستشعار عن بعد والاتصالات الهاتفية والتلغرافية , وقد توحدت هذه الصناعة الضخمة بواسطة الحاسوب , وكذلك نلمس ذلك التقدم التقني الهائل في مجال البيولوجيا الحيوية حيث نسمع جميعا عن الجدل العلمي الدائر في الاوساط العلمية والغربية في هذه الايام حول الهندسة الوراثية والاستنساخ , والابحاث الخاصة بعلم المناعة. لقد سعت الدول النامية اكتساب التكنولوجيا من الدول الصناعية من خلال اتباع عدة طرق لعل اكثرها شيوعا هو استيراد السلع والمنتجات التي تنتجها الدول المتقدمة. وهذه احدى صور نقل التكنولوجيا ولكنها صورة سلبية لكون هذه المنتجات تستورد بهدف استهلاكها أي تستورد لاغراض استهلاكية وليست انتاجية. كما سعت دول اخرى الى شراء المصانع الجاهزة مباشرة حيث تتولى وفق هذا الاسلوب الشركات العالمية المتعددة الجنسيات بناء المصنع وتقديم كامل الاجهزة الخاصة به مع تقديم الخدمات التكنولوجية اللازمة, وما يعيب هذا الاسلوب من النقل التكنولوجي تلك القيود الصارمة التي تضعها الشركات المتعددة الجنسيات على انشطة البحث والتطوير الخاصة بالتكنولوجيا التي قدمتها للمستثمر المحلي في الدول النامية, أي انها تسمح باستخدام التكنولوجيا المتقدمة كما هي دون ان يكون له الحق في تطويرها, ويتم املاء هذه الشروط في ظل عدم التكافؤ في القوة التفاوضية للطرفين , حيث تتمتع الشركة العالمية بالخبرة الفنية الطويلة والمعرفة التكنولوجية والمقدرة الرأسمالية الضخمة التي قد تعادل الميزانية السنوية لمجموعة من الدول النامية , في حين لا يملك الطرف المتلقي للتكنولوجيا سوى السيولة المادية التي تمكنه من اكتساب التكنولوجيا , ومما يعيب ذلك الاسلوب ايضا كون الشركات العالمية المتعددة الجنسيات التي تعد المنتج والمسيطر الاكبر في الوقت الراهن على معظم التكنولوجيا المتاحة بالعالم, تصر على تقاضي مبالغ باهظة مقابل تقديمها للتكنولوجيا, فهي تبحث بالدرجة الاولى عن تحقيق اكبر قدر من الارباح. ولكن رغم ما تم نقله الى الدول النامية من تكنولوجيا بواسطة الطرق السابق ذكرها , فان هذه الاساليب من النقل التكنولوجي لا تزال قاصرة عن تحقيق التقدم التكنولوجي المرجو للدول النامية الذي من شأنه ان يقلل الفجوة التكنولوجية بينها وبين الدول المتقدمة. واوجه القصور تبرز من خلال: منع انشطة البحث والتطوير وكذلك منع او حجب المعرفة الدقيقة لمكونات التكنولوجيا ويتم ذلك كما ذكرنا في ظل قوة تفاوضية غير متكافئة. ومن الواضح اذن انه ليس امام الدول النامية في ظل الوضع السابق الا ان تضاعف من جهودها في سبيل توليد التكنولوجيا , بمعنى ابتكارها وانتاجها بدلا من شرائها واستهلاكها, ويمكن ان يأتي لها ذلك عن طريق عدة وسائل اهمها تكثيف انشطة البحث والتطوير, وتقديم الدعم الكافي من القطاعين العام والخاص الى هذه الانشطة. وكذلك التوسع في انشاء مراكز البحث والتطوير مع الاهتمام بانشاء اقسام خاصة بالبحث والتطوير في الوحدات الصناعية والقطاعات الانتاجية المختلفة, بالاضافة الى ذلك تبرز اهمية القيام بدعم المراكز العلمية وتشجيع تأسيس المعاهد البحثية المتخصصة مع تقديم الجوائز المادية والمعنوية لافضل البحوث التطبيقية, وكذلك تشجيع الباحثين والعلماء وتسهيل السبل امامهم للابداع والابتكار. وكذلك تشجيع اقامة المؤتمرات العلمية والندوات واللقاءات المهتمة بشئون البحث العلمي والابتكار والتكنولوجيا. كما ان هناك جانبا في غاية الاهمية ينبغي العمل على توفيره وهو (المناخ او البيئة الصحية) اقتصاديا واجتماعيا التي تهتم بالخلق والابتكار وتعزيز قيمة البحث العلمي, والتي تشجع على احداث التطوير في كل القطاعات , ويمكن توفير ذلك المناخ الصحي من خلال المناهج التعليمية وكذلك عن طريق التوعية عبر وسائل الاعلام المختلفة, وكذلك عن طريق تطوير العنصر البشري من خلال توفير التدريب العالي والمتخصص للمصادر البشرية التي تعتبر هي الاساس في كل تقدم تكنولوجي. حسين محمد