بلغ مستقبل السياسة الامريكية غايته بهدوء في واشنطن, لكن القيّمين على الحكمة التقليدية ـ الصحافة وجماعات المعلّقين ـ لم يلحظوا ذلك, ولايزال اهتمامهم مركزا على الحملة الرئاسية والموضوعات الرئيسية المألوفة للسياسة القديمة: الليبراليون ضد المحافظين والاغنياء ضد الفقراء ومساهمو الحملات (ذوو المصالح الخاصة) ضد الجميع. والأمر المهمل عمليا هو السياسة الجديدة التي هي عبارة عن برنامج تشريعي مزدحم على نحو متزايد بقضايا تحرّض المتقاعدين ضد المستخدمين وتؤدي اذا ما سنت على شكل قانون الى تحويل مئات المليارات من الدولارات عبر الحدود الفاصلة بين الأجيال. الكل يعلم ان الحكومة الاتحادية تعمل حاليا كآلية تحويل هائلة بين المستخدمين والمتقاعدين. فضرائب المستخدمين تدفع نفقات اعانات التقاعد وبشكل أساسي من خلال الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية. وهذه الاعانات المالية تستحوذ حاليا على ثلثي الميزانية الاتحادية ويبلغ متوسطها 700.17 دولارا لكل شخص فوق عمر الخامسة والستين حسبما يقول مكتب الموازنة التابع للكونجرس. وتتلخص اخبار هذا العام في دفق من الاقتراحات التي ستؤدي الى زيادة حجم عملية التحويل بشكل كبير: * يحث الرئيس كلينتون على تخصيص اعانة للأدوية التي تصفها خدمات الرعاية الطبية بتكلفة تقدر بين 250 مليار دولار و338 مليار دولار من العام 2001 وحتى العام 2010. * اعضاء الكونجرس من الجمهوريين يريدون تخفيض ضرائب الدخل التي يدفعها متلقو الضمان الاجتماعي على الاعانات المالية التي يحصلون عليها, الأمر الذي يؤدي الى تخفيض العوائد الضريبية بما يزيد على 100 مليار دولار خلال عشرة أعوام. * مجلس النواب صوّت على الالغاء التدريجي لضريبية التركة (ضريبة الموت) مكونين بطريقة ما اعانة التقاعد النهائية, وتبلغ الخسارة المتوقعة في العوائد 105 مليارات دولار خلال العقد المقبل. * اقترح كل من كلينتون والجمهوريين قروضا طويلة الأجل لضرائب الرعاية للأشخاص في دور الرعاية أو المحتاجين للمساعدة في البيت. وتعتبر التكاليف الأولية متواضعة (27 مليار دولار خلال عقد بالنسبة لاقتراح كلينتون) ولكنها ستزداد بالتأكيد. السياسة تشيخ على غرار أمريكا. فلا توجد (مشكلة ضمان اجتماعي) ثابتة أو (مشكلة رعاية طبية) . وعندما يشيخ الناس, فإنهم يكتشفون احتياجات جديدة ويتقدمون بمطالب سياسية جديدة. وعلى نحو مماثل, فإن السياسيين يضعون برامج جديدة لكي تروق للقاعدة الانتخابية المتوسعة من المتقاعدين وأشباه المتقاعدين. وهذا يشمل على نحو متزايد ابناء طفرة المواليد الذين يمكنهم ان يلمحوا تقاعدهم بل وحتى وفاتهم. إن ثقافتنا السياسية تتجنب بعناء القضايا المركزية التي يطرحها التحول الذي لا يمكن تجنبه, فاذا قمت بزيادة الاعانات المخصصة للمتقاعدين أو خفّضت الضرائب المفروضة عليهم, فإنك تزيد بذلك من العبء الواقع على كاهل المستخدمين أو تفرض تخفيضات فيما تبقى من مخصصات الحكومة. ما مقدار العون المالي الذي يتعين على الحكومة (يعني المستخدمين عمليا) ان تدفعه للمتقاعدين الاغنياء؟ هل يتعين على الامريكيين الذين يعيشون فترة أطول ويتمتعون بصحة أفضل من أي وقت مضى, ان يعملوا فترة أطول؟ في السباق الرئاسي, يعطي المرشح الجمهوري جورج بوش اشارات ضعيفة (ومتضاربة) بأنه قد يثير هذه الاسئلة وحتى الآن, فإن منافسه آل جور لا يعطي أيا من هذه الاشارات. وعموما, فإن لدينا اجتماعا على اجتناب هذا الأمر, فالكل يتوقع ان يتقدم به العمر. والكل لديه أقارب مسنين. وهي عبارة عن عادات راسخة من التفكير واللغة ونحن نصور الصراعات السياسية بعبارات حزبية أو ايديولوجية أو طبقية ونقلل من أهمية القضايا المتعلقة بالاجيال. هنالك فصل متنام بين ما يحدث وما نقول انه يحدث. وتعتبر ضريبة التركة مثالا نموذجيا. فكيف يمكن ان يكون هناك تأييد كبير لشيء سيفيد فقط القلة الغنية؟ وفي عام 1997 جمعت الحكومة 21 مليار دولار من 596.47 تركة, أي حوالي 2% من الاشخاص الذين توفوا. ومع ذلك فإن قرار الغاء الضريبة قد نجح في التصويت عليه في مجلس النواب بنتيجة 279 صوتا مقابل 136 صوتا. والنظرية الجاهزة هي ان الجمهوريين يعتبرون بيادق في يد الاغنياء. وتلك هي السياسة القديمة وهي لا تفسّر الاصوات الديمقراطية الـ 65 أو استعداد القادة الديمقراطيين لتخفيض الضريبة. والجواب الافضل هو ان الملايين من امريكيي الطبقة العليا يعتبرون الضريبة أمرا غير مبرر. ففي عام 2000 لم يتم اقتطاع الضريبة الا من التركات التي زادت قيمتها عن 675 ألف دولار. وبحلول عام 2006 سيرتفع الحد الادنى للتركة الى مليون دولار. ومع ذلك, فإن العديد من العائلات التي لديها بيوت غير مرهونة ومحافظ أسهم منتفخة يمكنها ان تتصور اختراق الحد الادنى. وخلال الفترة بين عامي 1998 و2052 قد يخلّف ما بين 7 و15% من الاشخاص الذين يموتون تركات تتجاوز المليون دولار دون ان يأخذوا التضخم بعين الاعتبار حسب تقديرات معهد الرفاه الاجتماعي في بوسطن كوليج. وقد يعتقد العديدون ايضا ان بمقدورهم تحقيق ذلك. هكذا فإن المدارك تتغير, فبموجب السياسة القديمة, كانت ضريبة التركة تعتبر عائقا أمام الارستقراطية الموروثة, ووفق السياسة الجديدة فإنها تعتبر عبئا على نجاح الطبقة الوسطى.. وعقوبة على العائلات التي تحاول التوفير من أجل أطفالها. والسياسة المثلى الآن ستتمثل في تعليق جميع هذه الاقتراحات, فبعضها يتمتع بميزة حسنة وبعضها الآخر ليس كذلك, ولكن جميعها تحتاج الى دراسة في سياق اجتماعي أوسع لا وجود له. ويحتاج المرء الى حساب الأعباء المتعلقة بالاجيال والربط بينها. ونحن بحاجة الى تطوير وعي أكثر عقلانية حول العملية, وبحاجة كذلك الى لغة جديدة لمناقشة موضوع العدل المتعلق بالاجيال, ويحتاج الجو الى ان يكون أقل ميلا لصالح المتقاعدين وأكثر حساسية لاحتياجات المستخدمين وعائلاتهم وباقي قطاعات الحكومة. إن هذا الامر سيكون بمثابة تحول بطولي واحتمالات حدوث هذا التحول في عهد رئيس جديد تعد ضئيلة ولكنها افضل بكثير مما كانت عليه في عهد كلينتون الذي استغل باستمرار المسألة سياسيا باللعب على مخاوف الناس من الشيخوخة. أما فيما يتعلق بالعدالة بين الاجيال, فقد كانت سياسته ثابتة وتتلخص في المقولة: لا تسأل ولا تقل. بقلم: روبرت صامويلسون