من النادر جدا ان يتلقى العالم انباء اقتصادية طيبة متزامنة الآن, فالاقتصاد العالمي يسير في اتجاه صعودي برغم ان هذا يشكل ضغطا على الاسعار. وتعتمد الآمال على ان يظل معدل التضخم العالمي مستقر ولا يرتفع على افتراض ان الشركات سوف تستمر في استيعاب آثار ارتفاع البترول, مع الارتفاع في أسعار سلع أخرى تدخل في الصناعة. وقد سببت الأرقام المنشورة عن معدلات التضخم في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو نوعا من الارتباك في أسواق المال, فقد أثبتت الاحصاءات ارتفاع الأسعار في كلتا المنطقتين الاقتصاديتين. ويجد الكثير من المراقبين الراحة في ارجاع ارتفاع معدلات التضخم في كل من الولايات المتحدة واوروبا على جانبي الاطلسي, كما يقولون, الى ارتفاع أسعار البترول والذي لابد ان ينخفض عن قريب. لكن المهم ان هذه النظرية لا تنطبق اذا نظرنا الى معدل التضخم الاساسي الذي لا يشمل اسعار الطاقة وأسعار الغذاء المتقلبة, وهذا يعطي هؤلاء المراقبين نوعا من الراحة, فالارقام أوضحت ان معدل التضخم الأساسي مستقر عند 3.1%, في الوقت الذي ارتفعت فيه كل عناصر مؤشر معدل التضخم بنسبة 4.2% في منطقة اليورو, أي أعلى من توقعات وتقديرات البنك المركزي الاوروبي. ولم يختلف الوضع كثيرا في الولايات المتحدة, حيث ارتفعت أسعار المستهلك بنسبة 5.3% الشهر الماضي مقابل نفس الشهر من العام السابق, الا ان معدل التضخم الأساسي (بدون الطاقة والغذاء) ظل مستقرا نوعا ما, ويتراوح ما بين 2.3% في المتوسط خلال الاعوام الخمسة الماضية. اذن ليس هناك سبب للقلق مادام الارتفاع في أسعار البترول مؤقتا, لكن سعر البترول في اتجاه صعودي مستمر منذ بداية العام الماضي برغم الزيادات في الانتاج التي قدرتها منظمة الأوبك. والسبب الاساسي لا مفر من الاعتراف بأنه الانخفاض في البورصة الامريكية الذي تزامن مع نمو الانتاج العالمي وارتفاع الطلب على الطاقة. ارتفاع انتاج البترول لم يكن لقرار السعودية برفع انتاج البترول بمقدار نصف مليون برميل يوميا في الشهر الماضي أثر على أسعار البترول المرتفعة بسبب الشكوك في تنفيذ هذا القرار. ويحتمل ان تعلن منظمة الأوبك في اجتماعها الشهر المقبل عن ارتفاع في انتاج الدول الاعضاء. لكن البترول الذي سيزيد انتاجه سوف يستغرق وقتا حتى يصل الى الولايات المتحدة, مما يعني انه اذا كان برد الشتاء المقبل قارسا, فهناك احتمال لزيادة ارتفاع اسعار البترول وحتى اذا جاء الشتاء معتدلا فسوف تستغرق البورصات وقتا ليتكون مخزون من البترول بما يعني ان الاسعار قد تظل مرتفعة ايضا. والبترول ليس هو السلعة الوحيدة التي ترتفع اسعارها, فارتفاع النمو العالمي يعني ان كثيرا من السلع التي تدخل في الصناعة ترتفع اسعارها وكذلك تكلفة المنتجات. وتوقعت وحدة الايكونوميست الاقتصادية مؤخرا ارتفاعا بنسبة 15% في اسعار المواد الخام الصناعية خلال العام الجاري مع ارتفاع يزيد على 10% في كثير من السلع الصناعية مثل المعادن الاساسية والالياف والمطاط. وقد دفعت التجارة العالمية المتنامية ايضا بأسعار الشحن الى معدلات قياسية لم تحدث منذ 30 عاما. ورغم ان المنتجات الأولية مرتفعة الأسعار في الوقت الحالي فإن كثيرا من الشركات تحافظ على استقرار اسعارها على أمل ان تعود أسعار السلع الأولية والمواد الصناعية الى سابق اسعارها مرة اخرى. لكن اذا استمر النمو العالمي السريع في دفع أسعار المواد الخام والسلع الصناعية لأعلى, فسوف تؤدي الاسعار في النهاية الى فرض ضغوط على الاجور. تضخم منخفض في أسعار السلع يتراوح معدل التضخم في اسعار السلع الصناعية في منطقة اليورو على سبيل المثال حول معدلات أقل من 1% سنويا لفترة ما برغم ان مؤشر اسعار المنتجين يصل حاليا الى نحو 6.5% على أساس سنوي, لكن الابحاث تثبت ان الشركات تنوي رفع اسعار البيع لعدة اشهر. سوف تحدث هذه العملية بسرعة أكبر في بعض الدول مقارنة بدول اخرى, فالدول ذات اسواق العمل غير المرنة سوف تكون أكثر عرضة لرفع أسعار المنتجات وكذلك الدول التي تصطدم فيها اسواق الشركات والعمالة مع القيود على طاقة التشغيل والانتاج. ويشكل انخفاض سعر العملة في القارة الاوروبية ضغطا على عكس الحال في الولايات المتحدة, حيث كان لسعر الدولار القوي المستثمر في الارتفاع أثر ايجابي في كبح جماح الاسعار. وتتساءل الشركات اذا كان سعر اليورو سوف يعاود الارتفاع أمام الدولار الامريكي, لكنها قد تتوفر لها الثقة الكافية لتعديل أسعارها حاليا مع استقرار اليورو حول 90.0 دولار امريكي. ولابد ان تكون تجربة السعبينيات دليلا كافيا على ان ارتفاع الاسعار بالنسبة للبترول له أثر مستمر زمنيا على التضخم. لقد تغير الاطار السياسي وانخفضت أهمية البترول كسلعة بالنسبة للدول المتقدمة, بما يعني ان هذه الدول لن تمر بمعدلات تضخم مرتفعة كما حدث من قبل. وهناك عوامل اخرى تدعو للاطمئنان منها العولمة التي أدت بتزامنها مع طرح عملة اوروبية موحدة الى تزايد ضغوط المنافسة. لقد تضاءلت سلطة الشركات على الاسعار بشكل كبير مقارنة بما مضى. لكن استمرار النمو الاقتصادي العالمي بقوة اضافة الى ظروف سوق البترول يعني استمرار الضغط على الاسعار وهذا يتطلب يقظة كاملة من البنوك المركزية, وقد يمكن السيطرة الى حد كبير على معدلات التضخم, لكن اسعار الفائدة قد تظل مرتفعة لفترة طويلة أكثر مما يتوقع البعض. التضخم في منطقة اليورو أعلى من التوقعات ظل معدل التضخم في منطقة اليورو أعلى مما حدده البنك المركزي الأوروبي بنسبة 2% خلال الشهر الماضي, مما رفع التوقعات بأن اسعار الفائدة سوف ترتفع خلال الشهر الحالي او المقبل. كان معدل التضخم مستقرا على 2.4% بناء على معدل سنوي في الدول الاعضاء الاحدى عشرة في منطقة اليورو حيث ادى انخفاض اسعار المواد الغذائية الى معالجة اثر ارتفاع اسعار الطاقة وفق البيانات الرسمية. ارتفعت الاسعار الاستهلاكية (مؤشر اسعار المستهلك) باستثناء الطاقة بنسبة 1.4% سنويا مقابل 1.2% في يونيو. وارتفع مؤشر اسعار الغذاء بنسبة 1.6% خلال شهر يوليو, في الوقت الذي ارتفع فيه مؤشر اسعار الطاقة بنسبة 13.7% خلال شهر يونيو. لكن معدل التضخم الاساسي الذي لا يشمل الغذاء والتبغ والكحول لم يتغير وظل عند نسبة 1.3%. واوضحت الاحصاءات التي نشرها مكتب الاتحاد الأوروبي للاحصاء (يورستات) ان معدل التضخم السنوي بلغ 2% أو أعلى في كل الدول الاعضاء في منطقة اليورو لأول مرة منذ اطلاق العملة الأوروبية الموحدة. وتراوح التضخم من 2% في فرنسا والمانيا الى 3.7% في اسبانيا و5.9% في جمهورية ايرلندا. اما معدل التضخم في اليونان التي تنضم الى الاتحاد النقدي الأوروبي قريبا فقد بلغ 2.6%. وقالت اللجنة الأوروبية في ضوء البيانات الخاصة بالشهر الماضي فإن هناك شكوكا حول صحة توقعاتها بأن يستقر معدل التضخم في منطقة اليورو عند 1.8% سنويا وسوف تعدل اللجنة توقعاتها في نوفمبر. وقد حذر البنك الأوروبي الاسبوع الماضي في نشرته الشهريةمن ان التضخم في الاشهر المقبلة قد يكون اعلى من التوقعات عموما بسبب ارتفاع الاخير في اسعار البترول. وقد ارتفع الدولار الامريكي بمقدار يزيد على نصف سنت مقابل اليورو امس الأول في لندن ليبلغ اليورو 9.9 دولارات امريكية. وقال خبير اقتصادي الماني في فرانكفورت ان ما يقلق البنك الأوروبي بالدرجة الأولى هو الاتجاه الصعودي للتضخم الاساسي. واضاف ان معدل التضخم الاساسي مستقر عند 1.3% لكن هذا هو اعلى معدل يستقر عنده منذ مارس العام الماضي. وقال انه يتوقع ان يرتفع هذا المعدل الاساسي ليفوق 2% في ربيع العام المقبل. وقال الخبير الاقتصادي الالماني ان البنك الأوروبي قد يتخذ اجراءات حاسمة ازاء ضغوط ارتفاع التضخم عن طريق رفع اسعار الفائدة بنسبة 0.50% في نهاية الشهر الجاري عندما يجتمع مجلس البنك افي نهاية عطلة الصيف. ويقول خبراء آخرون ان البنك لن يتخذ اي قرارات قبل منتصف الشهر المقبل. ويقول احد الخبراء الاقتصاديين في ميريل لينش في لندن انه يطالب برفع سعر الفائدة بمقدار نصف في المئة خلال اجتماع الشهر المقبل رغم انه لا يستبعد ان يتخذ البنك الأوروبي خطوة قبل هذا التاريخ. رفع البنك الأوروبي سعر الفائدة بنسبة 1.75% لتصل الى 4.25% منذ نوفمبر الماضي, كما رفع سعر الفائدة بمقدار نصف في المئة اخرى في يونيو. وتشير اسعار الفائدة المتغيرة للبنك الأوروبي الى ان الشركاء يتوقعون ارتفاع سعر الفائدة على المدى القريب. ويصل متوسط السعر الحالي الى 4.35% ومن المتوقع ان يصل الى 4.40% الاسبوع المقبل. انخفاض سعر اليورو ارتفع سعر الدولار الأمريكي امس الأول امام اليورو فغطى على الارقام التي تشير الى ارتفاع العجز التجاري الأمريكي. ارتفع العجز التجاري الامريكي ليصل الى رقم قياسي بلغ 30.62 مليار دولار في يونيو حيث ان ارتفاع اسعار البترول اثر على قوة الصادرات, وكان الخبراء ينظرون الى ارتفاع العجز التجاري على انه نقطة ضعف للدولار. لكن ارقام العجز التجاري عن يونيو كانت اقل من توقعات السوق. الا ان هذه البيانات لم تؤد الى انخفاض سعر العملة الامريكية ولم تمنع الدولار من الارتفاع امام اليورو. ويقول مايكل لويس الخبير الاقتصادي في دويتشه بنك ان الدولار لم يتأثر بأرقام ارتفاع العجز التجاري الامريكي ودعمه وزاد من قوته تزايد تدفق الاستثمار على البورصة الامريكية. لكن ارتفاع الدولار امام الين الياباني لم يكن بنفس قدر ارتفاعه امام اليورو, بل ان الين ارتفع امامه في بورصة نيويورك وبلغ الدولار اعلى قليلا من 108 ينات يابانية. ولم يستطع المحللون تفسير هذا الارتفاع في سعر الين امام الدولار الأمريكي. واستبعد كثيرون شائعات مفادها ان القائمين على السياسة المالية في كل من الولايات المتحدة واليابان غيروا رأيهم بشأن سعر العملة اليابانية واصبحوا يريدون للين ان يكون قويا امام الدولار. ارجع الغالبية من المحللين ارتفاع سعر الين الى ظرف تجارة العملة. ومع انخفاض سعر اليورو بدأ المحللون يتأملون ويفكرون في الارتفاع الاخير في سعر اليورو قبل هذا الانخفاض. ويعتقد البعض ان انسحاب شركة هوتشيسون وامبوا من مزاد تراخيص تشغيل الثالث من الهواتف المتحركة في المانيا قد دحض احدى الشائعات المنتشرة التي كانت تؤيد ارتفاع سعر اليورو وهي ان الاقبال على شراء اليورو في آسيا قد اقنع البعض بأن وامبوا كانت تعتمد على مخزون كبير من اليورو تحسبا لفوزها في المزاد. واثبت انسحاب الشركة ان هذه الشائعة لم تكن قائمة على اي اساس وقضى على مصدر محتمل للطلب على اليورو من اجل دفع تكلفة تراخيص تشغيل الهاتف في المانيا. كما تساءل المحللون في مناخ من التفاؤل بشأن اليورو اذا كانت اية خطوات جريئة من جانب البنك المركزي الأوروبي سوف تستطيع رفع سعر اليورو لأعلى. لكن البيانات المنشورة عن ارتفاع مؤشر اسعار المستهلك في منطقة اليورو خلال الشهر الماضي وهي اعلى من تقديرات البنك الأوروبي ايدت توقعات برفع سعر الفائدة, إلا انها لم تساعد في رفع سعر اليورو. وقال راي اتريل مدير الابحاث في فوركاست للاستشارات ان السوق يتوقع ارتفاع اكثر من 0.50% في سعر الفائدة خلال الشهرين المقبلين سواء رفع البنك الأوروبي سعر الفائدة بنسبة 0.25% او 0.50% واضاف انه ليس هناك ما يدعو للاعتقاد بأن سعر اليورو سوف يرتفع مهما اتخذ البنك الأوروبي من خطوات خلال اجتماعه المقبل.