عودة للحديث عن الاستثمار الأجنبي, فقد كشفت العديد من الدراسات والاحصاءات والشواهد العملية الواقع المتخلف الذي لا تزال تعاني منه الجهود الخليجية في مجال جذب الاستثمار الاجنبي وخاصة بأشكاله المتقدمة الفنية والتكنولوجية والذي يتطلب من ثم جهودا مكثفة ومتنوعة من اجل تجاوزه. فلابد اولا من وجود تنسيق وتعاون بين دول المجلس في مجال جذب الاستثمارات الاجنبية الى دول المجلس باعتبار ان هذه الدول تشكل في مجموعها وحدة اقتصادية مشتركة وذلك من خلال وضع استراتيجية اقتصادية خليجية تهدف الى استقطاب هذه الاستثمارات من منظور تنموي. وغني عن القول ان الدعوة الى التنسيق باتت تكرر نفسها في جميع قضايا العمل الاقتصادي الخليجي المشترك مما يثير التساؤل بالفعل حول مدى ما تحقق من انجازات فى هذا المجال, اي مجال التنسيق الاقتصادي الخليجي. والخطوة التي لا تقل أهمية عما سبق أن ذكرنا هي ضرورة توضيح التوجهات الاقتصادية والاولويات الاستثمارية الخليجية, ويتبع ذلك ضرورة المعرفة الشاملة والدقيقة لاحتياجات التنمية من الموارد الاجنبية من ناحية, والطرق البديلة المختلفة لاستجلابها كالقروض والاستثمار الاجنبي المباشر والمشروعات المشتركة والعون الفني من ناحية اخرى, وايجابيات وسلبيات الانماط المختلفة لاختيار انسبها. ونحن نؤكد على اهمية هذه الخطوة بشكل خاص كونها ببساطة ترمي الكرة في المرمى الخليجي نفسه , وتثير بدورها قضية اساسية هى مدى وضوح وجاهزية الاستراتيجيات الخليجية ليس فيما يخص الاستثمار الاجنبي فحسب , بل ومجمل توجهات التنمية ومستقبل المجتمعات الخليجية ككل. ولقد اكدنا مرارا على صلة هذه القضية بوضع وتنسيق سياسات العمل الاقتصادي المشترك فى كافة جوانبه. وفيما يخص الاستثمار الاجنبي تحديدا فان وضوح التوجهات التنموية يعني دخول دول المجلس كمفاوض واحد يعرف ماهية التكنلوجية التى سوف يختارها وأين وكيف وقبل كل ذلك تثبيت السياسات الكفيلة بتوطينها. وعلى سبيل المثال فان وضوح التوجهات يزيل عقبة رئيسية امام نجاح برامج الاوفست التى تعتبر مدخلا رئيسيا لتشجيع الاستثمار الاجنبي فى مجال نقل التكنولوجيا حيث تشتكي العديد من شركات الاوفست من غياب فرص ومجالات الاستثمار الجاهزة بدول المنطقة. كما ان هذه الخطوة ترتبط بضرورة اتخاذ خطوة اخرى ذات صلة. ان كون دول مجلس التعاون الخليجي تعتبر من الدول التي تتميز بموارد مالية كبيرة يستثمر جزء منها في الدول الاخرى فهي لا تهدف من جذب الاستثمار الاجنبي الى الحصول على رؤوس اموال في المقام الاول بل الى ما يصاحبها من تقنيات عالية ومتطورة واساليب وممارسات ادارية وتسويقية متميزة بما يخدم خطط وبرامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وعليه فان المطلوب التأكيد على اهمية النظرة بعيدة المدى للاستفادة من هذه التقنيات والممارسات في تطوير الامكانيات والموارد الوطنية وذلك عن طريق الزام المستثمرين الاجانب بالمساهمة في عملية البحث والتطوير وتأهيل وتدريب العمالة الوطنية. والى جانب ذلك فان هناك عددا من الخطوات الاخرى التي يمثل القيام بها تحصيلا طبيعيا للجهود التى تبذلها دول المنطقة فى مجال تشجيع الاستثمار الاجنبي, فعلى سبيل المثال ان تواصل دول المنطقة العمل على تحسين مناخ الاستثمار من خلال تعديل الانظمة والتشريعات الاقتصادية التي تحد من تدفق الاستثمار الاجنبي, وتبسيط الاجراءات الادارية بإنشاء اجهزة يناط بها جميع الاجراءات الخاصة بالمستثمرين الاجانب. ان هذا الامر سيؤدي كذلك الى عودة رؤوس الاموال الوطنية المهاجرة وكذلك اهمية الاستمرار في تطوير البنيات الاساسية في دول المجلس باعتبارها احد العناصر المهمة لجذب الاستثمارات الاجنبية وذلك عن طريق دعوة الشركات الاجنبية لتمويل مشروعات البنية التحتية ـ خاصة في مجال تحلية المياه وتوفير الطاقة الكهربائية والموانىء ـ وذلك باستخدام الصيغ الحديثة في الاستثمار والتمويل. كما أن تطوير اسواق رأس المال تعد قضية حيوية بالنسبة للمستثمر الاجنبي خصوصا انه يعتبر هذه الاسواق كمؤشر على استقرار ودرجة مخاطرة استثماراته فى البلد المعني, ومدى قدرته على مقارنة عوائده منها بعوائده الاستثمارية فى الاسواق الاخرى, وقبل ذلك فان مدى نجاح هذه الاسواق فى استقطاب الاستثمارات المحلية بالدرجة الاولى تعد بالنسبة للمستثمر الاجنبي برهانا على رغبة المستثمرين الوطنيين بإنجاح جهود التنمية فى بلدانهم وثقتهم فى هذه الجهود. وذلك يعتبر بالنسبة له ـ أي للمستثمر الاجنبي - حافز رئيسيا لتوظيف جزء من استثماراته ـ وخاصة التى تأخذ اشكال توظيفات ثابتة وطويلة الاجل ـ في بلدان المنطقة. حسين محمد